حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الاغتباط في العلم والحكمة

حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثني إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري ، قال : سمعت قيس بن أبي حازم قال : سمعت عبد الله بن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا حسد إلا في اثنتين ؛ رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها . مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن البخاري حمل ما وقع في الحديث من لفظ الحسد على الغبطة فأخرجه عن ظاهره وحمله على الغبطة وتمني الأعمال الصالحة ، وترجم الباب عليه . بيان رجاله : وهم ستة ، والكل قد ذكروا ، والحميدي هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى المكي صاحب الشافعي ، أخذ عنه ورحل معه إلى مصر ، ولما مات الشافعي رجع إلى مكة .

وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، وقيس بن أبي حازم - بالحاء المهملة والزاي . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والسماع ، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين ، ومنها أن رواته ما بين مكي وكوفي ، ومنها أن فيه سفيان بن عيينة ، وقد ذكر أن الزهري حدثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل ، وهو معنى قوله حدثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري برفع الزهري لأنه فاعل حدث ونا مفعوله ، والضمير يرجع إلى الحديث الذي يدل عليه حدثنا ، والغرض من هذا الإشعار بأنه سمع ذلك من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري إما مغايرة في اللفظ وإما مغايرة في الإسناد وإما غير ذلك ، وفائدته التقوية والترجيح بتعداد الطرق ، ورواية سفيان عن الزهري أخرجها البخاري في التوحيد عن علي بن عبد الله عنه قال : قال الزهري عن سالم - ورواها مسلم عن زهير بن حرب وغيره عن سفيان بن عيينة قال : ثنا الزهري عن سالم عن أبيه - ساقه مسلم تاما واختصره البخاري ، وأخرجه البخاري أيضا تاما في فضائل القرآن من طريق شعيب عن الزهري قال : حدثني سالم بن عبد الله بن عمر - فذكره . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هاهنا عن الحميدي عن سفيان ، وأخرجه أيضا في الزكاة عن محمد بن المثنى عن يحيى القطان ، وفي الأحكام وفي الاعتصام عن شهاب بن عباد عن إبراهيم بن حميد الرواسي ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه ومحمد بن بشر ، وأخرجه النسائي في العلم عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير ووكيع ، وعن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك - ثمانيتهم عن إسماعيل بن أبي خالد عنه به .

وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن محمد بن عبد الله بن نمير به . بيان اللغات : قوله لا حسد ، الحسد تمني الرجل أن يحول الله إليه نعمة الآخر أو فضيلته ويسلبهما عنه ، وفي مجمع الغرائب : الحسد أن يرى الإنسان لأخيه نعمة فيتمنى أن تكون له وتزوى عن أخيه ، وهو مذموم ، والغبط أن يرى النعمة فيتمناها لنفسه من غير أن تزول عن صاحبها ، وهو محمود . وقال ثعلب : المنافسة أن يتمنى مثل ما له من غير أن يفتقر ، وهو مباح ، ويقال : الحسد تمني زوال النعمة عن المنعم عليه ، وبعضهم خصه بأن يتمنى ذلك لنفسه ، والحق أنه أعم .

وقال ابن سيده : يقال حسده يحسده ويحسده حسدا ، ورجل حاسد من قوم حسد ، والأنثى بغير هاء ، وهم يتحاسدون ، وحسده على الشيء وحسده إياه ، وفي الصحاح : يحسده حسودا . وقال الأخفش : وبعضهم يقول يحسده بالكسر ، والمصدر حسد - بالتحريك - وحسادة ، وهم قوم حسدة مثل حامل وحملة . وقال ابن الأعرابي : الحسد مأخوذ من الحسود ، وهو القراد ، فهو يقشر القلب كما يقشر القراد الجلد فيمص الدم .

قوله آتاه الله بالمد في أوله ؛ أي أعطاه الله ، من الإيتاء وهو الإعطاء . قوله على هلكته بفتح اللام ؛ أي هلاكه ، وفي العباب : هلك الشيء يهلك - بالكسر - هلاكا وهلوكا ومهلكا ومهلكا وتهلوكا وهلكة وتهلكة وتهلكة ، قال الله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ - وقرأ الخليل إلى التهلكة بالكسر ، قال اليزيدي : التهلكة بضم اللام من نوادر المصادر وليست مما يجري على القياس ، وهلك يهلك مثال شرك يشرك - لغة فيه . قوله الحكمة المراد بها القرآن - والله أعلم - كما جاء في حديث أبي هريرة : لا حسد إلا في اثنتين ؛ رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار ، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه - وفي رواية ينفقه في الحق ، وفي مسلم نحوه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

بيان الإعراب : قوله لا حسد ، كلمة لا لنفي الجنس ، وحسد اسمه مبني على الفتح ، وخبره محذوف - أي لا حسد جائز أو صالح أو نحو ذلك . قوله رجل يجوز فيه الأوجه الثلاثة من الإعراب ؛ الرفع على تقدير إحدى الاثنين خصلة رجل فلما حذف المضاف اكتسى المضاف إليه إعرابه ، والنصب على إضمار أعني رجلا وهي رواية ابن ماجه ، والجر على أنه بدل من اثنين ، وأما على رواية اثنتين بالتاء فهو بدل أيضا على تقدير حذف المضاف ؛ أي خصلة رجل ، لأن الاثنتين معناه خصلتين على ما يجيء . قوله آتاه الله مالا جملة من الفعل والفاعل والمفعولين ؛ أحدهما الضمير المنصوب والآخر مالا ، وهي في محل الرفع أو الجر أو النصب على تقدير إعراب الرجل لأنها وقعت صفته .

قوله فسلط على صيغة المجهول ، وهي رواية أبي ذر ، ورواية الباقين فسلطه عطفا على آتاه ، وعبر بالتسليط لدلالته على قهر النفس المجبولة على الشح . قوله ورجل عطف على رجل الأول ، وإعرابه في الأوجه كإعرابه . وقوله آتاه الله الحكمة مثل آتاه الله مالا .

قوله فهو يقضي بها جملة من المبتدأ والخبر ، عطف على ما قبلها . بيان المعاني : قوله لا حسد إلا في اثنتين ؛ أي لا حسد في شيء إلا في اثنتين - أي في خصلتين ، وكذا هو في معظم الروايات بالتاء ، ويروى إلا في اثنين أي شيئين . فإن قلت : الحسد موجود في الحاسد لا في اثنتين ، فما معنى هذا الكلام ؟ قلت : المعنى لا حسد للرجل إلا في شأن اثنتين ، لا يقال قد يكون الحسد في غيرهما فكيف يصح الحصر ؛ لأنا نقول : المراد لا حسد جائز في شيء من الأشياء إلا في اثنتين ، أو المعنى لا رخصة في الحسد في شيء إلا في اثنتين .

فإن قلت : ما في هذين الاثنين غبطة ، وهو غير الحسد ، فكيف يقال لا حسد ؟ قلت : أطلق الحسد وأراد الغبطة من قبيل إطلاق اسم المسبب على السبب . وقال الخطابي : معنى الحسد هاهنا شدة الحرص والرغبة ، كنى بالحسد عنهما لأنهما سببه والداعي إليه ، ولهذه سماه البخاري اغتباطا ، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث ما يبين ذلك فقال فيه : ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل - ذكره البخاري في فضائل القرآن في باب اغتباط صاحب القرآن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، فلم يتمن السلب وإنما تمنى أن يكون مثله ، وقد تمنى ذلك الصالحون والأخيار ، وفيه قول بأنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد وإخراج له عن جملة ما حظر منه كما رخص في نوع من الكذب وإن كانت جملته محظورة ، فالمعنى لا إباحة في شيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله ؛ أي لا حسد محمود إلا هذا . وقيل : إنه استثناء منقطع بمعنى لكن في اثنتين .

وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى - أي لا حسد إلا في هذين الاثنين ، وفيهما لا حسد أيضا ، فلا حسد أصلا . قلت : المعنى في الآية لا يذوقون فيها الموت البتة ، فوقع قوله إلا الموتة الأولى موقع ذلك ؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل ، فهو من باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها في المستقبل ولا يتأتى هذا المعنى في قوله لا حسد إلا في اثنين ، فكيف يكون من قبيل الآية المذكورة وفي الآية جميع الموت منفي بخلاف الحسد ؛ فإن جميعه ليس بمنفي ، فإن الحسد في الخيرات ممدوح ، ولهذا نكر الحاسد في قوله تعالى : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ - لأن كل حاسد لا يضر ، قال أبو تمام : وما حاسد في المكرمات بحاسد وكذلك نكر الغاسق ؛ لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر ، وإنما يكون في بعض دون بعض بخلاف النفاثات ؛ فإنه عرف لأن كل نفاثة شريرة . قوله مالا إنما نكره وعرف الحكمة لأن المراد من الحكمة معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها - يعني الشريعة - فأراد التعريف بلام العهد ، أو المراد منه القرآن كما ذكرنا ، فاللام للعهد أيضا بخلاف المال ، فلهذا دخل صاحبه بأي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم .

قوله فسلط على هلكته ، في هذه العبارة مبالغتان ؛ إحداهما التسليط فإنه يدل على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ ، والأخرى لفظ على هلكته فإنه يدل على أنه لا يبقي من المال شيئا ، ولما أوهم اللفظان التبذير وهو صرف المال فيما لا ينبغي ذكر قوله في الحق دفعا لذلك الوهم ، وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغتين إحداهما الحكمة فإنها تدل على علم دقيق محكم والأخرى القضاء بين الناس وتعليمهم فإنها من خلافة النبوة ، ثم إن لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي ويفضي إلى الكمال العملي ، وبكليهما إلى التكميل والفضيلة إما داخلية وإما خارجية ، وأصل الفضائل الداخلية العلم ، وأصل الفضائل الخارجية المال ، ثم الفضائل إما تامة وإما فوق التامة ، والأخرى أفضل من الأولى لأنها كاملة متعدية ، وهذه قاصرة غير متعدية . وقال الخطابي : ومعنى الحديث الترغيب في طلب العلم وتعلمه والتصدق بالمال . وقيل : إنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد كما رخص في نوع من الكذب ، قال صلى الله عليه وسلم : إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث - الحديث ، والحسد على ثلاثة أضرب : محرم ومباح ومحمود ؛ فالمحرم تمني زوال النعمة المحسود عليها عن صاحبها وانتقالها إلى الحاسد ، وأما القسمان الآخران فغبطة وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحد أن يكون له مثله ؛ فإن كانت في أمور الدنيا فمباح ، وإن كانت من الطاعات فمحمود ، قال النووي : الأول حرام بالإجماع .

وقال بعض الفضلاء : إذا أنعم الله تعالى على أخيك نعمة فكرهتها وأحببت زوالها فهو حرام بكل حال إلا نعمة أصابها كافر أو فاجر أو من يستعين بها على فتنة أو فساد . وقال ابن بطال : وفيه من الفقه أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي ربه تبارك وتعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل هذا ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث