حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم علمه الكتاب

حدثنا أبو معمر قال : حدثنا عبد الوارث قال : حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال : ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اللهم علمه الكتاب . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة بل هو عين الترجمة . بيان رجاله وهم خمسة : الأول : أبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة البصري المقعد بضم الميم وفتح العين المنقري الحافظ الحجة ، سمع عبد الوارث والدراوردي وغيرهما ، روى عنه أبو حاتم الرازي والبخاري ، وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن رجل عنه ، قال يحيى بن معين : هو ثقة عاقل ، وفي رواية : ثبت ، وكان يقول بالقدر ، توفي سنة تسع وعشرين ومائتين .

الثاني : عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عبيدة البصري روى عن أيوب السختياني وغيره ، قال ابن سعد : كان ثقة حجة ، توفي بالبصرة في المحرم سنة ثمانين ومائة ، روى له الجماعة . الثالث : خالد بن مهران الحذاء أبو المنازل بضم الميم ، كذا ذكره أبو الحسن ، وقال عبد الغني : ما كان من منازل فهو بضم الميم إلا يوسف بن منازل فإنه بفتح الميم ، قال الباجي : قرأت على الشيخ أبي ذر - يعني الهروي - في كتاب الأسماء والكنى لمسلم خالد بن مهران أبو المنازل بفتح الميم ، وكذا ذكره في سائر الباب والضم أظهر ، وقال محمد بن سعد : هو مولى لأبي عبد الله عامر بن كريز القرشي ، ولم يكن بحذاء إنما كان يجلس إليهم ، يقال إنه ما حذا نعلا قط ، وإنما كان يجلس إلى صديق له حذاء ، وقيل : إنه كان يقول أخذوا علي هذا النحو فلقب به ، تابعي رأى أنس بن مالك ، قال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به ، وقال يحيى وأحمد : ثقة ، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة ، روى له الجماعة . الرابع : عكرمة مولى عبد الله بن عباس أبو عبد الله المدني ، أصله من البربر من أهل المغرب ، سمع مولاه وعبد الله بن عمر وخلقا من الصحابة ، وكان من العلماء في زمانه بالعلم والقرآن ، وعنه أيوب وخالد الحذاء وخلق ، وتكلم فيه برأيه رأي الخوارج ، وأطلق نافع وغيره عليه الكذب ، وروى له مسلم مقرونا بطاوس وسعيد بن جبير ، واعتمده البخاري في أكثر ما يصح عنه من الروايات ، وربما عيب عليه إخراج حديثه ، ومات ابن عباس وعكرمة مملوك ، فباعه علي ابنه من خالد بن معاوية بأربعة آلاف دينار ، فقال له عكرمة : بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار ! فاستقاله ، فأقاله وأعتقه ، وكان جوالا في البلاد ، ومات بالمدينة سنة خمس أو ست أو سبع ومائة ، ومات معه في ذلك اليوم كثير الشاعر ، فقيل : مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس ، وقيل : مات عكرمة سنة خمس عشرة ومائة وقد بلغ ثمانين ، واجتمع حفاظ ابن عباس على عكرمة ، فيهم عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ، فجعلوا يسألون عكرمة عن حديث ابن عباس ، فجعل يحدثهم ، وسعيد كلما حدث بحديث وضع أصبعه الإبهام على السبابة ، أي سوى حتى سألوه عن الحوت وقصة موسى ، فقال عكرمة : كان يسايرهما في ضحضاح من الماء ، فقال سعيد : أشهد على ابن عباس أنه قال : يحملانه في مكتل - يعنى الزنبيل - قال أيوب : ورأيي والله أعلم أن ابن عباس حدث بالخبرين جميعا .

الخامس : عبد الله بن عباس . بيان الأنساب : المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف بعدها راء نسبة إلى منقر بن عبيد بن الحارث ، وهو مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعيد بن زيد مناة بن تميم ، قال ابن دريد : من نقرت عن الأمر كشفت عنه . التميمي في مضر ينسب إلى تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس .

العنبري بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة بعدها راء في تميم ينسب إلى العنبر بن عمرو بن تميم . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والعنعنة . ومنها أن رواته بصريون خلا عكرمة وابن عباس ، وهما أيضا سكنا البصرة مدة ، ومنها أن إسناده على شرط الأئمة الستة ، قاله بعض الشارحين وفيه نظر ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه هنا عن أبي معمر ، وأخرجه أيضا في فضائل الصحابة عن أبي معمر ، ومسدد عن عبد الوارث ، وعن موسى عن وهيب كلاهما عن خالد ، قال أبو مسعود الدمشقي : هو عند القواريري عن عبد الوارث ، وأخرجه أيضا في الطهارة عن عبد الله بن محمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، وأخرجه مسلم في فضائل ابن عباس : حدثنا زهير وأبو بكر بن أبي النصر ، حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وأخرجه الترمذي في المناقب عن محمد بن بشار عن الثقفي عن عبد الوارث به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي فيه عن عمر بن موسى عن عبد الوارث به ، وأخرجه ابن ماجه في السنة عن محمد بن المثنى وأبي بكر بن خلاد كلاهما عن الثقفي به . بيان اللغات : قوله ضمني من ضم يضم ضما وضممت الشيء إلى الشيء فانضم إليه ، وهو من باب نصر ينصر ، قوله اللهم أصله يا الله ، فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم ، ولذلك لا يجتمعان ، وأما قول الشاعر : وما عليك أن تقول كلما سبحت أو صليت يا اللهما اردد علينا شيخنا مسلما فليس يثبت ، وهذا من خصائص اسم الله تعالى كما اختص بالباء في القسم وبقطع همزته في يا الله وبغير ذلك ، وكأنهم لما أرادوا أن يكون نداؤه باسمه متميزا عن نداء عباده بأسمائهم من أول الأمر حذفوا حرف النداء من الأول وزادوا الميم لقربها من حروف العلة كالنون في الآخر ، وخصت لأن النون كانت ملتبسة بضمير النساء صورة وشددت لأنها خلف من حرفين ، واختار سيبويه أن لا توصف لأن وقوع خلف حرف النداء بين الموصوف والصفة كوقوع حرف النداء بينهما ، ومذهب الكوفيين أن أصله يا الله أم أي اقصد بخير فتصرف فيه ، ورجح الأكثرون قول البصريين ، ورجح الإمام فخر الدين الرازي قول الكوفيين من وجوه ، وكأن الأصل أن يا الذي هو حرف النداء لا يدخل على ما فيه الألف واللام إلا بواسطة كقوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ وشبهه ، وإنما ادخلوها هنا لخصوصية هذا الاسم الشريف بالله تعالى ، واللام فيه لازمة غير مفارقة لأنها عوض عما حذف منه وهي الهمزة . بيان الإعراب : قوله ضمني فعل ومفعول ، و رسول الله فاعله ، والجملة مقول القول ، قوله وقال عطف على ضمني قوله اللهم علمه الكتاب مقول القول ، والهاء في علمه مفعول أول لعلم و الكتاب مفعول ثان ، فإن قلت هذا الباب ، أعني التعليم يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل ، ومفعوله الأول كمفعول أعطيت والثاني والثالث كمفعولي علمت ، يعني لا يجوز حذف الثاني أو الثالث فقط فكيف هاهنا ، قلت : علمه بمعنى عرفه فلا يقتضي إلا مفعولين .

بيان المعاني : قوله ضمني فيه حذف تقديره ضمني إلى نفسه أو إلى صدره ، وقد جاء بذلك مصرحا في روايته الأخرى عن مسدد عن عبد الوارث إلى صدره ، قوله الكتاب أي القرآن لأن الجنس المطلق محمول على الكامل ، ولأن العرف الشرعي عليه ، أو لأن اللام للعهد ، فإن قلت : المراد نفس القرآن أي لفظه أو معانيه أي أحكام الدين ، قلت : اللفظ باعتبار دلالته على معانيه ، ووقع في رواية مسدد الحكمة بدل الكتاب وذكر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرق كلها عن خالد الحذاء ، وفيه نظر لأن البخاري أخرجه أيضا من حديث وهيب عن خالد بلفظ الكتاب أيضا فيحمل على أن المراد بالحكمة أيضا القرآن فيكون بعضهم رواه بالمعنى ، وقال جماعة من الصحابة والتابعين في قوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ الآية ، إن الحكمة القرآن ، فإن قلت : روى الترمذي والنسائي من طريق عطاء عن ابن عباس ، قال : دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوتى الحكمة مرتين ، قلت : يحتمل تعدد الواقعة فيكون المراد بالكتاب : القرآن ، وبالحكمة : السنة ، وقد فسرت الحكمة بالسنة في قوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ قالوا : المراد بالحكمة هنا السنة التي سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام بوحي من الله تعالى ، ويؤيد ذلك رواية عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما التي أخرجها الشيخان بلفظ اللهم فقهه وزاد البخاري في رواية في الدين وذكر الحميدي في الجمع : أن أبا مسعود ذكر في أطراف الصحيحين بلفظ اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل قال الحميدي : هذه الزيادة ليست في الصحيحين ، وهي في رواية سعيد بن جبير عند أحمد وابن حبان ، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء بلفظ اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب وهذه الرواية غريبة من هذا الوجه ، وقد رواها الترمذي والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها ، وروى ابن سعد من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي ، وقال : اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب وقد رواه أحمد عن هشيم عن خالد في حديث الباب بلفظ مسح على رأسي فإن قلت : ما معنى تسمية الكتاب والسنة بالحكمة ، قلت : أما الكتاب فلأن الله تعالى أحكم فيه لعباده حلاله وحرامه وأمره ونهيه ، وأما السنة فحكمة فصل بها بين الحق والباطل وبين بها مجمل القرآن ، وقال الكرماني : فإن قلت هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : لكل نبي دعوة مستجابة ، وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالى ، وأما هذا الدعاء فمما لا شك في قبوله لأنه كان عالما بالكتاب ، حبر الأمة ، بحر العلم ، رئيس المفسرين ، ترجمان القرآن ، وكونه في الدرجة القصوى في المحل الأعلى منه مما لا يخفى ، وقال ابن بطال : كان ابن عباس من الأحبار الراسخين في علم القرآن والسنة ، أجيبت فيه الدعوة ، إلى هنا كلام الكرماني ، قلت : هذا السؤال لا يعجبني فإن فيه بشاعة ، وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة ، وقوله لكل نبي دعوة مستجابة لا ينفي ذلك ؛ لأنه ليس بمحصور ، فإن قلت : ما كان سبب هذا الدعاء لابن عباس ، قلت : بين ذلك البخاري ومسلم في الرواية الأخرى عن ابن عباس ، قال : دخل النبي عليه الصلاة والسلام الخلاء ، فوضعت له وضوءا زاد مسلم فلما خرج ثم اتفقا ، قال : من وضع هذا ؟ فأخبر ولمسلم قالوا ابن عباس وفي رواية أحمد وابن حبان من طريق سعيد بن جبير عنه أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك ، وأن ذلك كان في بيتها ليلا ، قلت : ولعل ذلك في الليلة التي بات فيها ابن عباس عندها ليرى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه بركة دعائه عليه الصلاة والسلام وإجابته ، الثاني : فيه فضل العلم والحض على تعلمه وعلى حفظ القرآن والدعاء بذلك ، الثالث : فيه استحباب الضم وهو إجماع للطفل والقادم من سفر ، ولغيرهما مكروه عند البغوي ، والمختار جوازه ، ومحل ذلك إذا لم يؤد إلى تحريك شهوة ، هذا مذهب الشافعي ، ومذهب أبي حنيفة أن ذلك يجوز إذا كان عليه قميص ، وقال الإمام أبو منصور الماتريدي : المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة ، وأما على وجه البر والكرامة فجائز .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث