باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس
حدثنا المكي بن إبراهيم ، قال : أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان ، عن سالم قال : سمعت أبا هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ، ويكثر الهرج ، قيل : يا رسول الله ، وما الهرج ؟ فقال هكذا بيده ، فحرفها كأنه يريد القتل . مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن فيه الإشارة باليد كما في الحديث السابق . بيان رجاله : وهم أربعة ، الأول : المكي بن إبراهيم بن بشر بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وبالراء ابن فرقد أبو السكن البلخي أخو إسماعيل ويعقوب ، سمع حنظلة وغيره من التابعين ، وهو أكبر شيوخ البخاري من الخراسانيين لأنه روى عن التابعين ، وروى عنه أحمد ويحيى بن معين ، وروى عنه البخاري في الصلاة والبيوع وغير موضع ، وأخرج في البيوع عن محمد بن عمرو عنه عن عبد الله بن سعيد ، وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن رجل عنه ، وقال أحمد : ثقة ، وقال ابن سعد : ثقة ثبت ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، وقال النسائي : لا بأس به ، ولد سنة ست وعشرين ومائة وتوفي سنة أربع عشرة ومائتين ببلخ ، وليس في الكتب الستة مكي بن إبراهيم غيره ، و مكي بتشديد الياء على وزن النسبة وليس بنسبة وإنما هو اسمه .
الثاني : حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الملك ، وقد مر في باب ( الحياء من الإيمان ) . الثالث : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم . الرابع : أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه .
بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع ، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة قال : سمعت سالما ، وزاد فيه : لا أدري كم رأيت أبا هريرة واقفا في السوق يقول : يقبض العلم فذكره موقوفا لكن ظهر في آخره أنه مرفوع ، ومنها أن رواته ما بين بلخي ومكي ومدني ، ومنها أن إسناده من الرباعيات العوالي . بيان اللغات والإعراب : قوله الهرج بفتح الهاء وسكون الراء وفي آخره جيم ، قال في العباب : الهرج الفتنة والاختلاط ، وقد هرج الناس يهرجون بالكسر هرجا ، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم يتقارب الزمان وينقص العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج ، قيل : وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : القتل القتل ثم قال الصغاني : وأصل الهرج الكثرة في الشيء ، ومنه قولهم في الجماع : بات يهرجها ليلته جمعاء ، ويقال للفرس : مر يهرج وإنه لمهرج ومهراج إذا كان كثير الجري ، وهرج القوم في الحديث إذا أفاضوا فيه فأكثروا ، والهراجة الجماعة يهرجون في الحديث ، وقال في آخر الفصل : والتركيب يدل على اختلاط وتخليط ، وقال ابن دريد : الهرج الفتنة في آخر الزمان ، وقال القاضي : الفتن بعض الهرج ، وأصل الهرج والتهارج الاختلاط والقتال ، ومنه قوله فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة . ومنه يتهارجون تهارج الحمر قيل : معناه يتخالطون رجالا ونساء ويتناكحون مزاناة ، يقال : هرجها يهرجها إذا نكحها ويهرجها بفتح الراء وضمها وكسرها ، وقال الكرماني : إرادة القتل من لفظ الهرج إنما هو على طريق التجوز إذ هو لازم معنى الهرج ، اللهم إلا أن يثبت ورود الهرج بمعنى القتل لغة ، وقال بعضهم : وهي غفلة عما في البخاري في كتاب الفتن والهرج القتل بلسان الحبشة قلت : هذا غفلة لأن كون الهرج بمعنى القتل بلسان الحبشة لا يستلزم أن يكون بمعنى القتل في لغة العرب ، غير أنه لما استعمل بمعنى القتل وافق اللغة الحبشية ، وأما في أصل الوضع فالعرب ما استعملته إلا لمعنى الفتنة والاختلاط ، واستعملوه بمعنى القتل تجوزا ، فإن قلت : قال صاحب المطالع : فسر الهرج في الحديث بالقتل بلغة الحبشة ، ثم قال : وقوله بلغة الحبشة وهم من بعض الرواة وإلا فهي عربية صحيحة ، قلت : لا يلزم من تفسيره في الحديث بالقتل أن يكون معناه القتل في أصل الوضع ، قوله يقبض العلم على صيغة المجهول ، وقد مر أن قبضه بقبض العلماء كما جاء مبينا في الحديث ، وجاء في مسلم وينقص العلم ويظهر الجهل على صيغة المعلوم .
وظهور الجهل من لوازم قبض العلم ، وذكره لزيادة الإيضاح والتأكيد ، قوله الفتن بالرفع عطفا على الجهل ، وفي رواية الأصيلي وتظهر الفتن قوله ويكثر الهرج على صيغة المعلوم ، قوله فقال هكذا بيده معناه أشار بيده محرفا ، وفيه إطلاق القول على الفعل وهو كثير ، ومنه قول العرب : قالوا بزيد وقلنا به ، أي قتلناه ، قاله ابن الأعرابي ، وقال الرجل بالشيء أي غلب ، وقال الصغاني : وفي دعاء النبي عليه الصلاة والسلام سبحان من تعطف بالعز وقال به وهذا من المجاز الحكمي كقولهم : نهاره صائم ، والمراد وصف الرجل بالصوم ، ووصف الله تعالى بالعز ، وقوله وقال به أي وغلب به كل عزيز وملك عليه أمره ، وفي المطالع وفي حديث الخضر فقال بيده فأقامه أي أشار أو تناول ، وقوله في الوضوء فقال بيده هكذا أي نفضه ، وقوله فقال بأصبعه السبابة والوسطى أي أشار ، وفي حديث دعاء الولد وقال بيده نحو السماء أي رفعها ، قوله فحرفها من التحريف تفسير لقوله فقال هكذا بيده كأن الراوي بين أن الإيماء كان محرفا ، ومثل هذه الفاء تسمى الفاء التفسيرية نحو فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إذ القتل هو نفس التوبة على أحد التفاسير ، قوله كأنه يريد القتل الظاهر أن هذا زيادة من الراوي عن حنظلة ، فإن أبا عوانة رواه عن عباس الدوري عن أبي عاصم عن حنظلة ، وقال في آخره : وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عنق الإنسان ، وكأن الراوي فهم من تحريك اليد وتحريفها أنه يريد القتل ، قلت : وقع في بعض النسخ فحركها بالكاف موضع فحرفها ، فالظاهر أنه غير ثابت ، وفيه دليل على أن الرجل إذا أشار بيده أو برأسه أو بشيء يفهم منه إرادته أنه جائز عليه ، وسيأتي في كتاب الطلاق حكم الإشارة بالطلاق واختلاف الفقهاء فيه إن شاء الله تعالى .