باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره
حدثنا محمد بن كثير ، قال : أخبرنا سفيان ، عن ابن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : قال رجل : يا رسول الله ، لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان ، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا من يومئذ ، فقال : أيها الناس ، إنكم منفرون ، فمن صلى بالناس فليخفف ، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة . مطابقة الحديث للترجمة : في قوله في موعظة أشد غضبا من يومئذ . بيان رجاله : وهم خمسة ، الأول : محمد بن كثير بفتح الكاف وبالمثلثة العبدي بسكون الباء الموحدة البصري ، أخو سليمان بن كثير ، وسليمان أكبر منه بخمس سنين ، روى عن أخيه سليمان وشعبة والثوري ، وروى عنه البخاري وأبو داود وغيرهما ، وروى مسلم والترمذي والنسائي عن رجل عنه ، قال أبو حاتم : صدوق ، وقال يحيى بن معين : لا تكتبوا عنه ، لم يكن بالثقة ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين عن تسعين سنة ، أخرج له مسلم حديثا واحدا في الرؤيا أنه عليه السلام كان يقول لأصحابه : من رأى منكم رؤيا عن الدارمي عنه عن أخيه سليمان ، وليس في الصحيحين محمد بن كثير غير هذا ، وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي : محمد بن كثير الصغاني روى عن الدارمي وهو ثقة اختلط بآخرة .
الثاني : سفيان الثوري . الثالث : إسماعيل بن أبي خالد البجلي الكوفي الأحمسي التابعي الطحان ، المسمى بالميزان . الرابع : قيس بن أبي حازم بالمهملة والزاي أبو عبد الله الأحمسي الكوفي البجلي المخضرم ، روى عن العشرة ، وقد تقدم .
الخامس : أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري الخزرجي البدري ، وقد تقدم . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة المفرد والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بصري وكوفي ؛ بل ثلاثة منهم كوفيون ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي ، ومنها أن فيه راويا وهو ابن كثير العبدي ليس في البخاري غيره . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن محمد بن يوسف عن الثوري ، وفيه عن أحمد بن يونس عن زهير ، وفي الأدب عن مسدد عن يحيى ، وفي الأحكام عن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن ابن أبي خالد ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى عن هيثم ، وعن أبي بكر عن هيثم ووكيع ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه ، وعن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة ، أربعتهم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس به ، وأخرجه النسائي في العلم عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى القطان به ، وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير به .
بيان اللغات والإعراب والمعاني : قوله لا أكاد أدرك الصلاة قد علم أن كاد معناه قرب ولهذا عدوه من أفعال المقاربة ، وهو لمقاربة الشيء فعل أو لم يفعل ، فمجرده ينبئ عن نفي الفعل ومقرونه ينبئ عن وقوع الفعل ، وقال ابن الحاجب : إذا دخل النفي على كاد فهو كالأفعال على الأصح ، وقيل يكون في الماضي للإثبات وفي المستقبل كالأفعال ، وهو يرفع الاسم وخبره فعل مضارع بغير أن متأول باسم الفاعل ، نحو كاد زيد يخرج أي خارجا إلا أنهم تركوا استعماله لأن كاد موضوع للتقريب من الحال فالتزم بعده ما يدل بصيغته على الحال ، أعني المضارع ليكون أدل على مقتضاه ، وهاهنا اسمه الضمير المستتر فيه ، وخبره قوله أدرك الصلاة وقال القاضي عياض : ظاهر هذا مشكل لأن التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه ، قال : فكأن الألف زيدت بعد لا وكأن أدرك كانت أترك ، وأجيب عنه بما قال أبو الزناد : معناه أنه كان به ضعف فكان إذا طول به الإمام في القيام لا يبلغ الركوع إلا وقد ازداد ضعفه فلا يكاد يتم معه الصلاة ، ورد بأن البخاري روى عن الفريابي عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ لا تأخر عن الصلاة ، وجاء في غير البخاري إني لا أدع الصلاة والأحاديث يفسر بعضها بعضا فيكون المعنى إني لا أكاد أدرك الصلاة في الجماعة وأتأخر عنها أحيانا من أجل التطويل ، قلت هذا ليس فيه إشكال والمعنى صحيح ، وقد قلنا إن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وهاتان الروايتان تنبئان أن معنى هذا أني أتأخر عن الصلاة مع الجماعة ولا أكاد أدركها لأجل تطويل فلان ، وقوله لأن التطويل يقتضي الإدراك إنما يسلم إذا طلب الإدراك ، وأما إذا تأخر خوفا من التطويل لا يكاد يدرك مع التطويل فافهم ، قوله مما يطول كلمة من للتعليل وما مصدرية ، وفي بعض الروايات مما يطول لنا باللام ، وفي رواية أخرى مما يطيل فالأولى من التطويل وهذه من الإطالة ، قوله فلان فاعله وهو كناية عن اسم سمي به المحدث عنه ، ويقال في غير الآدمي الفلان معرفا باللام ، قوله أشد غضبا من يومئذ وفي بعض النسخ أشد غضبا منه من يومئذ ولفظة منه صلة أشد ، فإن قلت : الضمير راجع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فيلزم أن يكون المفضل والمفضل عليه شيئا واحدا ، قلت : جاز ذلك باعتبارين فهو مفضل باعتبار يومئذ ومفضل عليه باعتبار سائر الأيام ، و غضبا نصب على التمييز ، قوله فقال أي النبي عليه الصلاة والسلام أيها الناس أي يا أيها الناس ، فحذف حرف النداء ، والمقصود بالنداء هو الناس وإنما جاؤوا بأي ليمكن وصله إلى نداء ما فيه الألف واللام لأنهم كرهوا الجمع بين التخصيص بالنداء ولام التعريف فكان المنادى هو الصفة والهاء مقحمة للتنبيه ، قوله منفرون خبر إن أي منفرون عن الجماعات ، وفي بعض الروايات إن منكم منفرين فإن قلت : كان المقتضى أن يخاطب المطول ؟ قلت : إنما خاطب الكل ولم يعين المطول كرما ولطفا عليه وكانت هذه عادته حيثما كان ، يخصص العتاب والتأديب بمن يستحقه حتى لا يحصل له الخجل ونحوه على رؤوس الأشهاد ، قوله فمن صلى بالناس كلمة من شرطية ، قوله فليخفف جوابها فلذلك دخلها الفاء ، قوله فإن فيهم الفاء فيه تصلح للتعليل ، والمريض نصب لأنه اسم إن وما بعده عطف عليه ، وخبرها هو قوله فيهم مقدما ، قوله بالناس أي ملتبسا بهم إماما لهم ، قوله وذا الحاجة كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية القابسي وذو الحاجة وجهه أن يكون معطوفا على محل اسم إن وهو رفع مع الخلاف فيه ، وقال بعضهم : أو هو استئناف ، قلت : لا يصح أن يكون استئنافا لأنه في الحقيقة جواب سؤال وليس هذا محله ، ويجوز أن يكون المبتدأ محذوف الخبر وتكون الجملة معطوفة على الجملة الأولى والتقدير وذو الحاجة كذلك ، والفرق بين الضعف والمرض أن الضعف أعم من المرض فالمرض ضد الصحة ، يقال : مرض يمرض مرضا ومرضا فهو مريض ومارض ويقال المرض بالإسكان مرض القلب خاصة ، قال الصغاني : وأصل المرض الضعف وكلما ضعف فقد مرض ، وقال ابن الأعرابي : أصل المرض النقصان ، يقال بدن مريض أي ناقص القوة وقلب مريض أي ناقص الدين ، وقيل المرض اختلال الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها ، والضعف خلاف القوة ، وقد ضعف وضعف ، والفتح عن يونس فهو ضعيف ، وقوم ضعاف وضعفة ، وفرق بعضهم بين الضعف والضعف فقال : الضعف بالفتح في العقل والرأي والضعف بالضم في الجسد ، ورجل ضعوف أي ضعيف ، فإن قيل : لم ذكر هذه الثلاثة ؟ قلت : لأنه متناول لجميع الأنواع المقتضية للتخفيف ، فإن المقتضى له إما في نفسه أو لا ، والأول إما بحسب ذاته وهو الضعف أو بحسب العارض وهو المرض . بيان استنباط الأحكام : الأول : قال النووي : فيه جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير . الثاني : فيه جواز ذكر الإنسان بفلان ونحوه في معرض الشكوى .
الثالث : فيه جواز الغضب لما ينكر من أمور الدين . الرابع : فيه جواز الإنكار على من ارتكب ما ينهى عنه وإن كان مكروها غير محرم . الخامس : فيه التعزير على إطالة الصلاة إذا لم يرض المأموم به وجواز التعزير بالكلام .
السادس : فيه الأمر بتخفيف الصلاة ، وقال ابن بطال : وإنما غضب رسول الله عليه الصلاة والسلام لأنه كره التطويل في الصلاة من أجل أن فيهم المريض ونحوه فأراد الرفق والتيسير بأمته ، ولم يكن نهيه عليه الصلاة والسلام من التطويل لحرمته لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي في مسجده ويقرأ بالسور الطوال مثل سورة يوسف ؛ وذلك لأنه كان يصلي معه أجلة أصحابه ومن أكثر همه طلب العلم والصلاة ، أقول : ولهذا خفف في بعض الأوقات كما فيما سمع صوت بكاء الصبي ونحوه .