باب كيف يقبض العلم
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : ولكن يقبض العلم . بيان رجاله : وهم خمسة ذكروا كلهم ، ومالك هو الإمام المشهور ، أخرج هذا الحديث في الموطأ ، وقال الدارقطني : لم يروه في الموطأ إلا معن بن عيسى ، وقال أبو عمر : رواه أيضا فيه سليمان بن برد ، ورواه أصحاب مالك كابن وهب وغيره خارج الموطأ ، وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام ، ووافقه على روايته عن أبيه عروة أبو الأسود المدني ، وحديثه في الصحيحين ، والزهري ، وحديثه في النسائي ، ويحيى بن أبي كثير وحديثه في صحيح أبي عوانة ، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمر وعمر بن الحكم بن ثوبان وحديثه في مسلم .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام ، عن سعيد بن تليد ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن شريح وغيره جميعا عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة ، عن عروة نحوه . وأخرجه مسلم في القدر ، عن قتيبة ، عن جرير ، وعن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد ، وعن يحيى بن يحيى ، عن عباد بن عباد وأبي معاوية ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ، كلاهما عن وكيع ، وعن أبي كريب ، عن عبد الله بن إدريس وأبي أسامة وعبد الله بن نمير وعبدة بن سليمان ، وعن ابن أبي عمر ، عن سفيان بن عيينة ، وعن محمد بن حاتم ، عن يحيى بن سعيد ، وعن أبي بكر ابن نافع ، عن عمر بن علي المقدمي ، وعن عبد بن حميد ، عن يزيد بن هارون ، عن شعبة ، الثلاثة عشر كلهم عن هشام بن عروة به . وعن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن شريح وحده به .
وأخرجه الترمذي في العلم ، عن هارون بن إسحاق الهمداني ، عن عبدة بن سليمان به ، وقال : حسن صحيح ، وقد روي هذا الحديث عن الزهري ، عن عروة ، عن عبد الله بن عمرو ، وعن عروة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا . وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري عنه به ، وعن عمرو بن علي ، عن عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ويحيى بن سعيد الأنصاري ، كلاهما عن هشام بن عروة به ، قال عبد الوهاب : فلقيت هشاما ، فحدثني عن أبيه عنه به ، وعن أبيه مثله . وأخرجه ابن ماجه في السنة ، عن أبي كريب ، عن عبد الله بن إدريس وعبدة بن سليمان وأبي معاوية وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر ، وعن سويد بن سعيد ، عن مالك وعلي بن مسهر وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق ، تسعتهم عن هشام بن عروة به .
بيان الإعراب قوله : يقول جملة وقعت حالا ، وإنما ذكر بلفظ المضارع حكاية لحال الماضي واستحضارا له ، وإلا فالأصل أن يقال : قال ؛ ليطابق : سمعت ، قوله : لا يقبض العلم جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن ، قوله : انتزاعا يجوز في نصبه أوجه : الأول : أن يكون مفعولا مطلقا ، عن معنى يقبض ، نحو : رجع القهقرى ، وقعد جلوسا . الثاني : أن يكون مفعولا مطلقا مقدما على فعله ، وهو ينتزعه ، ويكون ينتزعه حالا من الضمير في يقبض ، تقديره إن الله لا يقبض العلم حال كونه ينتزعه انتزاعا من العباد . الثالث : أن يكون حالا من العلم بمعنى منتزعا ، تقديره : إن الله لا يقبض العلم حال كونه منتزعا .
فإن قلت : على هذا ما يقع ينتزعه ؟ قلت : قيل : يكون ينتزعه جوابا عما يقال ممن ينتزع العلم ، وفيه نظر ، والأصوب أن يكون في محل النصب صفة إما لانتزاعا أو لمنتزعا من الصفات المبينة ، قوله : ولكن للاستدراك ، وقوله : يقبض العلم من قبيل إقامة المظهر موضع المضمر لزيادة تعظيم المضمر ، كما في قوله تعالى : اللَّهُ الصَّمَدُ بعد قوله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾وكان مقتضى الظاهر أن يقال : هو الصمد ، كما أن المقتضى هنا : ولكن يقبضه ، قوله : حتى ابتدائية دخلت على الجملة ، تدل على أن ذلك واقع بالتدريج كما أن إذا تدل على أنه واقع لا محالة ، و إذا ظرفية ، والعامل فيها اتخذ ، ويحتمل أن تكون شرطية ، فإن قلت : إذا للاستقبال ، ولم لقلب المضارع ماضيا ، فكيف يجتمعان ؟ قلت : لما تعارضا تساقطا ، فبقي على أصله وهو المضارع ، أو تعادلا فيفيد الاستمرار ، فإن قلت : إذا كانت شرطية يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط ومن وجود المشروط - وجود الشرط ، لكنه ليس كذلك لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العالم . قلت : ذلك في الشروط العقلية ، أما في غيرها فلا نسلم اطراد هذه القاعدة ، ثم ذلك الاستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشرط بدل ، فقد يكون لمشروط واحد شروط متعاقبة ، كصحة الصلاة بدون الوضوء عند التيمم ، أو المراد بالناس جميعهم ، فلا يصح أن الكل اتخذوا رؤوسا جهالا إلا عند عدم بقاء العالم مطلقا ، وذلك ظاهر قوله : لم يبق بفتح حرف المضارعة من البقاء ، وقوله : عالم بالرفع فاعله . وفي رواية الأصيلي : لم يبق عالما بضم حرف المضارعة من الإبقاء ، والضمير فيه يرجع إلى الله ، و عالما منصوب به .
وفي رواية مسلم : حتى إذا لم يترك عالما ، قوله : اتخذ أصله ائتخذ ، فقلبت الهمزة ثم أدغمت التاء في التاء ، و الناس بالرفع فاعله ، قوله : رؤوسا بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس ، قال النووي : ضبطناه بضم الهمزة . وفي رواية أبي ذر : رؤساء بفتح الهمزة وفي آخره همزة أخرى مفتوحة جمع رئيس ، والأول أشهر ، وقوله : جهالا بضم الجيم وفتح الهاء المشددة جمع جاهل صفة لرؤوسا ، قوله : فسئلوا بضم السين ، والضمير فيه مفعول ناب عن الفاعل أي فسألهم السائلون فأفتوا لهم ، قوله : فضلوا عطف على فأفتوا وهو من الضلال ، و أضلوا من الإضلال ، يعني : فضلوا في أنفسهم ، وأضلوا السائلين . فإن قلت : الضلال متقدم على الإفتاء ، فما معنى الفاء ؟ قلت : المجموع المركب من الضلال والإضلال هو متعقب على الإفتاء وإن كان الجزء الأول مقدما عليه ؛ إذ الضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله .
فإن قلت : الإضلال ظاهر ، وأما الضلال فإنما يلزم أن لو عمل بما أفتى ، وقد لا يعمل به . قلت : إن إضلاله للغير ضلال له ؛ عمل بما أفتى أو لم يعمل . بيان المعاني قوله : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا أي إن الله لا يقبض العلم من بين الناس على سبيل أن يرفعه من بينهم إلى السماء ، أو يمحوه من صدورهم ، بل يقبضه بقبض أرواح العلماء وموت حملته ، وقال ابن بطال : معناه أن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضل به عليهم ، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته ، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم ، فلا يوجد من يخلف من مضى ، فأنذر - صلى الله عليه وسلم - بقبض الخير كله ، وكان تحديث النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بذلك في حجة الوداع ، كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال : لما كان في حجة الوداع قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع ، فقال أعرابي : كيف يرفع ؟ فقال : ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته . .
ثلاث مرات ، وقال ابن المنير : محو العلم من الصدور جائز في القدرة ، إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه ، قوله : بغير علم . وفي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند البخاري : فيفتون برأيهم ، قوله : جهالا فإن قلت : المراد بهذا الجهل الجهل البسيط ، وهو عدم العلم بالشيء ، لا مع اعتقاد العلم به ؟ أم الجهل المركب ، وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به ؟ قلت : المراد هنا القدر المشترك بينهما المتناول لهما . فإن قلت : أهذا مختص بالمفتين أم عام للقضاة الجاهلين ؟ قلت : عام ؛ إذ الحكم بالشيء مستلزم للفتوى به .
بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه دلالة للقائلين بجواز خلو الزمان عن المجتهد على ما هو مذهب الجمهور ، خلافا للحنابلة . الثاني : فيه التحذير عن اتخاذ الجهال رؤوسا . الثالث : فيه الحث على حفظ العلم والاشتغال به .
الرابع : فيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بغير علم . الخامس : قال الداودي : هذا الحديث خرج مخرج العموم ، والمراد به الخصوص لقوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ، ويقال هذا بعد إتيان أمر الله تعالى إن لم يفسر إتيان الأمر بإتيان القيامة ، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كفي غير بيت المقدس مثلا إن فسرناه به ، فيكون محمولا على التخصيص جمعا بين الأدلة . قال الفربري : حدثنا عباس ، قال : حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن هشام نحوه .
هذا من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد وهي قليلة ، والفربري بكسر الفاء وفتحها وفتح الراء وإسكان الباء الموحدة نسبة إلى فربر ، وهي قرية من قرى بخارى على طرف جيحون ، وهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر ، وقال الكلاباذي : كان سماع الفربري من البخاري صحيحه مرتين ؛ مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين ، ومرة ببخارى سنة ثنتين وخمسين ومائتين ، ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، ومات سنة عشرين وثلاثمائة ، سمع من قتيبة بن سعيد ، فشارك البخاري في الرواية عنه ، قال السمعاني في أماليه : وكان ثقة ورعا . وعباس هو ابن الفضل بن زكريا الهروي ، أبو منصور البصري ، ثقة ، مشهور ، من الثانية عشر ، بل من التي بعدها ، ولد بعد موت ابن ماجه ، ومات سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة من أسماء الرجال لابن حجر . وقتيبة هو ابن سعيد أحد مشايخ البخاري ، وقد تقدم .
وجرير هو ابن عبد الحميد الضبي أبو عبد الله الرازي ثم الكوفي ، ثقة ، روى له الجماعة . وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، وقد تقدم . قوله : نحوه أي نحو حديث مالك ، ورواية الفربري هذه أخرجها مسلم عن قتيبة ، عن جرير ، عن هشام به .