باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب
حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن ابن أبي بكرة ، عن أبي بكرة ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد : وأحسبه قال : وأعراضكم - عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، وكان محمد يقول : صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كان ذلك ، ألا هل بلغت ؟ مرتين . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : عبد الله بن عبد الوهاب ، أبو محمد الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم والباء الموحدة البصري ، انفرد البخاري بالإخراج عنه ، وروى النسائي عن رجل عنه ، ولم يخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، وهو ثقة ، ثبت ، وثقه يحيى وآخرون ، وقال أبو حاتم : صدوق ، ثقة ، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين . الثاني : حماد بن زيد البصري ، وقد تقدم .
الثالث : أيوب السختياني ، وقد تقدم . الرابع : محمد بن سيرين ، وقد مر . الخامس : أبو بكرة بفتح الباء الموحدة ، واسمه نفيع ، وقد تقدم .
بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها : أن رجاله كلهم بصريون ، ومنها : أنه وقع في بعض النسخ عن محمد ، عن أبي بكرة بحذف بن أبي بكرة بينهما ، وفي بعضها عن محمد بن أبي بكرة بتبديل عن بلفظ : ابن ، وكلاهما وهم فاحش ، وقال الشيخ قطب الدين : وأما سند هذا الحديث فقد وقع في البخاري فيه اضطراب من الرواة عن الفربري ، قال أبو علي الغساني : وقع في نسخة أبي ذر الهروي فيما قيده عن الحموي وأبي الهيثم ، عن الفربري ، عن محمد ، عن أبي بكرة ، هنا سقط ابن أبي بكرة ، ورواه سائر رواة الفربري بإثبات ابن أبي بكرة بين محمد وأبي بكرة ، ووقع الخلل فيه أيضا في كتاب بدء الخلق والمغازي ، وقال أبو الحسن القابسي في نسخة أبي زيد : أيوب ، عن محمد بن أبي بكرة ، وفي نسخة الأصيلي : محمد ، عن أبي بكرة على الصواب ، وذكر الدارقطني في كتاب العلل أن إسماعيل بن علية وعبد الوارث روياه عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي بكرة ، لم يذكرا بينهما أحدا ، وكذا رواه يونس عن عبيد ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي بكرة ، ورواه قرة بن خالد ، عن محمد بن سيرين قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة ، ورجل آخر أفضل من عبد الرحمن ، وسماه أبو عامر العقدي : حميد بن عبد الرحمن الحميري ، انتهى كلامه ، وقال الغساني : اتصال هذا الإسناد ، وصوابه أن يكون عن محمد بن سيرين ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، وعن محمد بن سيرين أيضا ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، عن أبي بكرة رضي الله عنه . قلت : الصواب الذي ذكره هو رواية المستملي والكشميهني كما تقدم في أوائل كتاب العلم من طريق أخرى ، عن محمد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، وقد تقدم هناك أكثر ما يتعلق بهذا الحديث . بيان الإعراب واللغات : قوله : ذكر النبي عليه الصلاة والسلام قال : فإن دماءكم أي ذكر أبو بكرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وليس هذا من الذكر الذي بعد النسيان ، وقوله : قال أي النبي عليه الصلاة والسلام ، المعنى : ذكر أبو بكرة النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم قال : قال النبي عليه الصلاة والسلام ، و الفاء في فإن عاطفة ، والمعطوف عليه محذوف ؛ لأن هذا الحديث مخروم ؛ لأنه بعض حديث طويل ، وقد سبق بعضه في باب قول النبي عليه الصلاة والسلام رب مبلغ أوعى من سامع حيث قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : أي يوم هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه ، قال : أليس يوم النحر ؟ فقلنا : بلى ، قال : فأي شهر هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليس بذي الحجة ؟ قلنا : بلى ، قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا إلى آخره ، وقد خرم الحديث هاهنا اقتصارا على المقصود ، وهو بيان التبليغ ، قوله : قال محمد أي ابن سيرين أحد الرواة ، قوله وأحسبه أي أظنه أي أظن ابن أبي بكرة قال : وأعراضكم بالنصب عطف على قوله وأموالكم ، وقوله : قال محمد : وأحسبه قال جمل معترضة ، قوله : حرام خبر إن ، وقال الكرماني : جمل معترضة بين اسم إن وخبرها بحسب الظاهر .
قلت : بحسب الظاهر اعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه ، وإن كان في الحقيقة بين اسم إن وخبرها ، فإن قلت : كيف روى محمد بن سيرين هاهنا ظانا في هذا اللفظ ، وفيما تقدم جاز ما فيه كما هو مذكور في ذلك الباب ؟ قلت : إما لأنه كان عند روايته لأيوب ظانا في تلك اللفظة ، وبعدها تذكر ، فحصل له الجزم بها ، فرواها لابن عون جازما ، وإما بالعكس لطرو تردد له أو لغير ذلك ، والله أعلم . فإن قلت : ما معنى قوله عليكم إذ معلوم أن أموالنا ليست حراما علينا ؟ قلت : العقل مبين للمقصود ، وهو أموال كل أحد منكم حرام على غيره ، وذلك عند فقدان شيء من أسباب الحل ، ويؤيده الرواية الأخرى وهي بينكم بدل عليكم ، قوله وأعراضكم جمع عرض بالكسر ، وقد فسرناه هناك مستوفى ، وحاصله أنه يقال للنفس وللحسب ، وقال في شرح السنة : لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكرارا ؛ لأن ذكر الدماء كاف ؛ إذ المراد بها النفوس ، فيتعين الأحساب ، وقال الطيبي : الظاهر أن المراد بالأعراض الأخلاق النفسانية ، قوله ألا بتخفيف اللام كأنه قال : ألا يا قوم هل بلغت ، يعني هل عملت بمقتضى ما قال الله تعالى : بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ قوله : وكان محمد أي ابن سيرين ، قوله : كان ذلك قال الكرماني : فإن قلت : ذلك إشارة إلى ماذا ؛ إذ لا يحتمل أن يشار به إلى ليبلغ الشاهد وهو أمر ؛ لأن التصديق والتكذيب من لوازم الخبر ؟ قلت : إما أن تكون الرواية عند ابن سيرين ليبلغ بفتح اللام فيكون خبرا ، وإما أن يكون الأمر في معنى الخبر ، ومعناه إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه سيقع التبليغ فيما بعد ، وإما أن يكون إشارة إلى تتمة الحديث ، وهو أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه ، يعني وقع تبليغ الشاهد أو إلى ما بعده ، وهو التبليغ الذي في ضمن ألا هل بلغت ، يعني وقع تبليغ الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الأمة ، وذلك نحو قوله تعالى : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قلت : الجواب الأول موجه إن ساعدته الرواية عن محمد بفتح اللام ، وكون الأمر بمعنى الخبر يحتاج إلى قرينة . أقول : لم لا يجوز أن يكون للإشارة إلى التبليغ الذي يدل عليه ليبلغ ، ومعنى كان ذلك وقع ذلك التبليغ المأمور به من الشاهد إلى الغائب ، قوله مرتين يتعلق بقوله قال مقدرا أي قال عليه الصلاة والسلام مرتين : ألا هل بلغت ؟ فإن قلت : لم قدرت قال ؟ وما جعلته من تتمة قال المذكور في اللفظ ؟ ويكون ، وكان محمد إلى آخره - جملة معترضة ؟ قلت : حينئذ يلزم أن يكون مجموع هذا الكلام مقولا مرتين ، ولم يثبت ذلك .