باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم
حدثنا موسى ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي ، ومن رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار . هذا هو الحديث الخامس مما فيه المطابقة للترجمة . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري البصري التبوذكي .
الثاني : أبو عوانة الوضاح اليشكري . الثالث : أبو حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين ، واسمه عثمان بن عاصم بن حصين الكوفي ، سمع ابن عباس وأبا صالح وغيرهما . وعنه شعبة والسفيانان وخلق ، وكان ثقة ثبتا صاحب سنة من حفاظ الكوفة ، وكان عنده أربعمائة حديث ، وكان عثمانيا مات سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة ، روى له الجماعة وليس في الصحيحين من اسمه عثمان وكنيته أبو حصين بفتح الحاء إلا هذا أبو حصين عثمان ، ومن عداه حصين بضم الحاء المهملة وكله بالصاد المهملة إلا حضين بن المنذر ، فإنه بالضاد المعجمة .
الرابع : أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني ، وقد مر . الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بصري وواسطي وكوفي ومدني ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن موسى بن إسماعيل . وأخرجه مسلم في مقدمة كتابه عن محمد بن عبيد بن حساب الغبري مقتصرا على الجملة الأخيرة . بيان اللغات قوله تسموا أمر بصيغة الجمع من باب التفعل ، تقول : سميت فلانا زيدا ، وسميته بزيد بمعنى ، وأسميته مثله فتسمى به ، والاسم مشتق من سموت ؛ لأنه تنويه ورفعة ، ووزنه افع ، والذاهب منه الواو لأن جمعه أسماء وتصغيره سمي .
وفيه أربع لغات : اسم ، واسم بالضم ، وسم ، وسم . قوله ولا تكتنوا فيه أوجه ثلاثة : الأول : من باب التفعيل من كنى يكني تكنية ، فعلى هذا بضم التاء وفتح الكاف وضم النون مع التشديد . الثاني : من باب التفعل من تكنى يتكنى تكنيا ، فعلى هذا بفتح الكاف والنون أيضا مع التشديد وأصله : لا تتكنوا .
بالتائين ، فحذفت إحداهما كما في نَارًا تَلَظَّى أصله تتلظى . الثالث : من باب الافتعال ، من اكتنى يكتني اكتناء ، فعلى هذا بفتح التاء وسكون الكاف وفتح التاء وضم النون ، والكل من الكناية وهي في الأصل أن يتكلم بشيء ويريد به غيره ، وقد كنت بكذا عن كذا ، وكنوت به ، والكنية بالضم ، والكنية أيضا بالكسر واحدة الكنى ، وهو اسم مصدر بأب أو أم ، واكتنى فلان بكذا ، وكنيته تكنية . واعلم أن الاسم العلم إما أن يكون مشعرا بمدح أو ذم ، وهو اللقب وإما أن لا يكون ، فإما أن يصدر بنحو الأب أو الأم ، وهو الكنية أولا ، وهو الاسم فاسم النبي عليه الصلاة والسلام محمد ، وكنيته أبو القاسم ، ولقبه رسول الله وسيد المرسلين مثلا صلى الله عليه وسلم .
قوله الشيطان إما مشتق من شاط أي هلك فهو فعلان ، وإما من شطن أي بعد فهو فيعال ، والشيطان معروف ، وكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان ، والعرب تسمي الحية شيطانا . وقال الجوهري : الشيطان نونه أصلية ، ويقال : زائدة ، فإن جعلته فيعالا من قولهم تشيطن الرجل صرفته ، وإن جعلته من تشيط لم تصرفه ؛ لأنه فعلان . قوله لا يتمثل أي لا يتصور ، يقال : مثلت له كذا تمثيلا فتمثل ، أي صورت له بالكتابة وغيرها فتصور ، قال الله تعالى : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا والتركيب يدل على مناظرة الشيء للشيء والصورة الهيئة .
بيان الإعراب قوله تسموا جملة من الفعل والفاعل وباسمي صلة له ، وكذا قوله ولا تكنوا بكنيتي ، وهو من قبيل عطف المنفي على المثبت ، قوله ومن رآني كلمة من موصولة متضمنة معنى الشرط ، ولهذا دخلت الفاء في الجواب ، وهو قوله فقد رآني ، فإن قلت : الشرط ينبغي أن يكون غير الجزاء سببا له متقدما عليه ، وهاهنا ليس كذلك . قلت : ليس هو الجزاء حقيقة بل لازمه تقديره فليستبشر ، فإنه قد رآني وهي رؤيا بعدها شيء ، فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا صورة دل على الكمال والغاية ، نحو : من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ونحو : من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى . أي أدرك مرعى متناهيا ، قوله فإن الشيطان الفاء فيه للتعليل والشيطان اسم إن وخبرها ، قوله لا يتمثل في صورتي ، وإعراب الجملة الأخيرة قد مر بيانه .
بيان المعاني فيه أربعة أحكام عطف بعضها على بعض : الأول : التسمية باسمه . والثاني : التكنية بكنيته . والثالث : رؤيته في المنام .
والرابع : الكذب عليه . فوجه ذكر الحكم الثاني عقيب الحكم الأول ظاهر ؛ وذلك لأن التسمية والتكنية من واد واحد من أقسام الأعلام ، وكذلك وجه الحكم الرابع عقيب الحكم الثالث ظاهر ، وهو أنه إذا كذب عليه بأنه رآه في المنام فهو أيضا داخل تحت الوعيد المذكور ، وأما وجه ذكر الحكم الثالث عقيب الحكم الثاني والأول فهو .. . قوله ومن رآني في المنام إلى آخره جاء في الحديث أربعة ألفاظ صحاح ما ذكر ، و من رآني فقد رأى الحق ، وجاء : فسيراني في اليقظة ، وجاء : فكأنما رآني في اليقظة ، وفي رواية : فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي ، وهذا الثاني تفسير للأول ، فإن قوله فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي معناه : فقد رأى الحق .
قال الإمام الماوردي وغيره : اختلف في تأويله ، فقال القاضي أبو بكر بن الطيب معنى ، قوله فقد رآني أي رأى الحق ورؤياه ليست بأضغاث أحلام ولا من تشبيه الشيطان . وقوله فإن الشيطان لا يتمثل بي إشارة إليه أي أنها لا تكون أضغاث أحلام بل حقا ورؤيا صحيحة ، قال : وقد يراه الرائي على غير صفته المنقولة إلينا ، كأبيض اللحية أو خلاف لونه أو يراه اثنان في زمن واحد أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ، يراه كل واحد في مكانه ، وقال آخرون : بل الحديث على ظاهره ، والمراد أن من رآه فقد أدركه عليه الصلاة والسلام ، ولا مانع يمنع منه والعقل لا يحيله ، وما يذكر من الاعتلال بأنه قد يراه على خلاف صفته المعروفة أو في مكانين معا ؛ فذلك غلط من الرائي صفاته وتخيل لها على خلاف ما هي عليه ، وقد نظر بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة ؛ فتكون ذاته عليه الصلاة والسلام مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية ، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة ، ولا كون المرئي مدفونا في الأرض ، ولا ظاهرا عليها وإنما يشترط كونه موجودا ، وجاء ما يدل على بقاء جسمه عليه السلام وأن الأنبياء لا تغيرهم الأرض وتكون الصفات المخيلة أثرها وثمرتها اختلاف الدلالات ، فقد ذكر أنه إذا رآه شيخا فهو عام سلم ، وإذا رآه شابا فهو عام جدب ، وإن رآه حسن الهيئة حسن الأقوال والأفعال مقبلا على الرائي كان خيرا له ، وإن رآه على خلاف ذلك كان شرا له ، ولا يلحق النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك شيء ، ولو رآه أمر بقتل من لا يحل قتله ؛ فهذا من الصفات المتخيلة لا المرئية ، وفيه قول ثالث قاله القاضي عياض ، وأبو بكر بن العربي أن رآه عليه الصلاة والسلام بصفته المعلومة فهو إدراك الحقيقة ، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال وتكون رؤيا تأويل ، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهها ، ومنها ما يحتاج إلى تأويل . قال النووي : القول الثالث ضعيف ، بل الصحيح القول الثاني .
ويقال : معنى قوله فقد رآني أي فقد رأى مثالي بالحقيقة ؛ لأن المرئي في المنام مثال ، وقوله فإن الشيطان لا يتمثل بي يدل على ذلك ، ويقرب منه ما قاله الغزالي ، فإنه قال : ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني بل رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه بل البدن في اليقظة أيضا ليس إلا آلة النفس ، فالحق أن ما يراه مثال حقيقة روحه المقدسة التي هي محل النبوة ، فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا شخصه ، بل هو مثال له على التحقيق ، فإن قلت : المنام ثلاثة أقسام : رؤيا من الله ، ورؤيا من الشيطان ، ورؤيا مما حدث به المرء نفسه . والأحاديث في هذا الباب نفت القسم الثاني منها ، وهو ما يكون من الشيطان فهل يجوز أن تكون رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام من القسم الثالث ، وهو ما يحدث به المرء نفسه أولا . قلت : لا يجوز وبيان ذلك موقوف على تقديم مقدمة وهي أن الاجتماع بين الشخصين يقظة ومناما لحصول ما به الاتحاد .
وله خمسة أصول كلية الاشتراك في الذات أو في صفة فصاعدا أو في حال فصاعدا أو في الأفعال أو في المراتب . وكل ما يتعقل من المناسبة بين شيئين أو أشياء لا يخرج عن هذه الخمسة وبحسب قوته على ما به الاختلاف ، وضعفه يكثر الاجتماع ويقل ، وقد يقوى على ضده فتقوى المحبة بحيث يكاد الشخصان لا يفترقان ، وقد يكون بالعكس . ومن حصل له الأصول الخمسة وثبتت المناسبة بينه وبين أرواح الماضين اجتمع بهم متى شاء ، وإذا عرف هذا ظهر أن حديث المرء نفسه ليس مما يقدر أن يحصل مناسبة بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ليكون سبب الاجتماع بخلاف الملك الموكل بالرؤيا ، فإنه يمثل بالوجود ما في اللوح المحفوظ من المناسبة .
وقوله في بعض الروايات فسيراني في اليقظة ، وكأنما رآني في اليقظة ، قيل : معناه سيرى تفسير ما رأى لأنه حق ، وقيل : سيراه في القيامة ، وقيل : المراد بقوله سيراني أهل عصره عليه الصلاة والسلام ممن لم يهاجر فتكون الرؤية في المنام علما له على رؤيته في اليقظة ، قوله فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي أي لا يتصور بصورتي . واختلف في معنى الصورة ، فقيل : أي في صفتي ، وهو صفة الهداية . وقيل : هي على حقيقته وهي التخطيط المعلوم المشاهد له صلى الله عليه وسلم ، وهذا ظاهر .
وعن هذا وضعوا لرؤيته صلى الله عليه وسلم ميزانا ، وقالوا : رؤيته صلى الله عليه وسلم هي أن يراه الرائي بصورة شبيهة لصورته الثابتة حليتها بالنقل الصحيح ، حتى لو رآه في صورة مخالفة لصورته التي كان عليها في الحس لم يكن رآه صلى الله عليه وسلم مثل أن يراه طويلا أو قصيرا جدا ، أو يراه أشعر أو شيخا أو شديد السمرة . . ونحو ذلك . ويقال : خص الله تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن رؤية الناس إياه صحيحة وكلها صدق ، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم كما خرق الله تعالى العادة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمعجزة ، وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة .
وقال محيي السنة : رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام حق ، ولا يتمثل الشيطان به . وكذلك جميع الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام ، ولا يتمثل بهم . بيان استنباط الأحكام الأول : احتج أهل الظاهر بقوله ولا تكنوا على منع التكني بكنية النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقا ، وبه قال الشافعي .
وقال الربيع : قال الشافعي : ليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمدا أم لم يكن ، وقال القاضي : ومنع قوم تسمية الولد بالقاسم كي لا يكون سببا للتكنية ، ويؤيد هذا قوله فيه : إنما أنا قاسم . وأخبر صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي اقتضى اختصاصه بهذه الكنية ، وقال قوم : يجوز التكني بأبي القاسم لغير من اسمه محمد وأحمد ، ويجوز التسمية بأحمد ومحمد ما لم يكن له كنية بأبي القاسم . وقد روى جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي ، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي .
وأخرج الترمذي ، عن أبي هريرة : نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجمع بين اسمه وكنيته ، وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي وطلحة رضي الله عنهما ، وهو قول الجمهور من السلف والعلماء . وسمت جماعة أبناءهم محمدا وكنوهم أبا القاسم ، قال المازري : قال بعضهم : النهي مقصور بحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه ذكر أن سبب الحديث أن رجلا نادى : يا أبا القاسم ، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : لم أعنك ، وإنما دعوت فلانا . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تسموا باسمي ، ولا تكتنوا بكنيتي .
وبه قال مالك وجوز أن يسمى بمحمد ويكنى بأبي القاسم مطلقا . قلت : أما الحديث الأول فأخرجه أبو داود ، وأما الثاني ففي الصحيحين ، وقيل : إن سبب النهي أن اليهود تكنوا به ، وكانوا ينادون : يا أبا القاسم ، فإذا التفت النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : لم نعنك ، إظهارا للإيذاء ، وقد زال ذلك المعنى . وأما الثالث : فهو حديث علي رضي الله عنه ، فأخرجه أبو داود في سننه من حديث محمد بن الحنفية ، قال : قال علي رضي الله عنه : قلت : يا رسول الله ، إن ولد لي من بعدك أنسميه باسمك ونكنيه بكنيتك ؟ قال : نعم .
وقال أحمد بن عبد الله : ثلاثة تكنوا بأبي القاسم رخص لهم : محمد بن الحنفية ، ومحمد بن أبي بكر ، ومحمد بن طلحة بن عبد الله . وقال ابن جرير : النهي في الحديث للتنزيه والأدب لا للتحريم . الثاني : فيه التصريح بجواز التسمي باسمه .
الثالث : فيه أن رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - حق . الرابع : أن الشيطان لا يتمثل بصورته . الخامس : الكاذب عليه معد لنفسه النار .
الأسئلة والأجوبة منها ما قيل : إن رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت حقا ، فهل يطلق عليه الصحابي أم لا ؟ أجيب بلا إذ لا يصدق عليه حد الصحابي ، وهو مسلم رأى النبي عليه الصلاة والسلام ؛ إذ المراد منه الرؤية المعهودة الجارية على العادة أو الرؤية في حياته في الدنيا ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المخبر عن الله ، وهو إنما كان مخبرا عنه للناس في الدنيا لا في القبر ، ومنها ما قيل : الحديث المسموع عنه في المنام ، هل هو حجة يستدل بها أم لا ؟ أجيب بلا ؛ إذ يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطا عند السماع والنوم ليس حال الضبط ، ومنها ما قيل : حصول الجزم في نفس الرائي أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - هل هو حجة أم لا ، أجيب بلا بل ذلك المرئي هو صورة الشارع بالنسبة إلى اعتقاد الرائي أو حاله ، أو بالنسبة إلى صفته أو حكم من أحكام الإسلام ، أو بالنسبة إلى الموضع الذي رأى فيه ذلك الرائي تلك الصورة التي ظن أنها صورة النبي - صلى الله عليه وسلم - . ومنها ما قيل : ما حقيقة الرؤيا ؟ أجيب بأنها إدراكات يخلقها الله تعالى في قلب العبد على يد الملك أو الشيطان ، ونظيره في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق وقد تأتي مسترسلة غير محصلة ، فإذا خلقها الله تعالى على يد الملك كان وحيا وبرهانا مفهوما ، نقل هذا عن الشيخ أبي إسحاق ، وعن القاضي أبي بكر أنها اعتقادات ، قال الإمام أبو بكر بن العربي : منشأ الخلاف بينهما أنه قد يرى نفسه بهيمة أو ملكا أو طائرا ، وهذا ليس إدراكا ؛ لأنه ليس حقيقة فصار القاضي إلى أنها اعتقادات ؛ لأن الاعتقاد قد يأتي على خلاف المعتقد . قال ابن العربي : ذهل القاضي عن أن هذا المرئي مثل ؛ فالإدراك إنما يتعلق بالمثل ، وقال : إن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان ، فهو تعالى يفعل ما يشاء فلا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة ، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها ، فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران وليس بطائر ، فقصارى أمره أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو عليه ، فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يخلق الله الغيم علما على المطر ، ويقال : حقيقة الرؤيا ما ينزعه الملك الموكل عليها ، فإن الله تعالى قد وكل بالرؤيا ملكا يضرب من الحكمة الأمثال ، وقد أطلعه الله تعالى على قصص ولد آدم من اللوح المحفوظ ، فهو ينسخ منها ويضرب لكل على قصته مثلا ، فإذا نام تمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة ليكون له بشارة أو نذارة أو معاتبة ليكونوا على بصيرة من أمرهم .
فائدة اعلم أن البخاري رضي الله عنه أخرج حديث من كذب علي هاهنا عن خمسة من الصحابة ، وهم : علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وأنس بن مالك ، وسلمة بن الأكوع ، وأبو هريرة رضي الله عنهم . فقدم حديث علي لأن فيه النهي عن الكذب عليه صريحا والوعيد للكاذب ، والمراد من عقد الباب التنبيه عليه ، ثم عقبه بحديث الزبير لزيادة فيه ، وهي التنبيه على توقي الصحابة وتحرزهم من كثرة الرواية عنه المؤدية إلى انجرار الكذب والخطأ ، ثم عقب ذلك بحديث أنس للتنبيه على نكتة ، وهي أن توقيهم لم يكن بالامتناع عن أصل الحديث ؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ ، وإنما كان لخوفهم من الإكثار المفضي إلى الخطأ ، ثم عقب ذلك بحديث سلمة لما فيه من التصريح بالقول ؛ لأن الأحاديث التي قبله أعم من نسبة القول والفعل إليه ثم ختم الأربعة بحديث أبي هريرة لما فيه من الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه في كل حال ، سواء كان في اليقظة أو في النوم . فائدة أخرى اعلم أن حديث من كذب علي في غاية الصحة ونهاية القوة حتى أطلق عليه جماعة أنه متواتر ، ونوزع بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة ، وليست موجودة في كل طريق بمفردها .
أجيب بأن المراد من إطلاق كونه متواترا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر ، وهذا كاف في إفادة العلم . وحديث أنس قد روي عن العدد الكثير ، وتواترت عنهم الطرق ، وحديث علي رضي الله عنه رواه عن ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم ، والعدد المعين لا يشترط في التواتر بل ما أفاد العلم كاف ، والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه ، ولا سيما قد روي هذا الحديث عن جماعة كثيرين من الصحابة ، فحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي أنه روي عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا ، وقال بعض الحفاظ : إنه روي عن اثنين وستين صحابيا ، وفيهم العشرة المبشرة . وقال : ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا هذا ، ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا .
وقال بعضهم : إنه رواه مائتان من الصحابة ، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه ، فقال إبراهيم الحربي : إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة ، وكذا قال أبو بكر البزار وجمع طرقه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلا ، وجمعها الطبراني فزاد قليلا . وقال أبو القاسم بن منده : رواه أكثر من ثمانين نفسا ، وجمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات فجاوز التسعين ، وبذلك جزم ابن دحية ، ثم جمعها الحافظان يوسف بن خليل الدمشقي وأبو علي البكري وهما متعاصران ، فوقع لكل منهما ما ليس عند الآخر وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة رضي الله عنهم ، وقال ابن الصلاح : ثم لم يزل عدده في ازدياد وهلم جرا على التوالي والاستمرار ، وليس في الأحاديث ما في مرتبته من التواتر ، وقيل : لم يوجد في الحديث مثال للمتواتر إلا هذا ، وقال ابن دحية : قد أخرج من نحو أربعمائة طريق . قلت : قول من قال لا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا غير مسلم ، فإن حديث رفع اليدين اجتمع على روايته العشرة ، وكذلك حديث المسح على الخفين ، وكذا قوله ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا ، فإن حديث السواك رواه أكثر من ستين صحابيا ، بينت ذلك في شرح معاني الآثار للطحاوي رحمه الله ، وكذلك قول من قال لم يوجد من الحديث مثال للمتواتر إلا هذا ، فإن حديث من بنى لله مسجدا ، وحديث الشفاعة ، والحوض ، ورؤية الله في الآخرة ، والأئمة من قريش . .
كلها تصلح مثالا للمتواتر ، فافهم . فائدة أخرى تفصيل طرق الأحاديث المائة من الصحابة التي تحصلت من جميع الحفاظ المذكورين هو أن أربعة عشر حديثا منها قد صحت ، فعند البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، والمغيرة أخرج البخاري حديثه في الجنائز . وعند البخاري أيضا ، عن الزبير بن العوام ، وسلمة بن الأكوع ، وعبد الله بن عمرو بن العاص .
أخرج حديثه في أخبار بني إسرائيل ، وعند مسلم أيضا ، عن أبي سعيد الخدري ، وعند غيرهما من الصحاح أيضا ، عن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ، وأبي قتادة وجابر وزيد بن أرقم . ومنها ستة عشر حديثا في الحسان ، وهي : عن طلحة بن عبيد الله ، وسعيد بن زيد ، وأبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وعقبة بن عامر ، وعمران بن حصين ، وسلمان الفارسي ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ورافع بن خديج ، وطارق الأشجعي ، والسائب بن يزيد ، وخالد بن عرفطة ، وأبي أمامة ، وأبي قرصافة ، وأبي موسى الغافقي ، وعائشة رضي الله عنهم . فهؤلاء ثلاثون نفسا ، ومنها سبعون حديثا ما بين ضعيف وساقط عن سبعين نفسا منهم ، وهم : أبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وعمار بن ياسر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وجابر بن عبد الله ، وأسامة بن زيد ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وواثلة بن الأسقع ، وكعب بن قطبة ، وسمرة بن جندب ، والبراء بن عازب ، وأبو موسى الغافقي ، ومالك بن عبد الله ، وعبد الله بن زعب ، وصهيب ، والنواس بن سمعان ، ويعلى بن مرة ، وحذيفة بن اليمان ، والسائب بن يزيد ، وبريدة بن الحصيب ، وسلمان بن خالد الخزاعي ، وعبد الله بن الحارث بن جزء ، وعمرو بن عبسة السلمي ، وطارق بن أشيم ، وأبو رافع إبراهيم .
ويقال : أسلم مولى النبي عليه الصلاة والسلام ، وعتبة بن غزوان ، ومعاوية بن حيدة ، ومعاذ بن جبل ، وسعد بن المدحاس ، وأبو كبشة الأنماري والعرس بن عميرة ، والمنقع التميمي ، وابن أبي العشراء الدارمي ، ونبيط بن شريط ، وأبو ذر الغفاري ، ويزيد بن أسد ، وأبو ميمون الكردي ، ورجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، ورجل آخر .