باب العلم والعظة بالليل
حدثنا صدقة ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن معمر ، عن الزهري ، عن هند ، عن أم سلمة وعمرو ويحيى بن سعيد ، عن الزهري ، عن هند ، عن أم سلمة ، قالت : استيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فقال : سبحان الله ! ماذا أنزل الليلة من الفتن ؟ وماذا فتح من الخزائن ؟ أيقظوا صواحب الحجر ، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة . الباب له ترجمتان وهما : العلم والعظة أو اليقظة بالليل ، فمطابقة الحديث للترجمة الأولى في قوله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن وقوله فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ، ومطابقته للترجمة الثانية في قوله أيقظوا صواحب الحجر . بيان رجاله : وهم ثمانية : الأول : صدقة بن فضل المروزي أبو الفضل ، انفرد بالإخراج عنه البخاري عن الستة ، وكان حافظا إماما ، مات سنة ثلاث ، وقيل : ست وعشرين ومائتين .
الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : عن معمر بن راشد . الرابع : محمد بن مسلم الزهري .
الخامس : عمرو بن دينار . السادس : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وأخطأ من قال : إنه يحيى بن سعيد القطان ؛ لأنه لم يسمع من الزهري ولا لقيه . السابع : هند بنت الحارث الفراسية ، ويقال : القرشية ، وعند الداودي : القادسية ، ولا وجه له كانت زوجة لمعبد بن المقداد ، وفي التهذيب أسقط معبدا ، وهو وهم روى لها الجماعة إلا مسلما .
الثامن : أم سلمة هند ، وقيل : رملة زوج النبي عليه الصلاة والسلام بنت أبي أمية حذيفة ، ويقال : سهل بن المغيرة . ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، كانت عند أبي سلمة فتوفي عنها ، فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام ، روي لها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثمائة وثمانية وسبعون حديثا ، اتفقا منها على ثلاثة عشر حديثا ، هاجرت إلى الحبشة وإلى المدينة ، وقال ابن سعد : هاجر بها أبو سلمة إلى الحبشة في الهجرتين جميعا فولدت له هناك زينب ، ثم ولدت بعدها سلمة وعمر ودرة ، تزوجها رسول الله عليه الصلاة والسلام في شوال سنة أربع وتوفيت سنة تسع وخمسين ، وقيل : في خلافة يزيد بن معاوية ، وولي يزيد في رجب سنة ستين ، وتوفي في ربيع سنة أربع وستين ، وكان لها حين توفيت أربع وثمانون سنة ، فصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه في الأصح ، واتفقوا أنها دفنت بالبقيع ، روى لها الجماعة . بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين في نسق ، ومنها أن فيه رواية صحابية عن صحابية على قول من قال : إن هندا صحابية إن صح ، ومنها أن فيه رواية الأقران في موضعين أحدهما ابن عيينة عن معمر ، والثاني عمرو ويحيى عن الزهري .
قوله عن هند في رواية الأكثرين . وفي رواية الكشميهني : عن امرأة ، وقوله : عن امرأة ، في رواية الأكثرين . وفي رواية أبي ذر : عن هند ، والحاصل أن الزهري ربما كان سماها باسمها ربما أبهمها .
قوله وعمرو بالجر عطف على معمر يعني ابن عيينة يروي عن معمر بن راشد ، وعن عمرو بن دينار ، وعن يحيى بن سعيد ، ثلاثتهم يروون عن الزهري ، وقد روى الحميدي هذا الحديث في مسنده ، عن ابن عيينة قال : حدثنا معمر ، عن الزهري قال : وحدثنا عمرو ويحيى بن سعيد ، عن الزهري ، فصرح بالتحديث عن الثلاثة ، ويجوز : وعمرو ، بالرفع وروي به . ووجهه أن يكون استئنافا ، وقد جرت عادة ابن عيينة يحدث بحذف صيغة الأداء . قوله ويحيى عطف على عمرو في الوجهين ، وقال الشيخ قطب الدين : وقد أخرجه البخاري في السند الأول متصلا فذكر فيه هندا ، وفي السند الثاني عن امرأة لم يسمها ، وقد سماها في بقية الأبواب ، والاعتماد فيه على المتصل ، وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون أي الإسناد الثاني تعليقا من البخاري عن عمرو ، ثم قال : والظاهر الأصح هو الأول أي الإسناد الأول .
قلت : كلاهما صحيحان متصلان كما ذكرنا . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في صلاة الليل ، عن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله بن المبارك ، عن معمر . وفي اللباس ، عن عبد الله بن محمد ، عن هشام بن يوسف ، عن معمر .
وفي علامات النبوة في موضعين من كتاب الأدب ، عن أبي اليمان ، عن شعيب . وفي الفتن ، عن إسماعيل ، عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن أبي عتيق ، كلهم عن الزهري ، عن هند به . قال الحميدي : هذا الحديث مما انفرد به البخاري ، عن مسلم .
وأخرجه الترمذي في الفتن ، عن سويد بن نصر ، عن ابن المبارك به ، وقال : صحيح . وأخرجه مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن شهاب مرسلا . بيان الإعراب والمعاني قوله استيقظ بمعنى تيقظ ، وليس السين فيه للطلب كما في قوله عليه السلام : إذا استيقظ أحدكم من منامه ، ومعناه : انتبه من النوم ، وهو فعل وفاعله النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قوله ذات ليلة أي في ليلة ، ولفظة ذات مقحمة للتأكيد ، وقال الزمخشري : هو من إضافة المسمى إلى اسمه . وقال الجوهري : أما قولهم : ذات مرة ، وذو صباح . فهو من ظروف الزمان التي لا تتمكن ، تقول : لقيته ذات يوم وذات ليلة .
قلت : إنما لم يتصرف ذات مرة وذات يوم ، وذو صباح وذو مساء لأمرين أحدهما أن إضافتها من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم ؛ لأن قولك : لقيتك ذات مرة وذات يوم ، قطعة من الزمان ذات مرة وذات يوم أي صاحبة هذا الاسم ، وكذا ذو صباح وذو مساء أي وقت ذو صباح أي صاحب هذا الاسم ، فحذفت الظروف وأقيمت صفاتها مقامها فأعربت بإعرابها ، وإضافة المسمى للاسم قليلة ؛ لأنها تفيد بدون المضاف ما تفيده معه . الثاني : أن ذات وذو من ذات مرة وأخواتها ليس لهما تمكن في ظروف الزمان ؛ لأنهما ليسا من أسماء الزمان ، وزعم السهيلي أن ذات مرة وذات يوم لا يتصرفان في لغة خثعم ولا غيرها . قوله فقال عطف على استيقظ ، قوله سبحان الله مقول القول وسبحان علم للتسبيح كعثمان علم للرجل ، وانتصابه على المصدرية والتسبيح في اللغة التنزيه ، والمعنى هنا أنزه الله تنزيها عما لا يليق به ، واستعماله هنا للتعجب ؛ لأن العرب قد تستعمله في مقام التعجب .
قوله ماذا فيه أوجه : الأول : أن يكون ما استفهاما و ذا إشارة نحو : ماذا الوقوف . الثاني : أن تكون ما استفهاما و ذا موصولة بمعنى الذي . الثالث : أن تكون ماذا كلمة استفهام على التركيب ، كقولك : لماذا جئت ؟ الرابع : أن تكون ما نكرة موصوفة بمعنى شيء .
الخامس : أن تكون ما زائدة و ذا للإشارة . السادس : أن تكون ما استفهاما وذا زائدة ، أجازه جماعة منهم ابن مالك . قوله أنزل على صيغة المجهول .
وفي رواية الكشميهني : أنزل الله ، والإنزال في اللغة إما بمعنى الإيواء كما يقال : أنزل الجيش بالبلد ونزل الأمير بالقصر ، وإما بمعنى تحريك الشيء من علو إلى سفل ؛ كقوله تعالى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً وهذان المعنيان لا يتحققان في أنزل الله ، فهو مستعمل في معنى مجازي بمعنى أعلم الله الملائكة بالأمر المقدر ، وكذلك المعنى في أنزل الله القرآن ، فمن قال : إن القرآن معنى قائم بذات الله تعالى ، فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ ، ومن قال : القرآن هو الألفاظ ، فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ ؛ لأن الإنزال إنما يكون بعد الوجود ، والمراد بإنزال الكتب السماوية أن يتلقاها الملك من الله تلقيا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام أوحي إليه في يومه ذلك بما سيقع بعده من الفتن فعبر عنه بالإنزال . قوله الليلة بالنصب على الظرفية ، قوله وماذا فتح من الخزائن الكلام فيه من جهة الإعراب مثل الكلام فيما أنزل وعبر عن الرحمة بالخزائن ؛ كقوله خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي وعن العذاب بالفتن ؛ لأنها أسباب مؤدية إلى العقاب ، وقال المهلب : فيه دليل على أن الفتن تكون في المال وفي غيره ؛ لقوله : ماذا أنزل من الفتن وماذا فتح من الخزائن ، وقال الداودي : قوله ماذا أنزل الليلة من الفتن ، وهو ما فتح من الخزائن ، قال : وقد يعطف الشيء على نفسه تأكيدا ؛ لأن ما يفتح من الخزائن يكون سببا للفتنة ، واحتج الأول بقول حذيفة رضي الله عنه : فتنة الرجل في أهله وماله يكفرها الصلاة والصدقة . قلت : المعنى أنه عليه الصلاة والسلام رأى في تلك الليلة المنام ، وفيه أنه سيقع بعده فتن وأنه يفتح لأمته الخزائن ، وعرف عند الاستيقاظ حقيقته إما بالتعبير أو بالوحي إليه في اليقظة قبل النوم أو بعده ، وقد وقعت الفتن كما هو المشهور ، وفتحت الخزائن حيث تسلطت الصحابة رضي الله عنهم على فارس والروم وغيرهما ، وهذا من المعجزات حيث أخبر بأمر قبل وقوعه ، فوقع مثل ما أخبر .
قوله أيقظوا بفتح الهمزة ؛ لأنه أمر من الإيقاظ بكسر الهمزة ، قوله صواحب الحجر كلام إضافي مفعوله وأراد بها زوجاته عليه الصلاة والسلام ، وهو جمع صاحبة ، والحجر بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة وأراد بها منازل زوجاته ، وإنما خصهن بالإيقاظ ؛ لأنهن الحاضرات حينئذ ، أخبرت بذلك أم سلمة رضي الله عنها كان تلك الليلة ليلتها ، وهو الظاهر . وقال الكرماني : يجوز إيقظوا بكسر الهمزة أي انتبهوا ، والصواحب منادى لو صحت الرواية به . قلت : هذا ممنوع من وجهين أحدهما من جهة الرواية حيث لم يروونه هكذا ، والآخر من جهة اللفظ ، وهو أنه لو كان كذلك كان يقال : أيقظن ؛ لأن الخطاب للنساء .
قوله فرب كاسية أصل رب للتقليل ، وقد تستعمل للتكثير كما في رب هاهنا ، والتحقيق فيه أنه ليس معناه التقليل دائما خلافا للأكثرين ، ولا التكثير دائما خلافا لابن درستويه وجماعة ، بل ترد للتكثير كثيرا وللتقليل قليلا ؛ فمن الأول : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾و رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة ، ومن الثاني : قول الشاعر : ألا رب مولود وليس له أب وفيها لغات قد ذكرناها مرة وفعلها الذي تتعلق هي به ينبغي أن يكون ماضيا ويحذف غالبا ، والتقدير : رب كاسية عارية عرفتها ، والمراد أما اللاتي تلبس رقيق الثياب التي لا تمنع من إدراك البشرة معاقبات في الآخرة بفضيحة التعري ، وأما اللابسات للثياب الرقيقة النفيسة عاريات من الحسنات في الآخرة ، فندبهن على الصدقة وحضهن على ترك السرف في الدنيا يأخذن منها أقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك ، وهذه البلوى عامة في هذا الزمان لا سيما في نساء مصر ، فإن الواحدة منهن تتغالى في ثمن قميص إما من عندها أو بتكليفها زوجها حتى تفصل قميصا بأكمام هائلة وذيل سابلة جدا منجرة وراءها أكثر من ذراعين ، وكل كم من كميها يصلح أن يكون قميصا معتدلا ، ومع هذا إذا مشت يرى منها أكثر بدنها من نفس كمها ، فلا شك أنهن ممن يدخلن في هذا الحديث ، وهو من جملة معجزات النبي عليه الصلاة والسلام ؛ حيث أخبر بذلك قبل وقوعه لما علم باطلاع الله تعالى إياه أن مثل هذا سيقع في أمته من فتح الخزائن وكثرة الأموال المؤدية إلى مثل هذه الجريمة وغيرها ، ولكن لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإيقاظ نسائه خص تذكيره ووعظه لهن بهذا الوصف تحذيرا لهن عن مباشرة الإسراف المنهي عنه ، ولأنه من الأمور المؤدية إلى فساد عظيم على ما لا يخفى . وقال الطيبي : رب كاسية كالبيان لموجب استيقاظ الأرواح أي لا ينبغي لهن أن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أهالي رسول الله عليه الصلاة والسلام أي رب كاسية حلي الزوجية المشرفة بها ، وهي عارية عنها في الآخرة لا تنفعها إذا لم تضمها مع العمل . قال تعالى : فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ قوله كاسية على وزن فاعلة من كسا ، ولكنه بمعنى مكسوة كما في قول الحطيئة : واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قال الفراء : يعني المكسو ، كقولك : ماء دافق وعيشة راضية ؛ لأنه يقال : كسي العريان ، ولا يقال كسا .
قوله عارية بتخفيف الياء ، قال القاضي : أكثر الروايات بخفض عارية على الوصف . وقال السهيلي : الأحسن عند سيبويه الخفض على النعت ؛ لأن رب عنده حرف جر يلزم صدر الكلام ، ويجوز الرفع كما تقول : رب رجل عاقل ، على إضمار مبتدأ ، والجملة في موضع النعت أي هي عارية ، والفعل الذي يتعلق به رب محذوف ، واختار الكسائي أن يكون رب اسما مبتدأ والمرفوع خبرها ، ومما يستفاد من هذا الحديث أن للرجل أن يوقظ أهله بالليل للصلاة ولذكر الله تعالى لا سيما عند آية تحدث أو رؤيا مخوفة ، وجواز قول سبحان الله عند التعجب ، واستحباب ذكر الله بعد الاستيقاظ وغير ذلك .