باب من سأل وهو قائم عالما جالسا
- باب من سأل وهو قائم عالما جالسا 64 - حدثنا عثمان قال : أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن موسى قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما القتال في سبيل الله ؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية ، فرفع إليه رأسه - قال : وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما - فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل .
ج٢ / ص١٩٧مطابقة الحديث للترجمة في قوله : " وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما " . ( بيان رجاله ) وهم خمسة قد ذكروا كلهم ، وعثمان هو ابن أبي شيبة ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري . ( بيان لطائف إسناده ) منها : أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم كوفيون ، ومنها أنهم أئمة أجلاء .
( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن سليمان بن حرب عن شعبة ، وفي كتاب الخمس في باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره ؟ عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، وفي التوحيد عن محمد بن كثير ، عن الثوري ، عن الشعبي ، وأخرجه مسلم في الجهاد عن أبي موسى ، وبندار عن غندر ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير وابن راهويه ، عن جرير ، عن منصور ثلاثتهم ، عن أبي وائل ، عن أبي موسى ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن حفص بن عمرو ، عن شعبة ، وعن علي بن مسلم ، عن أبي داود ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت عن أبي وائل حديثا أعجبني ، فذكر معناه ،
وأخرجه الترمذي فيه عن هناد ، عن أبي معاوية به ، وقال : حسن صحيح، وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود ، عن خالد بن الحارث ، عن شعبة به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن عبد الله بن نمير به . ( بيان اللغات والإعراب ) قوله : " إلى النبي صلى الله عليه وسلم " إنما عداه بكلمة الانتهاء مع أن جاء جاء متعديا بنفسه إشعارا بأن المقصود بيان انتهاء المجيء إليه . قوله : " فقال " عطف على قوله : " فجاء " .
قوله : " ما القتال مبتدأ وخبر وقع مقولا للقول . قوله : " فإن أحدنا " الفاء فيه للتعليل . قوله : " يقاتل " جملة في محل الرفع لأنها خبر إن .
قوله : " غضبا " نصب على أنه مفعول له والغضب حالة تحصل عند غليان الدم في القلب لإرادة الانتقام . قوله : " حمية " بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد الياء آخر الحروف ، نصب على أنه مفعول له أيضا ، قال الجوهري : حميت عن كذا حمية بالتشديد وتحمية إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفة أن تفعله ، وقال غيره : الحمية هي المحافظة على الحرم ، وقيل : هي الأنفة والغيرة والمحاماة عن العشيرة والأول إشارة إلى مقتضى القوة الغضبية ، والثاني إلى مقتضى القوة الشهوانية أو الأول : لأجل دفع المضرة ، والثاني لأجل جلب المنفعة . قوله : " فرفع إليه " أي : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السائل .
قوله : " وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما " ظاهره أن القائل هو أبو موسى ويحتمل أن يكون من دونه فيكون مدرجا في أثناء الخبر وهو استثناء مفرغ ، وأن مع اسمها وخبرها في تقدير المصدر أي : ما رفع لأمر من الأمور إلا لقيام الرجل . قوله : " قال " أي : النبي صلى الله عليه وسلم وهو الجواب عن سؤال السائل المذكور . فإن قلت : السؤال عن ماهية القتال والجواب ليس عنها بل عن المقاتل .
قلت : فيه الجواب وزيادة أو أن القتال بمعنى اسم الفاعل أي : المقاتل بقرينة لفظ فإن أحدنا ، ولفظة ما إن قلنا أنه عام للعالم ولغيره فظاهر ، وإن قلنا : إنه لغيره فكذلك إذا لم يعتبر معنى الوصفية فيه ، إذ صرحوا بنفي الفرق بين العالم وغيره عند اعتبارها ، وقال الزمخشري في قوله تعالى : بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ فإن قلت : كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله : قانتون ؟ . قلت : هو كقوله " سبحان ما سخركن لنا " أو نقول ضمير " فهو " راجع إلى القتال الذي في ضمن قاتل أي : فقتاله قتال في سبيل الله . فإن قلت : فمن قاتل لطلب ثواب الآخرة أو لطلب رضى الله تعالى عنه فهل هو في سبيل الله ؟ قلت : نعم ؛ لأن طلب إعلاء الكلمة وطلب الثواب والرضى كلها متلازمة ، وحاصل الجواب أن القتال في سبيل الله قتال منشؤه القوة العقلية لا القوة الغضبية أو الشهوانية ، وانحصار القوى الإنسانية في هذه الثلاث مذكور في موضعه .
قوله : " لتكون " أي : لأن تكون ، واللام لام كي . قوله : " كلمة الله " أي : دعوته إلى الإسلام ، وقيل : هي قوله : " لا إله إلا الله " . قوله : " هي " فصل أو مبتدأ ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله تعالى في العلو وأنها المختصة به دون سائر الكلام .
قوله : " فهو " مبتدأ و " في سبيل الله " خبر لقوله " من " وإنما دخلت الفاء لتضمن من معنى الشرط . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة . الثاني : فيه أن الإخلاص شرط في العبادة فمن كان له الباعث الدنياوي فلا شك في بطلان عمله ، ومن إذا كان الباعث الديني أقوى فقد حكم الحارث المحاسبي بإبطال العمل ؛ تمسكا بهذا الحديث ، وخالفه الجمهور وقالوا : العمل صحيح ، وقال محمد بن جرير الطبري : إذا ابتدأ العمل به لا يضره ما عرض بعده من عجب يطرأ عليه .
الثالث : فيه أن الفضل الذي ورد في المجاهدين يختص بمن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى . الرابع : فيه أنه لا بأس أن يكون المستفتي واقفا إذا كان هناك عذر وكذلك طلب الحاجة . الخامس : فيه إقبال المتكلم على المخاطب .
السادس : ج٢ / ص١٩٨فيه ما أعطي النبي عليه الصلاة والسلام من الفصاحة وجوامع الكلم لأنه أجاب السائل بجواب جامع لمعنى سؤاله لا بلفظه من أجل أن الغضب والحمية قد يكون لله عز وجل ، وقد يكون لغرض الدنيا ، فأجابه عليه السلام بالمعنى مختصرا إذ لو ذهب يقسم وجوه الغضب لطال ذلك ولخشي أن يلبس عليه ، وجاء أيضا في الصحيح " يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله تعالى ؟ فقال عليه السلام : من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله " .