باب قول الله تعالى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
ج٢ / ص١٩٩- باب قول الله تعالى : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا أي : هذا باب قول الله تعالى : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا وأراد بإيراد هذا الباب المترجم بهذه الآية التنبيه على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيا ولا غيره . ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن كلا منهما مشتمل على سؤال عن عالم غير أن المسئول قد بين في الأول لكونه مما يحتاج إلى علمه السائل ، ولم يبين في هذا لعدم الحاجة إلى بيانه لكونه مما اختص الله سبحانه فيه ، ولأن في عدم بيانه تصديقا لنبوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، حيث قال الواحدي : قال المفسرون : إن اليهود اجتمعوا فقالوا : نسأل محمدا عن الروح ، وعن فتية فقدوا في أول الزمان ، وعن رجل بلغ مشرق الشمس ومغربها ، فإن أجاب في ذلك كله فليس بنبي ، وإن لم يجب في ذلك كله فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وأمسك عن بعض فهو نبي ، فسألوه عنها فأنزل الله تعالى في شأن الفتية : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ إلى آخر القصة ، وأنزل في شأن الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ إلى آخر القصة ، وأنزل في الروح قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا قوله : وَمَا أُوتِيتُمْ الخطاب عام ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا : نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه ؟ فقال : " بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا " فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وساعة تقول هذا ، فنزلت : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ وليس ما قالوه بلازم ؛ لأن القلة والكثرة يدوران مع الإضافة ، فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه ، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة ، وقيل : هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : قد أوتينا التوراة فيها الحكمة وقد تلوت : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا فقيل لهم : إن علم التوراة قليل في جنب علم الله تعالى . قوله : إِلا قَلِيلا استثناء من العلم أي : إلا علما قليلا أو من الإيتاء أي : إلا إيتاء قليلا أو من الضمير أي : إلا قليلا منكم .
66 - حدثنا قيس بن حفص قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا الأعمش سليمان ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه ، فمر بنفر من اليهود ، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ، وقال بعضهم : لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه ، فقال بعضهم : ولنسألنه ، فقام رجل منهم فقال : يا أبا القاسم ، ما الروح ؟ فسكت ، فقلت : إنه يوحى إليه ، فقمت ، فلما انجلى عنه فقال : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا قال الأعمش : هكذا في قراءتنا . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنها بعض آية من القرآن ، والحديث يبين سبب نزولها مع ما فيها من التنبيه على أن علم الروح علم قد استأثر الله به ولم يطلع عليه أحدا كما قد ذكرناه . ( بيان رجاله ) وهم ستة : الأول : قيس بن حفص بن القعقاع الدارمي أبو محمد البصري ، روى عنه أحمد بن سعيد الدارمي وأبو زرعة وأبو حاتم ، قال يحيى بن معين : ثقة ، وقال أحمد بن عبد الله : لا بأس به ، وقال أبو حاتم : شيخ وهو شيخ البخاري انفرد بالإخراج عنه ، عن أئمة الكتب الخمسة ، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه ، توفي سنة سبع وعشرين ومائتين .
الثاني : عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري . الثالث : سليمان بن مهران الأعمش الكوفي . الرابع : إبراهيم بن يزيد النخعي .
الخامس : علقمة بن قيس النخعي . السادس : عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بصريين وثلاثة كوفيين ، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين الحفاظ المتقنين يروي بعضهم عن بعض وهم الأعمش وإبراهيم وعلقمة ، ومنها أن رواية الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أصلح الأسانيد فيما قيل .
( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه ج٢ / ص٢٠٠البخاري أيضا في التوحيد عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد أيضا ، وفي التفسير عن عمر بن حفص عن أبيه ، وفي الاعتصام في باب ما يكره من كثرة السؤال ، وتكليف ما لا يعنيه عن محمد بن عبيد بن ميمون ، عن عيسى بن يونس ، وفي التوحيد عن يحيى ، عن وكيع ، وأخرجه مسلم في الرقاق عن عمر بن حفص عن أبيه ، وعن أبي بكر ، والأشج عن وكيع وعن إسحاق ، وابن خشرم عن عيسى كلهم عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ،
وأخرجه الترمذي والنسائي جميعا في التفسير عن علي بن خشرم به ، وقال الترمذي : حسن صحيح. ( بيان اللغات ) قوله في " خرب " بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء ، وفي آخره باء موحدة جمع خربة ، ويقال بالعكس ، أعني الخاء وكسر الراء ، هكذا ضبط بعضهم أخذا عن بعض الشارحين . قلت : هذا مخالف لما قاله أهل اللغة ، فقال الجوهري : الخراب ضد العمارة وقد خرب الموضع بالكسر فهو خرب .
وفي ( العباب ) وقد خرب الموضع بالكسر فهو خرب ودار خربة ، والجمع خرب مثال كلمة وكلم ، وخرب الدار وأخربها وخربها ، فعلم من هذا أن الخرب بفتح الخاء وكسر الراء تارة تكون مفردة كما يقال : مكان خرب ، وتارة تكون جمعا كما يقال : أماكن خرب جمع خربة ، وأما خرب بكسر الخاء وفتح الراء فليس بجمع خربة ، كما زعم هؤلاء الشارحون ، وإنما جمع خربة خرب ككلمة وكلم كما ذكره الصغاني ، وقال القاضي : رواه البخاري في غير هذا الموضع " حرث " بالحاء المهملة والثاء المثلثة ، وكذا رواه مسلم في جميع طرقه ، وقال بعضهم : هو الصواب . قوله : " يتوكأ " أي : يعتمد ، ومادته واو وكاف وهمزة ، ومنه يقال : رجل تكأة مثال تؤدة كثير الاتكاء ، وأصلها وكأة أيضا ، والمتكأة ما يتكأ عليه وهي المتكأ قال الله تعالى : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً قوله : " على عسيب " بفتح العين وكسر السين المهملتين وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ، قال الصغاني : العسيب من السعف فويق الكرب لم ينبت عليه الخوص وما ينبت عليه الخوص فهو السعف والجمع عسب ، وقال غيره : العسيب جريد النخل وهو عود قضبان النخل كانوا يكشطون خوصها ويتخذونها عصيا ، وكانوا يكتبون في طرفه العريض منه ، ومنه قوله في الحديث : " فجعلت أتتبعه في العسيب " يريد القرآن . قوله : " بنفر " بفتح الفاء عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة ، والنفير مثله ، وكذلك النفر والنفرة بالإسكان .
قوله : " من اليهود " هذا اللفظ مع اللام ودون اللام معرفة ، والمراد به اليهوديون ولكنهم حذفوا ياء النسبة كما قالوا : زنجي وزنج للفرق بين المفرد والجماعة . ( بيان الإعراب ) قوله : " بينا أنا " قد مر غير مرة أن أصل بينا بين فأشبعت الفتحة بالألف ، والعامل فيه جوابه وهو قوله : " فمر بنفر من اليهود " لا يقال : الفاء الجزائية تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها ، فلا يعمل مر في بينا لأنا نقول : لا نسلم أن الفاء هنا جزائية إذ ليس في بين معنى المجازاة الصريحة ، بل فيها رائحة منها ، ولئن سلمنا ولكن لا نسلم ما ذكرتم من المنع لأن النحاة قالوا في " أما زيدا فأنا ضارب " : إن العامل في زيدا هو ضارب سلمنا ذلك ، فنقول : العامل فيه مر مقدرا والمذكور يفسره ، ولنا أن نقول بين الفاء وإذا أخوة حيث استعملت الفاء هاهنا موضع إذا ، والغالب أن جواب بينا يكون بإذا وإذ ، وإن كان الأصمعي يستفصح تركهما ، وقال الكرماني : السؤال مشترك الإلزام إذ هو بعينه وارد في إذ وإذا حيث يقع شيء منهما جوابا لبين ؛ لأن إذ وإذا أنى كان هو مضاف إلى ما بعده ، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف ، فبالطريق الأولى لا يعمل في المقدم على المضاف فما هو جوابكم في إذ فهو جوابنا في الفاء . قوله : " مع النبي " حال أي : مصاحبا معه .
قوله : " وهو يتوكأ " جملة اسمية وقعت حالا . قوله : " معه " صفة لعسيب . قوله : " من اليهود " بيان للنفر .
قوله : " سلوه " أصله اسألوه أي : النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : " لا تسلوه " أصله لا تسألوه . قوله : " لا يجيء فيه " يجوز فيه ثلاثة أوجه : الأول : الجزم على جواب النهي أي : لا تسألوه لا يجيء بمكروه .
الثاني : النصب على معنى لا تسألوه إرادة أن لا يجيء فيه ولا زائدة ، وهذا ماش على مذهب الكوفيين ، وقال السهيلي : النصب فيه بعيد لأنه على معنى أن . الثالث : الرفع على القطع أي : لا يجيء فيه بشيء تكرهونه . قلت : المراد أنه رفع على الاستئناف .
قوله : " لنسألنه " جواب لقسم محذوف . قوله : " يا با القاسم " أصله يا أبا القاسم حذفت الهمزة من الأب تخفيفا . قوله : " فسكت " أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله : " فقمت " عطف على فقلت . قوله : " قال " جواب قوله : " فلما انجلى " . ( بيان المعاني ) قوله : " فقمت " أي : حتى لا أكون مشوشا عليه أو قمت حائلا بينه وبينهم .
قوله : " فلما انجلى " أي : فحين انكشف الكرب الذي كان يتغشاه حال الوحي قال : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ وسؤالهم عن الروح بقولهم : ما الروح ؟ مشكل إذ لا يعلم ج٢ / ص٢٠١مرادهم لأن الروح جاء في القرآن على معان ؛ قال الله تعالى : نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ وقال : تَنَـزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا وقال : رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ فلو عينوا سؤالهم لأمكنه أن يجيبهم قال هذا القائل : ويمكن أن يكون سؤالهم عن روح بني آدم لأنه مذكور في التوراة أنه لا يعلمه إلا الله ، وقالت اليهود : إن فسر الروح فليس بنبي ، فلذلك لم يجبهم ، قال عياض وغيره : اختلف المفسرون في الروح المسئول عنها ، فقيل : سألوه عن عيسى عليه الصلاة والسلام ، فقال لهم : الروح من أمر الله - يعني : إنما هو شيء من أمر الله تعالى كما تقول النصارى ، وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح ، وعن ابن عباس وعلي رضي الله عنهم : هو ملك من الملائكة يقوم صفا وتقوم الملائكة صفا ، قال تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا وقيل : جبرائيل عليه السلام ، وقيل : القرآن لقوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا وقال أبو صالح : هو خلق كخلق بني آدم ليسوا ببني آدم ، لهم أيد وأرجل ، وقيل : طائفة من الخلق لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل معه أحدهم ، وقيل : ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه ، يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة ، وقيل : علم الله أن الأصلح لهم أن لا يخبرهم ما هو ؛ لأن اليهود قالوا : إن فسر الروح فليس بنبي ، وهذا معنى قوله : " لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه " فقد جاءهم بذلك لأن عندهم في التوراة كما ذكره لهم أنه من أمر الله تعالى لن يطلع عليه أحد ، وذكر ابن إسحاق أن نفرا من اليهود قالوا : يا محمد ، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن ، وذكر الحديث . وفيه فقالوا : يا محمد ، أخبرنا عن الروح ، قال : أنشدكم بالله هل تعلمون جبرائيل عليه الصلاة والسلام وهو الذي يأتيني ؟ قالوا : اللهم ، نعم ، ولكنه يا محمد هو لنا عدو ، وهو ملك يأتي بالشدة وسفك الدماء ، ولولا ذلك لاتبعناك ، فأنزل الله تعالى : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ قال بعضهم : هذا يدل على أن سؤالهم عن الروح الذي هو جبريل والله أعلم . وأما روح بني آدم فقال المازري : الكلام على الروح مما يدق ، وقد ألفت فيه التآليف ، وأشهرها ما قاله الأشعري : إنه النفس الداخل والخارج ، وقال القاضي أبو بكر : هو متردد بين ما قاله الأشعري وبين الحياة ، وقيل : جسم مشارك للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة ، وقيل : جسم لطيف ، خلقه الباري سبحانه ، وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده ، فإذا شاء الله موته أعدم هذا الجسم منه عند انعدام الحياة ، وهذا الجسم وإن كان حيا فلا يحيى إلا بحياة تختص به وهو مما يصح عليه البلوغ إلى جسم ما من الأجسام ، ويكون في مكان في العالم أو في حواصل طير خضر إلى غير ذلك مما وقع في الظواهر إلى غيره من جواهر القلب والجسم الحياة ، وقال غيرهما : هو الدم وقد ذكر بعضهم في الروح سبعين قولا .
واختلف هل الروح والنفس واحد أم لا ؟ والأصح أنهما متغايران ، فإن النفس الإنسانية هي الأمر الذي يشير إليه كل واحد منا بقوله : أنا ، وأكثر الفلاسفة لم يفرقوا بينهما ، قالوا : النفس هو الجوهر البخاري اللطيف الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية ، ويسمونها الروح الحيوانية ، وهي الواسطة بين القلب الذي هو النفس الناطقة وبين البدن ، وقال بعض الحكماء والغزالي : النفس مجردة أي : غير جسم ولا جسماني ، وقال الغزالي : الروح جوهر محدث قائم بنفسه غير متحيز ، وإنه ليس بداخل الجسم ولا خارجا عنه ، وليس متصلا به ولا منفصلا عنه ، وذلك لعدم التحيز الذي هو شرط الكون في الجهات ، واعترض عليه بوجوه قد عرفت في موضعها . وقيل : الروح عرض لأنه لو كان جوهرا والجواهر متساوية في الجوهرية للزم أن يكون للروح روح آخر وهو فاسد ، وقيل : إنه جوهر فرد متحيز ، وإنه خلاف الحياة القائمة بالجسم الحيواني ، وإنه حامل للصفات المعنوية . وقيل : إنه صورة لطيفة على صورة الجسم لها عينان وأذنان ويدان ورجلان في داخل الجسم يقابل كل جزء منه عضو نظيره من البدن وهو خيال .
وقيل : إنه جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد فيه وعليه اعتمد عامة المتكلمين من أهل السنة . وقد كثر الاختلاف في أمر الروح بين الحكماء والعلماء المتقدمين قديما وحديثا ، وأطلقوا أعنة النظر في شرحه وخاضوا في غمرات ماهيته فأكثرهم تاهوا في التيه ، فالأكثرون منهم على أن الله تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عالما به . قلت : جل منصب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حبيب الله وسيد خلقه أن يكون غير عالم بالروح ، وكيف وقد من الله عليه بقوله : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا وقد قال أكثر العلماء : ليس في الآية دليل على أن الروح لا يعلم ، ولا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمها .
قوله : " قال الأعمش " أي : سليمان بن مهران . قوله : " هكذا في قراءتنا " رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : كذا في قراءتنا ، يعني : أوتوا بصيغة الغائب وليست هذه ج٢ / ص٢٠٢القراءة في السبعة ولا في المشهورة في غيرها ، وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءات له من قراءة الأعمش ، وقال النووي : أكثر نسخ البخاري ومسلم " وما أوتوا " وذكر مسلم الاختلاف في هذه اللفظة عن الأعمش ، فرواه وكيع على القراءة المشهورة ، ورواه عيسى بن يونس عنه " وما أوتوا " قال القاضي عياض : اختلف المحدثون فيما وقع من ذلك ، فذهب بعضهم إلى أن الإصلاح على الصواب ، واحتج أنه إنما قصد به الاستدلال على ما سيقت بسببه ، ولا حجة إلا في الصحيح الثابت في المصحف ، وقال قوم : تترك على حالها وينبه عليها لأن من البعيد خفاء ذلك على المؤلف ، ومن نقل عنه وهلم جرا ، فلعلها قراءة شاذة ، قال عياض : هذا ليس بشيء لأنه لا يحتج به في حكم ولا يقرأ في صلاة ، قال : واختلف أصحاب الأصول فيما نقل آحادا ، ومنه القراءة الشاذة كمصحف ابن مسعود وغيره هل هو حجة أم لا ، فنفاه الشافعي ، وأثبته أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بما نقل عن مصحف ابن مسعود من قوله : ( ثلاثة أيام متتابعات ) " وبقول الشافعي : قال الجمهور : واستدلوا بأن الراوي له إن ذكره على أنه قرآن فخطأ وإلا فهو متردد بين أن يكون خبرا أو مذهبا له ، فلا يكون حجة بالاحتمال ولا خبرا لأن الخبر ما صرح الراوي فيه بالتحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيحمل على أنه مذهب له ، وقال أبو حنيفة : إذا لم يثبت كونه قرآنا فلا أقل من كونه خبرا . وقال الغزالي والفخر الرازي : خبر الواحد لا دليل على كونه كذبا ، وهذا خطأ قطعا ، والخبر المقطوع بكذبه لا يجوز أن يعمل به ونقله قرآنا خطأ .
قلت : لا نسلم أن هذا خطأ قطعا لأنه خبر صحابي أو خبر عنه ، وأي دليل قام على أنه خبر مقطوع بكذبه وقول الصحابي حجة عنده .