---
title: 'حديث: - باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا أي : هذا باب في بي… | عمدة القاري شرح صحيح البخاري'
canonical: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392058'
url: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392058'
content_type: 'hadith'
hadith_id: 392058
book_id: 43
book_slug: 'b-43'
---
# حديث: - باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا أي : هذا باب في بي… | عمدة القاري شرح صحيح البخاري

## نص الحديث

> - باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا أي : هذا باب في بيان من خص وكلمة من موصولة وقوله : " دون قوم " بمعنى غير قوم . قوله : " كراهية " بالنصب على التعليل مضاف إلى قوله : " أن لا يفهموا " وأن مصدرية ، والتقدير لأجل كراهية عدم فهم القوم الذين هم غير القوم الذين خصهم بالعلم ، والكراهية بتخفيف الياء مصدر الكراهة من كره الشيء يكرهه كراهة وكراهية ، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول ترك بعض المختار مخافة قصور فهم بعض الناس ، وهاهنا أيضا ترك بعض الناس من التخصيص بالعلم لقصور فهمهم والترجمتان متقاربتان غير أن الأولى في الأفعال وهذه في الأقوال . وقال علي : حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله . أي : علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، كذا وقع هذا الأثر مبتدأ به بصورة التعليق في أصل الهروي والدمياطي ، ثم عقب بالإسناد ، وسقط كله في رواية أبي ذر عن الكشميهني . قوله : " حدثوا " بصيغة الأمر أي : كلموا الناس بما يعرفون أي : بما يفهمون ، والمراد كلموهم على قدر عقولهم ، وفي كتاب العلم لآدم بن أبي إياس ، عن عبد الله بن داود ، عن معروف في آخره " ودعوا ما ينكرون " أي : ما يشتبه عليهم فهمه ، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة ، ومثله قول ابن مسعود رضي الله عنه ، ذكره مسلم في مقدمة كتابه بسند صحيح قال : " ما أنت بمحدث قوما حديثا لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة " . قوله : " أتحبون " الهمزة للاستفهام وتحبون بالخطاب . قوله : " أن يكذب " بصيغة المجهول وذلك لأن الشخص إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصور إمكانه يعتقد استحالته جهلا ، فلا يصدق وجوده ، فإذا أسند إلى الله ورسوله يلزم تكذيبهما . حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن معروف بن خربوذ ، عن أبي الطفيل ، عن علي بذلك . أي : حدثنا بالأثر المذكور عن علي عبيد الله بن موسى بن باذام ، عن معروف بن خربوذ بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء وضم الباء الموحدة ، وفي آخره ذال معجمة ، وقد روى بعضهم بضم الخاء المكي مولى قريش ، قال يحيى بن معين : ضعيف ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ، وليس له في البخاري سواه ، وأخرج له مسلم حديثا في الحج ، وروى له أبو داود وابن ماجه وهو يروي عن أبي الطفيل بضم الطاء وفتح الفاء عامر بن واثلة ، وقيل : عمرو بن واثلة بالثاء المثلثة ابن عبد الله بن عمرو بن جحش بن جرير بن سعد بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي ، ولد عام أحد ، كان يسكن الكوفة ، ثم انتقل إلى مكة ، وعن سعيد الجريري ، عن أبي الطفيل قال : لا يحدثك أحد اليوم على وجه الأرض أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام غيري ، وكان من أصحاب علي المحبين له ، وشهد معه مشاهده كلها وكان ثقة ثقة مأمونا ، يعترف بفضل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، وروي له عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تسعة أحاديث ، وهو آخر من مات من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على الإطلاق ، أخرج له البخاري هذا الأثر خاصة عن علي رضي الله عنه ، وأخرج له مسلم في الحج وصفة النبي عليه الصلاة والسلام ، وعن معاذ وعمر وابن عباس وحذيفة وغيرهم سكن الكوفة ، ثم أقام بمكة إلى أن مات بها سنة عشر ومائة ، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه ، وقال ابن عبد البر في كتاب الكنى له : كان من كبار التابعين ، وكان صاحب بلاغة وبيان شاعرا محسنا ثقة فاضلا بليغا عاقلا ، إلا أنه كان فيه تشيع ، وذكر ابن دريد في كتاب الاشتقاق الكبير عن عكراش بن ذؤيب قال : لقي النبي صلى الله عليه وسلم وله حديث ، وشهد الجمل مع عائشة رضي الله عنها ، فقال الأحنف : كأنكم به وقد أتي به قتيلا وبه جراحة لا تفارقه حتى يموت ، فضرب يومئذ ضربة على أنفه فعاش بعدها مائة سنة ، وأثر الضربة به فعلى هذا تكون وفاته بعد سنة خمس وثلاثين ومائة ، ووقع في بعض النسخ : حدثنا عبد الله هو ابن موسى عن معروف بن خربوذ ، عن أبي الطفيل ، عن علي رضي الله عنه بذلك أي بالأثر المذكور ، وهذا الإسناد من عوالي البخاري لأنه ملحق بالثلاثيات من حيث إن الراوي الثالث منه صحابي ، وهو أبو الطفيل المذكور ، وعلى قول من يقول : إنه تابعي ليس منها . وقال الكرماني : فإن قلت : لم أخر الإسناد عن ذكر المتن ؟ قلت : إما للفرق بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر ، وإما لأن المراد ذكر المتن داخلا تحت ترجمة الباب ، وإما لضعف في الإسناد بسبب ابن خربوذ ، وإما للتفنن وبيان جواز الأمرين بلا تفاوت في المقصود ، ولهذا وقع في بعض النسخ مقدما على المتن . قلت : وإما لأنه لم يظفر بالإسناد إلا بعد وضع الأثر معلقا وهذا أقرب من كل ما ذكره ، وأبعده جوابه الأول لعدم اطراده ، والأبعد من الكل جوابه الأخير على ما لا يخفى . 67 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال : حدثنا معاذ بن هشام قال : حدثني أبي عن قتادة ، قال : حدثنا أنس بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال : يا معاذ بن جبل ، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك ، قال : يا معاذ ، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا ، قال : ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار ، قال : يا رسول الله ، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ، قال : إذا يتكلوا ، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما . مطابقة الحديث للترجمة من حيث المعنى ، وهو أنه عليه السلام خص معاذا بهذه البشارة العظيمة دون قوم آخرين مخافة أن يقصروا في العمل متكلين على هذه البشارة . فإن قلت : ترجمة الباب لتخصيص قوم ، وما في الحديث دل على تخصيص شخص واحد وهو معاذ . قلت : المقصود جواز التخصيص إما بشخص وإما بأكثر ، وأما أمر اختلاف العبارة فسهل أو نقول : ليس هاهنا مخصوصا بشخص لأن أنسا أيضا سمعه من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما دل عليه السياق ، وأقل اسم الجمع اثنان ، أو معاذ كان أمة قانتا لله حنيفا ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : وقيل له : يا أبا عبد الرحمن ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا فقال : إنا كنا نشبه معاذا بإبراهيم عليه السلام . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : إسحاق بن إبراهيم وهو المشهور بابن راهويه ، وتقدم ذكره في باب فضل من علم وعلم . الثاني : معاذ بضم الميم ابن هشام بكسر الهاء وتخفيف المعجمة ابن أبي عبد الله الدستوائي بالهمزة ، وقيل : بالنون ، وقيل : بالياء آخر الحروف البصري ، روى عن أبيه وابن عون ، وعنه أحمد وغيره ، قال ابن معين : صدوق وليس بحجة ، وعنه ثقة ثقة ، وعن ابن عدي : ربما يغلط في الشيء وأرجو أنه صدوق مات بالبصرة سنة مائتين . الثالث : أبوه هشام تقدم في زيادة الإيمان ونقصانه . الرابع : قتادة بن دعامة . الخامس : أنس بن مالك رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد ، وفيه الإخبار والعنعنة ، ومنها أن رواته بصريون ما خلا إسحاق ، وهو أيضا دخل البصرة ، ومنها أن فيه رواية الأبناء عن الآباء . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الإيمان عن إسحاق بن منصور عن معاذ بن هشام عن أبيه به . ( بيان اللغات ) قوله : " رديفه " أي : راكب خلفه ، قال ابن سيده : ردف الرجل وأردفه وارتدفه جعله خلفه على الدابة ، ورديفك الذين يرادفك والجمع ردفاء وردافى ، والردف الراكب خلفك ، والرداف موضع مركب الرديف ، وفي الصحاح كل شيء تبع شيئا فهو ردفه ، وفي مجمع الغرائب ردفته أي : ركبت خلفه ، وأردفته أركبته خلفي ، وفي الجامع للقزاز أنكر بعضهم الرديف ، وقال : إنما هو الردف ، وحكى ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت وراءه وإذا جئت بعده ، وأرداف الملوك في الجاهلية هم الذين كانوا يخلفون الملوك كالوزراء ، وعند ابن حبيب يركب مع الملك عديله أو خلفه ، وإذا قام الملك جلس مكانه ، وإذا سقي الملك سقي بعده ، وقد جمع ابن منده أرداف النبي صلى الله عليه وسلم فبلغوا نيفا وثلاثين ردفا . قوله : " على الرحل " بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين وهو للبعير وهو أصغر من القتب ، ولكن معاذا رضي الله عنه كان في تلك الحالة رديفه صلى الله عليه وسلم على حمار كما سيأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى . وفي العباب الرحل رحل البعير وهو أصغر من القتب ، وهو من مراكب الرجال دون النساء ، وثلاثة أرحل والكثير رحال ، ورحلت البعير أرحله رحلا إذا شددت على ظهره رحلا ، والقتب بالتحريك رحل صغير على قدر السنام . قوله : " لبيك " بفتح اللام تثنية لب ، ومعناه الإجابة ، وقال الخليل : لب بالمكان أقام به ، حكاه عنه أبو عبيدة ، قال الفراء : ومنه قولهم : لبيك أي : أنا مقيم على طاعتك ، وكان حقه أن يقال لبالك فثنى على معنى التأكيد أي : إلبابا لك بعد إلباب وإقامة بعد إقامة ، قال الخليل : هذا من قولهم : دار فلان تلب داري أي : تحاذيها أي : مواجهك بما تحب إجابة لك ، والياء للتثنية ، وقال ابن الأنباري : في لبيك أربعة أقوال : أحدها إجابتي لك مأخوذ من لب بالمكان وألب به إذا أقام به ، وقالوا : لبيك ، فثنوا لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة ، كما قالوا : حنانيك أي : رحمة بعد رحمة ، وقال بعض النحويين : أصل لبيك لبيك ، فاستثقل الجمع بين ثلاث باءات فأبدلوا من الثالثة باء ، كما قالوا : تظنيت أصله تظننت . والثاني : اتجاهي يا رب وقصدي لك فثنى للتأكيد أخذا من قولهم داري تلب دارك أي : تواجهها . والثالث : محبتي لك يا رب من قول العرب : امرأة لبة ، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه . والرابع : إخلاصي لك يا رب من قولهم : حسب لباب إذا كان خالصا محضا ، ومن ذلك لب الطعام ولبابه . قوله : " وسعديك " بفتح السين تثنية سعد ، والمعنى : إسعادا بعد إسعاد أي : أنا مسعد طاعتك إسعادا بعد إسعاد ، فثنى للتأكيد كما في لبيك . قوله : " يتكلوا " بتشديد التاء المثناة من فوق من الاتكال وهو الاعتماد ، وأصله الاوتكال لأنه من وكل أمره إلى آخر ، فقلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء ، وفي رواية الأصيلي والكشميهني " ينكلوا " بسكون النون من النكول وهو الامتناع ، يعني : يمتنعوا عن العمل اعتمادا على مجرد القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله ، وقال الكرماني : وفي بعض الرواية ينكلوا بالنون من النكال . قلت : ليس بصحيح وإنما هو من النكول كما ذكرناه ، والنكال العقوبة التي تنكل الناس عن فعل ما جعلت له جزاء ، وقال تعالى : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا قال الزمخشري : أي : جعلنا المسخة عبرة تنكل من اعتبر بها أي : تمنعه ومنه النكل للقيد ، قلت : النكل بكسر النون . قوله : " تأثما " بفتح التاء المثناة من فوق والهمزة وتشديد الثاء المثلثة أي : تجنبا عن الإثم يقال : تأثم فلان إذا فعل فعلا خرج به عن الإثم والإثم الذي يخرج به كتمان ما أمر الله بتبليغه حيث قال : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ليبيننه لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ ) ، وقال الجوهري : تأثم أي : تحرج عنه وكف . قلت : هذا من باب تفعل وله معان منها التجنب ، يعني : ليدل على أن الفاعل جانب أصل الفعل نحو تأثم وتحرج أي : جانب الإثم والحرج . ( بيان الإعراب ) قوله : " ومعاذ " بالرفع مبتدأ أو رديف خبره أو الجملة حال . قوله : " على الرحل " حال أيضا . قوله : " قال : يا معاذ " في محل الرفع لأنه خبر إن ، أعني أن النبي عليه الصلاة والسلام . قوله : " يا معاذ بن جبل " يجوز في معاذ وجهان من الإعراب ، أحدهما النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب ، والمنادى المضاف منصوب والآخر الرفع على أنه منادى مفرد علم ، وأما ابن فهو منصوب بلا خلاف ، واختار ابن الحاجب النصب في معاذ ، وقال ابن مالك : الاختيار فيه الضم لأنه لا يحتاج إلى اعتذار . وقال ابن التين : يجوز النصب على أن قوله : " معاذ " زائد فالتقدير يا ابن جبل ، وفيه ما فيه . قوله : " لبيك " من المصادر التي يجب حذف فعلها ونصبها وكان حقه أن يقال : لبا لك كما ذكرنا ، ولكنه ثنى على معنى التأكيد وكذا قوله : " وسعديك " مثله ، وقال الأزهري : معنى لبيك أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة ، أصلها لبين ، فحذفت النون للإضافة . قال الفراء : نصب على المصدرية ، وقال ابن السكيت : كقولك حمدا وشكرا . قوله : " ثلاثا " يتعلق بقول كل واحد من النبي عليه الصلاة والسلام ومعاذ أي : ثلاث مرات يعني النداء والإجابة قيلا ثلاثا ، وصرح بذلك من رواية مسلم ، وقال الكرماني : ويحتمل أن يتعلق بقول النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ثلاث مرات ، وقال معاذ : لبيك ثلاث مرات ، فيكون من باب تنازع العاملين . قلت : لا معنى لذكر الاحتمال بل المعنى على ما ذكرنا وأراد بتنازع لفظ قال في الموضعين أعني قوله : " قال : يا معاذ " وقوله : " قال لبيك " فإن كلا منهما يقتضي العمل في ثلاثا . قوله : " ما من أحد " كلمة ما للنفي ، وكلمة من زائدة لتأكيد النفي واحد اسم ما ويشهد خبرها ، وكلمة أن مفسرة . قوله : " صدقا " يجوز في انتصابه وجهان : أحدهما : أن يكون حالا بمعنى صادقا ، والآخر : أن يكون صفة مصدر محذوف ، أي : شهادة صدقا . قوله : " من قلبه " يجوز أن يتعلق بقوله : " صدقا " فالشهادة لفظية ، ويجوز أن يتعلق بقوله : " يشهد " فالشهادة قلبية . قوله : " إلا حرمه الله " استثناء من أعم عام الصفات أي : ما أحد يشهد كائنا بصفة التحريم . قوله : " أفلا أخبر " الهمزة للاستفهام ومعطوف الفاء محذوف تقديره أقلت ذلك فلا أخبر ، وبهذا يجاب عما قيل أن الهمزة تقتضي الصدارة ، والفاء تقتضي عدم الصدارة ، فما وجه جمعهما . واعلم أن همزة الاستفهام إذا كانت في جملة معطوفة بالواو أو بالفاء أو بثم قدمت على العاطف تنبيها على أصالتها في التصدر نحو أَوَلَمْ يَنْظُرُوا أَفَلَمْ يَسِيرُوا أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ وأخواتها ، وتتأخر عن حروف العطف كما هو قياس جميع أجزاء الكلمة المعطوفة نحو : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ هذا مذهب سيبويه والجمهور . قوله : " الناس " بالنصب لأنه مفعول أخبر . قوله : " فيستبشروا " بحذف النون لأن الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها بعد النفي والاستفهام والعرض ، والتقدير : فإن يستبشروا ، وفي رواية أبي ذر " يستبشرون " بإثبات النون ، والتقدير : فهم يستبشرون . قوله : " إذا " جواب وجزاء أي : إن أخبرتهم يتكلوا ، كأنه قال : لا تخبرهم لأنهم حينئذ يتكلون على الشهادة المجردة ، فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة . قوله : " تأثما " نصب على أنه مفعول له أي : مخافة التأثم . ( بيان المعاني ) قوله : " ومعاذ " هو معاذ بن جبل رضي الله عنه . قوله : " صدقا من قلبه " احترز به عن شهادة المنافقين ، وقال بعضهم : الصدق كما يعبر به قولا عن مطابقة القول المخبر عنه قد يعبر به فعلا عن تحري الأفعال الكاملة ، قال الله تعالى : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أي : حقق ما أورده قولا بما تحراه فعلا . قلت : أشار إلى هذا المعنى أيضا الطيبي حيث قال : قوله : " صدقا " هنا أقيم مقام الاستقامة ، وأشار بهذا إلى دفع ما قيل في أن ظاهر الخبر يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم والتأكيد ، وذلك لأن الأدلة القطعية قد دلت عند أهل السنة والجماعة أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة ، قال الطيبي : ولأجل خفاء ذلك لم يؤذن لمعاذ رضي الله عنه في التبشير به . وقد أجيب عن هذا بأجوبة أخرى : منها : أن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائبا ثم مات على ذلك . ومنها : أنه أخرج مخرج الغالب إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية . ومنها : أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها لا أصل دخوله فيها . ومنها : أن المراد تحريم جملته لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم ، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد . ومنها : أن ذلك لمن قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهو قول الحسن . ومنها : ما قيل أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي ، وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة ، وقال بعضهم : فيه نظر لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم ، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض ، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى ، رواه أحمد بن حنبل بإسناد حسن ، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة رضي الله عنه . قلت : في النظر نظر لأنه يحتمل أن يكون ما رواه أبو هريرة وأبو موسى عن أنس رضي الله عنه كلاهما قد روياه عنه ما رواه قبل نزول الفرائض ووقعت روايتها بعد نزول أكثر الفرائض . قوله : " إلا حرمه الله على النار " معنى التحريم المنع كما في قوله تعالى : وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فإن قلت : هل في المعنى فرق بين حرمه الله على النار وحرم الله عليه النار ؟ قلت : لا اختلاف إلا في المفهومين ، وأما المعنيان فمتلازمان . فإن قلت : هل تفاوت بين ما في الحديث وما ورد في القرآن حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ؟ قلت : يحتمل أن يقال : النار منصرفة ، والجنة منصرف منها ، والتحريم إنما هو على المنصرف أنسب فروعي المناسبة . قوله : " قال إذا يتكلوا " قد قلنا : إن معناه إن أخبرتهم يمتنعوا عن العمل اعتمادا على الكلمة ، وروى البزار من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القضية " أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أذن لمعاذ رضي الله عنه في التبشير ، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال : لا تعجل ، ثم دخل فقال : يا نبي الله أنت أفضل رأيا ، إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها ، قال : فرده ، فرده " وهذا معدود من موافقات عمر رضي الله عنه . قلت : فيه جواز الاجتهاد بحضرته صلى الله عليه وسلم . قوله : " عند موته " أي : عند موت معاذ رضي الله عنه ، وقال الكرماني : الضمير في موته يرجع إلى معاذ ، وإن احتمل أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والعندية على هذا الاحتمال باعتبار التأخر عن الموت وعلى الأول أي : على ما هو الظاهر باعتبار التقدم على الموت ، وقال بعضهم : أغرب الكرماني فقال : يحتمل أن يرجع الضمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت : ويرده ما رواه أحمد في مسنده بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : أخبرني من شهد معاذا حين حضرته الوفاة يقول : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم يمنعني أن أحدثكموه إلا مخافة أن يتكلوا ، فذكر الحديث . انتهى كلامه . قلت : الحديث المذكور لا يرد ما قاله الكرماني ، ولا ينافيه لأنه يحتمل أن يكون أخبر به الناس عند موت النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخرين عند موت نفسه ، ولا منافاة بينهما ، ثم إن صنيع معاذ رضي الله عنه أن النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم ، وإلا لما كان يخبر به أصلا ، وقد قيل : إن النهي كان مقيدا بالاتكال فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك ، وبهذا خرج الجواب عما قيل ، هب أنه تأثم من الكتمان ، فكيف لا يتأثم من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبشير ، وقيل : إن المنع لم يكن إلا من العوام لأنه من الأسرار الإلهية لا يجوز كشفها إلا للخواص خوفا من أن يسمع ذلك من لا علم له فيتكل عليه ، ولهذا لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا من أمن عليه الاتكال من أهل المعرفة ، وسلك معاذ أيضا هذا المسلك ، حيث أخبر به من الخاص من رآه أهلا لذلك ، ولا يبعد أيضا أن يقال نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا ثلاث مرات كان للتوقف في إفشاء هذا السر عليه أيضا ، وقال عياض : لعل معاذا لم يفهم النهي لكن كسر عزمه عما عرض له من تبشيرهم ، وقال بعضهم : الرواية الآتية صريحة في النهي . قلت : لا نسلم أن النهي صريح في الحديث الآتي ، وإنما فهم النهي من الحديثين كليهما بدلالة النص وهي فحوى الخطاب . قوله : " وأخبر بها " الخ مدرج من أنس رضي الله عنه . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه أنه يجب أن يخص بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة الفهم ، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لتقصير فهمه . الثاني : فيه جواز ركوب الاثنين على دابة واحدة . الثالث : فيه منزلة معاذ رضي الله عنه وعزته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . الرابع : فيه تكرار الكلام لنكتة وقصد معنى . الخامس : فيه جواز الاستفسار من الإمام عما يتردد فيه واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده . السادس : فيه الإجابة بلبيك وسعديك . السابع : فيه بشارة عظيمة للموحدين .

**المصدر**: عمدة القاري شرح صحيح البخاري

## روابط ذات صلة

- [الكتاب المصدر](https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43.md)

---

**المصدر الرسمي**: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392058

© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة
