---
title: 'حديث: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر أي هذا باب في بيان قو… | عمدة القاري شرح صحيح البخاري'
canonical: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392149'
url: 'https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392149'
content_type: 'hadith'
hadith_id: 392149
book_id: 43
book_slug: 'b-43'
---
# حديث: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر أي هذا باب في بيان قو… | عمدة القاري شرح صحيح البخاري

## نص الحديث

> باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر أي هذا باب في بيان قول من لم ير الوضوء إلا من المخرجين وهو تثنية مخرج بفتح الميم، وبين ذلك بطريق عطف البيان بقوله: «القبل والدبر» ويجوز أن يكون جرهما بطريق البدل والقبل يتناول الذكر والفرج، وقال الكرماني: فإن قلت : للوضوء أسباب أخر مثل النوم وغيره، فكيف حصر عليهما؟ قلت: الحصر إنما هو بالنظر إلى اعتقاد الخصم إذ هو رد لما اعتقده، والاستثناء مفرغ فمعناه من لم ير الوضوء من مخرج من مخارج البدن إلا من هذين المخرجين، وهو رد لمن رأى أن الخارج من البدن بالفصد مثلا ناقض الوضوء، فكأنه قال: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين لا من مخرج آخر كالفصد كما هو اعتقاد الشافعي قلت: فيه مناقشة من وجوه: الأول أنه جعل مثل النوم سببا للوضوء، وليس كذلك لأن النوم ونحوه سبب لانتقاض الوضوء لا للوضوء، والذي يكون سببا لنفي شيء كيف يكون سببا لإثباته. الثاني: قوله بالنظر إلى اعتقاد الخصم ليس كذلك، وإنما هو حصر بالنظر إلى اعتقاد خصم الخصم، والخصم لا يدعي الحصر على المخرجين. الثالث: أن قوله فمعناه من لم ير الوضوء من مخرج إلى آخره يرده حكم من طعن في سرته، وخرج البول والعذرة تنتقض الطهارة عند الخصم أيضا، فعلمنا من هذا أن حكم الخارج من القبل والدبر وغيرهما سواء في الحكم فلا يتفاوت. ثم المناسبة بين البابين أن الباب السابق في نفي النجاسة عن شعر الإنسان وعن سؤر الكلب، وفي هذا الباب نفي انتقاض الوضوء من الخارج من غير المخرجين وأدنى المناسبة كافية. ( لقول الله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ هذا لا يصلح أن يكون دليلا لما ادعاه من الحصر على الخارج من المخرجين؛ لأن عندهم ينتقض الوضوء من لمس النساء ومس الفرج، فإذا الحصر باطل، وقال الكرماني: الغائط المطمئن من الأرض فيتناول القبل والدبر؛ إذ هو كناية عن الخارج من السبيلين مطلقا. قلت: تناوله القبل والدبر لا يستلزم حصر الحكم على الخارج منهما، فالآية لا تدل على ذلك؛ لأن الله تعالى أخبر أن الوضوء أو التيمم عند فقد الماء يجب بالخارج من السبيلين، وليس فيه ما يدل على الحصر، فقال بعضهم: هذا دليل الوضوء مما يخرج من المخرجين قلت: نحن نسلم ذلك، ولكن لا نسلم دعواك أيها القائل: إن هذا حصر على الخارج منهما، وقال أيضا: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ دليل الوضوء من ملامسة النساء قلت: الملامسة كناية عن الجماع، وقال ابن عباس: المس واللمس والغشيان والإتيان والقربان والمباشرة الجماع، لكنه عز وجل حيي كريم يعفو ويكني فكنى باللمس عن الجماع، كما كنى بالغائط عن قضاء الحاجة. ومذهب علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبيدة السلماني بفتح العين المهملة وعبيدة الضبي بضم العين وعطاء وطاوس، والحسن البصري والشعبي، والثوري والأوزاعي أن اللمس والملامسة كناية عن الجماع، وهو الذي صح عن عمر بن الخطاب أيضا على ما نقله أبو بكر بن العربي وابن الجزري، فحينئذ بطل قول هذا القائل وقوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ دليل الوضوء بل هو دليل الغسل. وقال أيضا: وفي معناه مس الذكر قلت: هذا أبعد من الأول، فإن كانت الملامسة بمعنى الجماع كيف يكون مس الذكر مثله، فيلزم من ذلك أن يجب الغسل على من مس ذكره. وقوله: «مع صحة الحديث» أي في مس الذكر، قلت: وإن كان الحديث فيه صحيحا قلنا: أحاديث وأخبار ترفع حكم هذا كما قررنا في موضعه في غير هذا الكتاب. ( وقال عطاء فيمن يخرج من دبره الدود أو من ذكره نحو القملة يعيد الوضوء ) . عطاء هو ابن أبي رباح وهذا تعليق وصله ابن أبي شيبة في مصنفه ، بإسناد صحيح وقال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء فذكره وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنه ينقض خروج الغائط من الدبر والبول من القبل والريح من الدبر والمذي قال: ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة العلماء الأربعة قال: واختلفوا في الدود يخرج من الدبر، فكان عطاء بن أبي رباح والحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو مجلز والحكم وسفيان الثوري، والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبو ثور يرون منه الوضوء، وقال قتادة ومالك: لا وضوء فيه وروي ذلك عن النخعي، وقال مالك: لا وضوء في الدم يخرج من الدبر انتهى، ونقلت الشافعية عن مالك أن النادر لا ينقض والنادر كالمذي يدوم لا بشهوة، فإن كان بها فليس بنادر، وكذا نقل ابن بطال عنه فقال: وعند مالك أن ما خرج من المخرجين معتادا ناقض، وما خرج نادرا على وجه المرض لا ينقض الوضوء كالاستحاضة وسلس البول أو المذي والحجر والدود والدم. وقال ابن حزم: المذي والبول والغائط من أي موضع خرجن من الدبر أو الإحليل أو المثانة أو البطن أو غير ذلك من الجسد أو الفم ناقض للوضوء؛ لعموم أمره عليه الصلاة والسلام بالوضوء منها، ولم يخص موضعا دون موضع، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والريح الخارجة من ذكر الرجل وقبل المرأة لا ينقض الوضوء عندنا، هكذا ذكره الكرخي عن أصحابنا إلا أن تكون المرأة مفضاة وهي التي صار مسلك بولها ووطئها واحدا أو التي صار مسلك الغائط والوطء منها واحدا، وعن الكرخي أن الريح لا يخرج من الذكر وإنما هو اختلاج، وقيل: إن كانت الريح منتنة يجب الوضوء وإلا فلا، وفي الذخيرة: والدودة الخارجة من قبل المرأة على هذه الأقوال، وفي القدوري توجب الوضوء وفي الذكر لا تنقض، وإن خرجت الدودة من الفم أو الأنف أو الأذن لا تنقض. ( وقال جابر بن عبد الله: إذا ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء ) هذا التعليق وصله البيهقي في المعرفة عن أبي عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الحسن بن ماتي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي سفيان مرفوعا سئل جابر فذكره، ورواه أبو شيبة قاضي واسط عن يزيد بن أبي خالد، عن أبي سفيان مرفوعا، واختلف عليه في سننه والموقوف هو الصحيح ورفعه ضعيف. قال البيهقي: وروينا عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي أمامة الباهلي ما يدل على ذلك وهو قول الفقهاء السبعة، وقال الشعبي وعطاء والزهري: وهو إجماع فيما ذكره ابن بطال وغيره، وإنما الخلاف هل ينقض الوضوء فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه لا ينقض، وذهب النخعي والحسن إلى أنه ينقض الوضوء والصلاة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي مستدلين بالحديث الذي رواه الدارقطني، عن أبي المليح، عن أبيه بينا نحن نصلي خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام إذ أقبل رجل ضرير البصر فوقع في حفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ضحك منكم فليعد الوضوء والصلاة . ورواه أيضا من حديث أنس وعمران بن حصين وأبي هريرة وضعفها كلها قلت: مذهب أبي حنيفة ليس كما ذكره، وإنما مذهبه مثل ما روي عن جابر أن الضحك يبطل الصلاة ولا يبطل الوضوء، والقهقهة تبطلهما جميعا، والتبسم لا يبطلهما، والضحك ما يكون مسموعا له دون جيرانه، والقهقهة ما يكون مسموعا له ولجيرانه، والتبسم ما لا صوت فيه ولا تأثير له دون واحد منهما. فإن قال: كيف استدلت الحنيفة بالحديث الذي رواه الدارقطني وليس فيه إلا الضحك دون القهقهة، قلت: المراد من قوله: «من ضحك منكم قهقهة» يدل عليه ما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ضحك في الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة . رواه ابن عدي في الكامل من حديث بقية، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن قيس، عن عطاء، عن ابن عمر والأحاديث يفسر بعضها بعضا، فإن قيل: قال ابن الجوزي : هذا حديث لا يصح فإن بقية من عادته التدليس قلت : المدلس إذا صرح بالتحديث وكان صدوقا زالت تهمة التدليس، وبقية صرح بالتحديث وهو صدوق. ولنا في هذا الباب أحد عشر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أربعة مرسلة وسبعة مسندة. فأول المراسيل حديث أبي العالية الرياحي رواه عنه عبد الرزاق، عن قتادة، عن أبي العالية وهو عدل ثقة أن أعمى تردى في بئر والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلي معه عليه الصلاة والسلام، فأمر النبي عليه السلام من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة وأخرجه الدارقطني من جهة عبد الرزاق بسنده، وعبد الرزاق فمن فوقه من رجال الصحيح، وأبو العالية اسمه رفيع ابن مهران الرياحي البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بسنتين، ودخل على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وصلى خلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وروى عن جماعة من الصحابة، ووثقه يحيى وأبو زرعة وأبو حاتم. وروى له الجماعة، وقال ابن رشد المالكي : هو مرسل صحيح ولم يقل الشافعي إلا بإرساله، والمرسل عندنا حجة وكذا عند مالك قاله أبو بكر ابن العربي، وكذا عند أحمد حكى ذلك ابن الجوزي في التحقيق، وروي ذلك أيضا من طرق سبعة متصلة ذكرها جماعة منهم ابن الجوزي . والثاني من المراسيل مرسل الحسن البصري، رواه الدارقطني بإسناده إليه وهو أيضا مرسل صحيح. والثالث مرسل النخعي رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن النخعي قال: جاء رجل ضرير البصر والنبي عليه الصلاة والسلام يصلي. الحديث. والرابع مرسل معبد الجهني روي عنه من طرق. وأول المسانيد حديث عبد الله بن عمر وقد ذكرناه. والثاني حديث أنس بن مالك رواه الدارقطني من طرق. والثالث حديث أبي هريرة من رواية أبي أمية، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا قهقهه في الصلاة أعاد الوضوء وأعاد الصلاة، رواه الدارقطني. والرابع حديث عمران بن حصين، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من ضحك في الصلاة قرقرة فليعد الوضوء. والخامس: حديث جابر أخرجه الدارقطني. والسادس: حديث أبي المليح بن أسامة أخرجه الدارقطني أيضا. والسابع: حديث رجل من الأنصار أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يصلي فمر رجل في بصره سوء فتردى في بئر وضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه الدارقطني. وقال بعضهم حاكيا عن ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا ينقض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وقع فيها فخالف من قال بالقياس الجلي، وتمسكوا بحديث لا يصح، وحاشا أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين هم خير القرون أن يضحكوا بين يدي الله سبحانه خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام. قلت: هذا القائل أعجبه هذا الكلام المشوب بالطعن على الأئمة الكبار، وفساده ظاهر من وجوه: الأول: كيف يجوز التمسك بالقياس مع وجود الأخبار المشتملة على مراسيل، مع كونها حجة عندهم. والثاني: قوله: تمسكوا بحديث لا يصح وليس الأمر كذلك، بل تمسكوا بالأحاديث التي ذكرناها، وإن كان بعضهم قد ضعف منها فبكثرتها واختلاف طرقها ومتونها، ورواتها تتعاضد وتتقوى على ما لا يخفى، ومع هذا فإن الرواة الذين فيها من الضعفاء على زعم الخصم لا يسلمه من يعمل بأحاديثهم ولم يسلم أحد من التكلم فيه. والثالث: قوله حاشا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره ليس بحجة في ترك العمل في الأخبار المذكورة، وكان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهال، وهذا من باب حسن الظن بهم، وإلا فليس الضحك كبيرة وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين ولا عن الكبائر على تقدير كونه كبيرة، ومع هذا وقع من الأحداث في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أشد من هذا. وقال القائل المذكور بعد نقله كلام ابن المنذر الذي ذكرناه على أنهم لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، بل خصوه بالقهقهة قلت: هذا كلام من لا ذوق له من دقائق التراكيب، وكيف لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، ولو لم يأخذوا ما قالوا: الضحك يفسد الصلاة ولا خصوه بالقهقهة؛ فإن لفظة القهقهة ذكر صريحا كما جاء في حديث ابن عمر صريحا، وجاء أيضا لفظ القرقرة في حديث عمران بن حصين وقد ذكرناهما قريبا، وقد ذكرنا أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا. ( وقال الحسن: إن أخذ من شعره وأظفاره أو خلع خفيه فلا وضوء عليه ) . أي: قال الحسن البصري رضي الله عنه وهذه مسألتان ذكرهما بالتعليق. التعليق الأول وهو قوله: « إن أخذ من شعره أو أظفاره » أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر بإسناد صحيح موصولا، وبه قال أهل الحجاز والعراق، وعن أبي العالية والحكم وحماد ومجاهد إيجاب الوضوء في ذلك، وقال عطاء والشافعي والنخعي: يمسه الماء، وقال أصحابنا الحنفية: ولو حلق رأسه بعد الوضوء أو جز شاربه أو قلم ظفره أو قشط خفه بعد مسحه فلا إعادة عليه. وقال ابن جرير: وعليه الإعادة، وقال إبراهيم: عليه إمرار الماء على ذلك الموضع. والتعليق الثاني وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن هشام، عن يونس عنه . قوله: أو خلع خفيه قيد بالخلع لأنه إذا أخذ من خفيه بمعنى قشط من موضع المسح فلا وضوء عليه، وأما لو خلع خفيه بعد المسح عليهما ففيه أربعة أقوال: فقال مكحول والنخعي وابن أبي ليلى، والزهري والأوزاعي، وأحمد وإسحاق: يستأنف الوضوء وبه قال الشافعي في القول القديم. والقول الثاني يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل استأنف الوضوء، وبه قال مالك والليث. والثالث يغسلهما إذا أراد الوضوء، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في الجديد ، والمزني وأبو ثور. والرابع لا شيء عليه ويغسل كما هو، وبه قال الحسن وقتادة، وروي مثله عن النخعي. ( وقال أبو هريرة : لا وضوء إلا من حدث ) . هذا التعليق وصله إسماعيل القاضي في الأحكام بإسناد صحيح من حديث مجاهد عنه موقوفا، ورواه أبو عبيد في كتاب الطهور بلفظ: لا وضوء إلا من حدث أو صوت أو ريح. وقال بعضهم: ورواه أحمد وأبو داود والترمذي من طريق شعبة، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه عنه مرفوعا، قلت: الذي رواه أبو داود غير ما روي عن أبي هريرة وخلافه على ما تقف عليه الآن، وقال الكرماني: معنى لا وضوء إلا من حدث لا وضوء إلا من الخارج من السبيلين، قلت: الحدث أعم من هذا، وكل واحد من الإغماء والنوم والجنون حدث، وجميع الأئمة يقولون: لا وضوء إلا من حدث، فإن اعتمد الكرماني في هذا التفسير على حديث أبي داود المرفوع فلا يساعده ذلك؛ لأن لفظ حديث أبي داود، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث، فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. فالحدث هنا خاص وهو سماع الصوت أو وجدان الريح وأثر أبي هريرة عام في سائر الأحداث؛ لأن قوله: «من حدث» لفظ عام لا يختص بحدث دون حدث. ( ويذكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته ) . الكلام فيه على أنواع: الأول أن هذا الحديث وصله ابن إسحاق في المغازي قال: حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في غزوة ذات الرقاع فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دما في أصحاب محمد، فخرج يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلا فقال: من رجل يكلؤنا فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار قال: كونا بفم الشعب قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي وأتى الرجل، فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم فرماه بسهم فوضعه فيه ونزعه حتى مضى ثلاثة أسهم ، ثم ركع وسجد ، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنه قد نذروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله ألا أنبهتني أول ما رمى قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. الثاني أن هذا الحديث صحيح أخرجه ابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، وصححه ابن خزيمة في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، والدارقطني في سننه ، كلهم من طريق إسحاق، فإن قلت : إذا كان كذلك فلم لم يجزم به البخاري؟ قلت: قال الكرماني : ذكره بصيغة التمريض لأنه غير مجزوم به بخلاف قوله: قال جابر في الحديث الذي مضى هنا؛ لأن قال ونحوه تعليق بصيغة التصحيح مجزوما به قلت : فيه نظر لأن الحديث الذي قال فيه قال جابر: لا يقاوم الحديث على ما وقفت عليه، وكان على قوله: ينبغي أن يكون الأمر بالعكس، وقال بعضهم: لم يجزم به لكونه مختصرا قلت: هذا أبعد من تعليل الكرماني، فإن كون الحديث مختصرا لا يستلزم أن يذكر بصيغة التمريض، والصواب فيه أن يقال: لأجل الاختلاف في ابن إسحاق. الثالث في رجاله وهم صدقة بن يسار الجزري، سكن مكة قال ابن معين : ثقة، وقال أبو حاتم : صالح روى له مسلم والنسائي وابن ماجه أيضا وعقيل بفتح العين ابن جابر الأنصاري الصحابي، ولم يعرف له راو عنه غير صدقة وجابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري. الرابع في لغاته ومعناه قوله: «في غزوة ذات الرقاع» سميت باسم شجرة هناك، وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة، يقال له: الرقاع فسميت به وقيل: سميت به لرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: سميت بذلك لأن أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخرق، وهذا هو الصحيح لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهدة، وقد أخبر به وكانت غزوة ذات الرقاع في سنة أربع من الهجرة، وذكر البخاري أنها كانت بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر. قوله: «حتى أهريق» أي أريق والهاء فيه زائدة. قوله: «أثر النبي عليه الصلاة والسلام» بفتح الهمزة والثاء المثلثة، ويجوز بكسرها وسكون الثاء. قوله: «من رجل» كلمة من استفهامية أي: أي رجل يكلؤنا أي يحرسنا من كلأ يكلأ كلاءة من باب فتح يفتح، كلأته أكلؤه فأنا كالئ وهو مكلوء، وقد تخفف همزة الكلاءة وتقلب ياء فيقال: كلاية. قوله: «فانتدب» يقال: ندبه للأمر فانتدب له أي دعا له فأجاب، والرجلان هما عمار بن ياسر وعباد بن بشر ويقال: الأنصاري وهو عمارة بن حزم والمشهور الأول. قوله: «الشعب» بكسر الشين الطريق في الجبل وجمعه شعاب. قوله: «وقام الأنصاري» وهو عباد بن بشر. قوله: «ربيئة» بفتح الراء وكسر الباء الموحدة هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم؛ لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل أو شرف ينظر منه من ربأ يربأ من باب فتح يفتح. قوله: فرماه الضمير المرفوع يرجع إلى المشرك والمنصوب إلى الأنصاري. قوله: حتى مضى ثلاثة أسهم أي حتى كمل ثلاثة أسهم. قوله: قد نذروا به بفتح النون وكسر الذال المعجمة أي علموا وأحسوا بمكانه. قوله: ألا أنبهتني كلمة ألا بفتح الهمزة والتخفيف بمعنى الإنكار، فكأنه أنكر عليه عدم إنباهه، ويجوز بالفتح والتشديد ويكون بمعنى هلا بمعنى اللوم والعتب على ترك الإنباه. قوله: كنت في سورة أقرؤها وكانت سورة الكهف حكاه البيهقي. قوله: فنزفه الدم في رواية البخاري بفتح الزاي وبالفاء قال الجوهري: يقال: نزفه الدم إذا خرج منه دم كثير حتى يضعف، فهو نزيف ومنزوف، وقال ابن التين: هكذا رويناه والذي عند أهل اللغة نزف دمه على صيغة المجهول أي سال دمه، وقال ابن جني: أنزفت البئر وأنزفت هي جاء مخالفا للعادة، وفي المحكم: أنزفت البئر نزحت، وقال ابن طريق: تميم تقول: أنزفت وقيس تقول: نزفت ونزفه الحجام ينزفه وينزفه أخرج دمه كله ونزفه الدم، وإن شئت قلت: أنزفه وحكى الفراء أنزفت البئر ذهب ماؤها. ( الخامس في استنباط الأحكام منه ) احتج الشافعي ومن معه بهذا الحديث أن خروج الدم وسيلانه من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، فإنه لو كان ناقضا للطهارة لكانت صلاة الأنصاري به تفسد أول ما أصابه الرمية، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو محدث. واحتج أصحابنا الحنفية بأحاديث كثيرة أقواها وأصحها ما رواه البخاري في صحيحه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم. قال هشام: قال أبي : ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت . لا يقال. قوله : ثم توضئي لكل صلاة من كلام عروة؛ لأن الترمذي لم يجعله من كلام عروة وصححه. وأما احتجاج الشافعي ومن معه بذلك الحديث فمشكل جدا؛ لأن الدم إذا سال أصاب بدنه وجلده، وربما أصاب ثيابه، ومن نزل عليه الدماء مع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرا لا تصح صلاته عندهم، ولئن قالوا: إن الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الزرق حتى لا يصيب شيئا من ظاهر بدنه، قلنا : إن كان كذلك فهو أمر عجيب وهو بعيد جدا. وقال الخطابي: لست أدري كيف يصح الاستدلال به والدم إذا سال يصيب بدنه، وربما أصاب ثيابه ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرا لا تصح صلاته، وقال بعضهم: ولو لم يظهر الجواب عن كون الدم أصابه، فالظاهر أن البخاري كان يرى أن خروج الدم في الصلاة لا يبطل بدليل أنه ذكر عقيب هذا الحديث أثر الحسن البصري قال: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم قلت: هذا أعجب من الكل وأبعد من العقل، وكيف يجوز هذا القائل نسبة جواز الصلاة مع خروج الدم فيها مع غير دليل قوي إلى البخاري، وأثر الحسن لا يدل على شيء من ذلك أصلا؛ لأنه لا يلزم من قوله: يصلون في جراحاتهم أن يكون الدم خارجا وقتئذ، ومن له جراحة لا يترك الصلاة لأجلها بل يصلي وجراحته إما معصبة بشيء أو مربوطة بجبيرة، ومع ذلك لو خرج شيء من ذلك لا تفسد صلاته بمجرد الخروج، ولا بد من سيلانه ووصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير. ( وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم ) . أي: قال الحسن البصري ومعناه يصلون في جراحاتهم من غير سيلان الدم، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن هشام، عن يونس، عن الحسن أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلا هذا الذي روي عن الحسن بإسناد صحيح هو مذهب الحنفية وحجة لهم على الخصم، فبطل بذلك قول القائل المذكور، ولو لم يظهر الجواب إلى آخره، ولم يكن المراد من أثر الحسن ما ذهب إليه فهمه بل وهمه، فذلك مع علمه ووقوفه على الذي رواه ابن أبي شيبة في مصنفه المذكور تركه ولم يذكره لكونه يرد عليه ما ذهب إليه ويبطل ما اعتمد عليه، وليس هذا شأن المنصفين، وإنما هذا دأب المعاندين المتعصبين الذي يدقون الحديد البارد على السندان. ( وقال طاوس ومحمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز: ليس في الدم وضوء ) . طاوس هو ابن كيسان اليماني الحميري أحد الأعلام التابعين وخيار عباد الله الصالحين. قال يحيى بن معين: اسمه ذكوان، وسمي طاوسا لأنه كان طاوس القراء، ووصل أثره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن طاوس أنه كان لا يرى في الدم السائل وضوء يغسل منه الدم ، ثم حبسه وهذا ليس بحجة لهم؛ لأنهم لا يرون العمل بفعل التابعي ولا هو حجة على الحنفية من وجهين: الأول أنه لا يدل على أن طاوسا كان يصلي والدم سائل، والثاني وإن سلمنا ذلك فالمنقول عن أبي حنيفة أنه كان يقول: التابعون رجال ونحن رجال يزاحموننا ونزاحمهم، والمعنى أن أحدا منهم إذا أدى اجتهاده إلى شيء لا يلزمنا الأخذ به، بل نجتهد كما اجتهد هو، فما أدى اجتهادنا إليه عملنا به وتركنا اجتهاده، وأما محمد بن علي فهو محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين الهاشمي المدني أبو جعفر المعروف بالباقر، سمي به لأنه بقر العلم أي شقه بحيث عرف حقائقه، وهو أحد الأعلام التابعين الأجلاء، وروي هذا موصولا في فوائد الحافظ أبي بشر المعروف بسمويه من طريق الأعمش قال: سألت أبا جعفر الباقر عن الرعاف فقال: لو سال نهر من دم ما أعدت منه الوضوء، وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون محمد بن علي هذا محمد بن علي المشهور بابن الحنيفة والظاهر الأول. واعلم أن جميع ما ذكر في هذا الباب ليس بحجة على الحنفية، فإن كان من أقوال الصحابة، فكل واحد له تأويل ومحمل صحيح، وإن كان من قول التابعين فليس بحجة عليهم لما ذكرنا عن أبي حنيفة الآن، وأما عطاء فهو ابن أبي رباح، وأثره وصله عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه. قوله: «وأهل الحجاز» من عطف العام على الخاص؛ لأن طاوسا ومحمد بن علي وعطاء حجازيون وغير هؤلاء الثلاثة مثل سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والفقهاء السبعة من أهل المدينة، ومالك والشافعي وآخرون، وخالفهم أبو حنيفة، واستدل بما رواه الدارقطني إلا أن يكون دما سائلا، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين. قال أبو عمر: وبه قال الثوري والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن، والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وإن كان الدم يسيرا غير خارج ولا سائل فإنه لا ينقض الوضوء عند جميعهم، وما أعلم أحدا أوجب الوضوء من يسير الدم إلا مجاهدا وحده. ( وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها الدم ولم يتوضأ ) وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سليمان بن التيمي، عن بكر قال: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج منها شيء من دم فحكه بين إصبعيه ، ثم صلى ولم يتوضأ . البثرة بفتح الباء الموحدة وسكون الثاء المثلثة، ويجوز فتحها وهو خراج صغير يقال: بثر وجهه وهذا الأثر حجة للحنفية؛ لأن الدم الخارج بالعصر لا ينقض الوضوء عندهم؛ لأنه مخرج والنقض يضاف إلى الخارج دون المخرج كما هو مقرر في كتبهم، فإن فرح أحد من الخصوم أنه حجة على الحنفية فهي فرحة غير مستمرة. ( وبزق ابن أبي أوفى دما فمضى في صلاته ) ابن أبي أوفى اسمه عبد الله، وأبو أوفى اسمه علقمة بن الحارث الصحابي ابن الصحابي شهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين، وقد كف بصره وهو أحد من رآه أبو حنيفة من الصحابة، وروى عنه ولا يلتفت إلى قول المنكر المتعصب، وكان عمر أبي حنيفة حينئذ سبع سنين وهو سن التمييز، هذا على الصحيح أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين، وعلى قول من قال: سنة سبعين يكون عمره حينئذ سبعة عشر سنة، ويستبعد جدا أن يكون صحابي مقيما ببلدة وفي أهلها من لا يكون رآه، وأصحابه أخبر بحاله وهم ثقات في أنفسهم. قوله: «بزق» بالزاي والسين والصاد بمعنى واحد، وهذا الأثر وصله سفيان الثوري، وفي جامعه عن عطاء بن السائب أنه رآه يفعل ذلك، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند جيد عن عبد الوهاب الثقفي، عن عطاء بن السائب قال: رأيت ابن أبي أوفى بزق دما وهو يصلي ، ثم مضى في صلاته وهذا ليس بحجة لهم علينا؛ لأن الدم الذي يخرج من الفم إن كان من جوفه فلا ينقض وضوءه، وإن كان من بين أسنانه فالاعتبار للغلبة بالبزاق والدم، ولم يتعرض الراوي لذلك، فلم يبق حجة والحكم بالغلبة له أصل، وروى ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل بزق فرأى في بزاقه دما أنه لم ير ذلك شيئا حتى يكون عبيطا، وروي عن ابن سيرين أنه ربما بزق فيقول لرجل: انظر هل تغير الريق، فإن قال: تغير بزق الثانية، فإن كان في الثانية متغيرا فإنه يتوضأ، وإن لم يكن في الثانية متغيرا لم ير وضوءا قلت: التغير لا يكون إلا بالغلبة. ( وقال ابن عمر والحسن فيمن يحتجم: ليس عليه إلا غسل محاجمه ) . عبد الله بن عمر والحسن البصري وهذان رواهما ابن أبي شيبة في مصنفه ، حدثنا ابن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا احتجم غسل أثر محاجمه. وحدثنا حفص، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يقولان بغسل أثر المحاجم. ولما ذكر ابن بطال في شرحه أثر ابن عمر والحسن قال: هكذا رواه المستملي وحده بإثبات إلا، ورواه الكشميهني وأكثر الرواة بغير إلا ، ثم قال: ورواية المستملي هي الصواب وكذا قال الكرماني، ومقصودهم من تصحيح هذه الرواية إلزام الحنفية، ولا يصعد ذلك معهم لأن جماعة من الصحابة رأوا فيه الغسل، منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب، وروته عائشة رضي الله عنها، عن النبي عليه الصلاة والسلام، رواه ابن أبي شيبة بأسانيد جياد وهو مذهب مجاهد أيضا. وأيضا فالدم الذي يخرج من موضع الحجامة مخرج وليس بخارج والنقض يتعلق بالخارج كما ذكرنا، فإذا احتجم وخرج الدم في المحجم بمص الحجام ولم يسل ولم يلحق إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فعلى الأصل المذكور لا ينتقض وضوؤه، ولكن لا بد من غسل موضع الحجامة والمقصود إزالة ذلك من موضع الحجامة بأي شيء كان ولا يتعين الماء. وفي المحلى في أثر ابن عمر غسله بحصاة فقط، وعن الليث يجزيه أن يمسحه ويصلي ولا يغسله، فهذا يدل على أن المراد إزالة ذلك. قوله: «محاجمه» جمع محجمة بفتح الميم مكان الحجامة، وبكسر الميم اسم القارورة، والمراد ههنا الأول. 40 - حدثنا آدم بن أبي إياس ، قال: حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث، فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت يعني الضرطة. أقول: إن كان البخاري أخرج هذا الحديث ههنا للرد على أحد ممن هو معود بالرد عليه فغير مناسب؛ لأن حكم هذا الحديث مجمع عليه وليس فيه خلاف، وإن كان لأجل مطابقته لترجمة الباب فليس كذلك أيضا؛ لأنه داخل فيمن يرى الوضوء من المخرجين، وقال بعض الشراح: والبخاري ساقه لأجل تفسير أبي هريرة بالضرطة وهو إجماع، قلت: لم يتأمل هذا ما قاله؛ لأن الباب ما عقد له ولا له مناسبة هنا. ( بيان رجاله ) وهم أربعة كلهم قد ذكروا وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام بن شعبة وسعيد بن أبي سعيد المقبري بضم الباء وفتحها وقيل: بكسرها أيضا. ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم مدنيون إلا آدم فإنه أيضا دخل المدينة . ( بيان المعنى والإعراب ) قوله: «لا يزال العبد في صلاة» أي في ثواب صلاة. وقوله: في صلاة خبر لا يزال. قوله: ما كان في مسجد، وفي رواية الكشميهني ما دام في مسجد. قوله: ينتظر إما خبر للفعل الناقص، وإما حال وفي المسجد خبره، وإنما نكر الصلاة وعرف المسجد لأنه قصد بالتنكير التنويع؛ ليعلم أن المراد نوع صلاته التي ينتظرها مثلا لو كان في انتظار صلاة الظهر كان في صلاة الظهر، وفي انتظار العصر كان في صلاة العصر وهلم جرا، وأما تعريف المسجد فظاهر؛ لأن المراد به هو المسجد الذي هو فيه، وهذا الكلام فيه الإضمار تقديره لا يزال العبد في ثواب صلاة ينتظرها ما دام ينتظرها، والقرينة لفظ الانتظار، ولو كان يجري على ظاهره لم يكن له أن يتكلم، ولا أن يأتي بما لا يجوز في الصلاة. قوله: «ما لم يحدث» أي ما لم يأت بالحدث، وكلمة ما مصدرية زمانية، والتقدير مدة دوام عدم الحدث كما في قوله تعالى: ما دمت ، أي مدة دوامي حيا فحذف الظرف وخلفته ما وصلتها. قوله: أعجمي نسبة إلى الأعجم كذا قيل، وهو الذي لا يفصح ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب والعجم خلاف العرب، والواحد أعجمي، وقال ابن الأثير: كل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم. وقال الجوهري: لا تقل رجل أعجمي فتنسبه إلى نفسه إلا أن يكون أعجم وأعجمي بمعنى مثل دوار ودواري. قلت: فهم من كلامه أن الياء في أعجمي ليست للنسبة كما قال بعضهم، وإنما هي للمبالغة. قوله: فقال رجل إلى آخره مدرج من سعيد . ( بيان استنباط الأحكام ) الأول فيه فضل انتظار الصلاة؛ لأن انتظار العبادة عبادة. الثاني فيه أن من يتعاطى أسباب الصلاة يسمى مصليا. الثالث فيه أن هذه الفضيلة المذكورة لمن لا يحدث. وقوله: ما لم يحدث أعم من أن يكون فساء أو ضراطا أو غيرهما من نواقض الوضوء من المجمع عليه والمختلف فيه. وقال الكرماني: فإن قلت : الحدث ليس منحصرا في الضرطة. قلت: المراد الضرطة ونحوها من الفساء وسائر الخارجات من السبيلين، وإنما خصص بها لأن الغالب أن الخارج منهما في المسجد لا يزيد عليها، قلت: السؤال عام والجواب خاص، وينبغي أن يطابق الجواب السؤال، ولكن فهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن مقصود هذا السائل الحدث الخاص، وهو الذي يقع في المسجد حالة الانتظار. والعادة أن ذلك لا يكون إلا الضرطة، فوقع الجواب طبق السؤال، وإلا فأسباب النقض كثيرة.

**المصدر**: عمدة القاري شرح صحيح البخاري

## روابط ذات صلة

- [الكتاب المصدر](https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43.md)

---

**المصدر الرسمي**: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392149

© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة
