باب استعمال فضل وضوء الناس
حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ . فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، إن كان المراد من قوله ( فشربت من وضوئه ) الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة ، وإن كان المراد من فضل وضوئه فلا مطابقة ، ووقع للمستملي على رأس هذا الحديث لفظة باب بلا ترجمة .
وعند الأكثرين وقع بلا فصل بينه وبين الذي قبله . بيان رجاله : وهم أربعة : الأول : عبد الرحمن بن يونس أبو مسلم البغدادي المستملي أحد الحفاظ ، استملى لسفيان بن عيينة وغيره ، مات فجأة سنة أربع وعشرين ومائتين . الثاني : حاتم بن إسماعيل الكوفي ، نزل المدينة ، ومات بها سنة ست وثمانين ومائة في خلافة هارون .
الثالث : الجعد ، بفتح الجيم وسكون العين المهملة ، ابن عبد الرحمن بن أوس المدني الكندي ، والمشهور أنه يقال له الجعيد بالتصغير . الرابع : السائب ، اسم فاعل من السيب بالمهملة وبالياء آخر الحروف بعدها الباء الموحدة ، ابن يزيد من الزيادة ، الكندي . قال : حج بي أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وأنا ابن سبع سنين ، روي له خمسة أحاديث ، والبخاري أخرجها كلها ، توفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين .
بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والعنعنة ، والسماع . ومنها : أن رواته ما بين بغدادي ، وكوفي ، ومدني . ومنها : أن الرواية فيه من صغار الصحابة رضي الله عنهم .
بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم عن محمد بن عبيد الله ، وفي الطب عن إبراهيم بن حمزة ، وفي الدعوات عن قتيبة ، وهناد ، عن عبد الرحمن ، أربعتهم عن حاتم بن إسماعيل ، وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم عن إسحاق بن إبراهيم ، عن الفضل بن موسى ، وأخرجه مسلم في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيبة ، ومحمد بن عباد ، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به ، وأخرجه الترمذي في المناقب ، عن قتيبة به وقال : حسن غريب من هذا الوجه ، وأخرجه النسائي في الطب ، عن قتيبة به . بيان اللغات : قوله ( ذهبت به ) والفرق بينه وبين أذهبه أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبا ، ومعنى ذهب به استصحبه ومضى به معه . قوله ( وقع ) بفتح الواو وكسر القاف وبالتنوين ، وفي رواية الكشميهني وأبي ذر الهروي ( وقع ) بفتح القاف على لفظ الماضي ، وفي رواية كريمة ( وجع ) بفتح الواو وكسر الجيم ، وعليه الأكثرون ، ومعنى وقع بكسر القاف أصابه وجع في قدميه .
وزعم ابن سيده أنه يقال : وقع الرجل والفرس وقعا فهو وقع ، إذا حفي من الحجارة والشوط وقد وقعه الحجر ، وحافر وقيع وقعته الحجارة فقصت منه ، ثم استعير للمشتكي المريض ، يبينه قولها وجع ، والعرب تسمي كل مرض وجعا . وفي ( الجامع ) وقع الرجل فوقع ، إذا حفي من مشيه على الحجارة ، وقيل : هو أن يشتكي لحم رجليه من الحفا . وقال ابن بطال : وقع معناه أنه وقع في المرض .
وقال الجوهري : وقع أي سقط ، والوقع أيضا الحفا . قوله ( فشربت من وضوئه ) بفتح الواو . قوله ( إلى خاتم النبوة ) بكسر التاء ، أي فاعل الختم ، وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر ، وبفتح التاء بمعنى الطابع ، ومعناه الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده .
وقال القاضي البيضاوي : خاتم النبوة أثر بين كتفيه نعت به في الكتب المتقدمة ، وكان علامة يعلم بها أنه النبي الموعود ، وصيانة لنبوته ، عن تطرق القدح إليها صيانة الشيء المستوثق بالختم . قوله ( مثل زر الحجلة ) الزر بكسر الزاي وتشديد الراء ، والحجلة بفتح الحاء والجيم واحدة الحجال ، وهو بيوت تزين بالثياب والستور والإثرة ، لها عرى وأزرار . وقال ابن الأثير : الحجلة بالتحريك بيت كالقبة يستر بالثياب ، ويكون له أزرار كبار ، ويجمع على حجال ، وقيل : المراد بالحجلة الطير ، وهي التي تسمى القبجة ، وتسمى الأنثى الحجلة ، والذكر يعقوب ، وزرها بيضها ، ويؤيد هذا أن في حديث آخر مثل بيضة الحمامة ، وعن محمد بن عبد الله شيخ البخاري : الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه ، وفي بعض نسخ المغاربة : الحجلة بضم الحاء المهملة ، وسكون الجيم ، قال الكرماني : وقد روي أيضا بتقديم الراء على الزاي ، ويكون المراد منه البيض ، يقال : أرزت الجرادة ، بفتح الراء وتشديد الزاي ، إذا كبست ذنبها في الأرض فباضت .
وجاءت فيه روايات كثيرة ، ففي رواية مسلم عن جابر بن سمرة : ورأيت الخاتم عند كتفيه مثلي بيضة الحمامة يشبه جسده . وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سرجس : ورأيت خاتم النبوة في نغض كتفه اليسرى ، كأنه جمع فيه خيلان سود كأنها الثآليل . وفي رواية أحمد أيضا من حديث أبي رمثة التيمي قال : خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأيت برأسه ردع حناء ، ورأيت على كتفه مثل التفاحة ، فقال أبي : إني طبيب ، ألا أبطها لك ، قال : طبيبها الذي خلقها .
وفي صحيح الحاكم : شعر مجتمع . وفي كتاب البيهقي : مثل السلعة . وفي ( الشمائل ) : بضعة ناشزة .
وفي حديث عمرو بن أخطب : كشيء يختم به . وفي تاريخ ابن عساكر : مثل البندقة ، وفي الترمذي : كالتفاحة . وفي الروض : كإثم المحجم الغائص على اللحم .
وفي تاريخ ابن أبي خيثمة : شامة خضراء محتفرة في اللحم . وفيه أيضا : شامة سوادء تضرب إلى الصفرة ، حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس . وفي تاريخ القضاعي : ثلاث مجتمعات ، وفي كتاب المولد لابن عابد : كان نورا يتلألأ .
وفي سيرة ابن أبي عاصم : عذرة كعذرة الحمامة . قال أبو أيوب : يعني فرطمة الحمامة . وفي ( تاريخ نيسابور ) : مثل البندقة من لحم ، مكتوب فيه باللحم ( محمد رسول الله ) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها : كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة ، وكانت مما يلي القفا ، قالت : فلمسته حين توفي ، فوجدته قد رفع . وقيل : كركبة العنز ، أسنده أبو عمر ، عن عباد بن عمرو . وذكر الحافظ ابن دحية في كتابه ( التنوير ) : كان الخاتم الذي بين كتفي رسول الله عليه الصلاة والسلام كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها ( الله وحده ) ، وفي ظاهرها ( توجه حيث شئت فإنك منصور ) .
ثم قال : هذا حديث غريب أستنكره . قال : وقيل : كان من نور . فإن قلت : هل كان خاتم النبوة بعد ميلاده أو ولد وهو معه ؟ قلت : قيل : ولد وهو معه .
وعن ابن عائد في ( مغازيه ) بسنده إلى شداد بن أوس . . فذكر حديث الرضاع وشق الصدر ، وفيه : وأقبل الثالث ، يعني الملك ، وفي يده خاتم له شعاع ، فوضعه بين كتفيه وثدييه ، ووجد برده زمانا . وفي ( الدلائل ) لأبي نعيم : أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات ، ثم أخرج صرة من حرير أبيض ، فإذا فيها خاتم ، فضرب على كتفيه كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة .
فإن قلت : أين كان موضعه ؟ قلت : قد روي أنه بين كتفيه ، وقيل : كان على نغض كتفه اليسرى ؛ لأنه يقال : إنه الموضع الذي يدخل منه الشيطان إلى باطن الإنسان ، فكان هذا عصمة له عليه الصلاة والسلام من الشيطان . وذكر أبو عمران ميمون بن مهران ، ذكر عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان منه ، فرأى جسده ممهى يرى داخله من خارجه ، ورأى الشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه حذاء قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة ، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه ، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس ، ثم الحكمة في الخاتم على وجه الاعتبار أن قلبه عليه الصلاة والسلام لما ملئ حكمة وإيمانا كما في الصحيح ، ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درا ، فلم يجد عدوه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم ؛ لأن الشيء المختوم محروس ، وكذا تدبير الله عز وجل في هذه الدنيا إذا وجد الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الآدميين ، فلذلك ختم رب العلمين في قلبه ختما تطامن له القلب ، وبقي النور فيه ، ونفذت قوة القلب إلى الصلب ، فظهرت بين الكتفين كالبيضة ، ومن أجل ذلك برز بالصدق على أهل الموقف ، فصارت له الشفاعة من بين الرسل بالمقام المحمود ؛ لأن ثناء الصدق هو الذي استحقه إذ خصه ربه بما لم يخص به أحدا غيره من الأنبياء وغيرهم ، يحققه قول الله العظيم : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال أبو سعيد الخدري : وقد صدق ، هو محمد عليه السلام شفيعكم يوم القيامة . وكذا قال الحسن ، وقتادة ، وزيد بن أسلم .
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما ذكره مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه : وأخرت الثالثة ليوم ترغب إلي فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وقال القاضي عياض : هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه . وقال النووي : هذا باطل ؛ لأن شق الملكين إنما كان في صدره .
مشكلات ما وقع في هذا الباب قوله ( في نغض كتفه اليسرى ) بضم النون وفتحها وكسر الغين المعجمة ، وفي آخره ضاد معجمة . قال ابن الأثير : النغض ، والنغض ، والناغض أعلى الكتف . وقيل : هو العظم الرقيق الذي على طرفه .
قوله ( كأنه جمع ) بضم الجيم وسكون الميم ، معناه مثل جمع الكف ، وهو أن تجمع الأصابع وتضمها ، ومنه يقال : ضربه بجمع كفه ، والخيلان بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء جمع خال . قوله ( الثآليل ) جمع ثؤلول ، وهو الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها . قوله ( ردع حناء ) بفتح الراء وسكون الدال ، وفي آخره عين مهملة ، أي لطخ حناء ، والحناء بالكسر والتشديد وبالمد معروف ، والحناءة أخص منه .
قوله ( ألا أبطها ) من البط ، وهو شق الدمل والخراج . قوله ( بضعة ناشزة ) البضعة بفتح الباء الموحدة القطعة من اللحم ، وناشزة بالنون والشين والزاي المعجمتين ، أي مرتفعة عن الجسم . قوله ( محتفرة ) أي غائصة ، وأصله من حفر الأرض .
بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه بركة الاسترقاء . الثاني : فيه الدلالة على مسح رأس الصغير ، وكان مولد السائب الذي مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في السنة الثانية من الهجرة ، وشهد حجة الوداع ، وخرج مع الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى النبي صلى الله عليه وسلم مقدمه من تبوك . الثالث : فيه الدلالة على طهارة الماء المستعمل ، إن كان المراد من قول السائب بن يزيد : فشربت من وضوئه - هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة .
وقال بعضهم : هذه الأحاديث ، يعني التي في هذا الباب - ترد عليه ، أي على أبي حنيفة ؛ لأن النجس لا يتبرك به . قلت : قصد هذا القائل التشنيع على أبي حنيفة بهذا الرد البعيد ؛ لأنه ليس في الأحاديث المذكورة ما يدل صريحا على أن المراد من فضل وضوئه هو الماء الذي تقاطر من أعضائه الشريفة ، وكذا في قوله ( كانوا يقتتلون على وضوئه ) وكذا في قول السائب ( فشربت من وضوئه ) ولئن سلمنا أن المراد هو الماء الذي يتقاطر من أعضائه الشريفة ، فأبو حنيفة ينكر هذا ، ويقول بنجاسة ذاك حاشاه منه ، وكيف يقول ذلك وهو يقول بطهارة بوله وسائر فضلاته ، ومع هذا قد قلنا : لم يصح عن أبي حنيفة تنجيس الماء المستعمل ، وفتوى الحنفية عليه ، فانقطع شغب هذا المعاند . وقال ابن المنذر : وفي إجماع أهل العلم على أن البلل الباقي على أعضاء المتوضئ ، وما قطر منه على ثيابه - دليل قوي على طهارة الماء المستعمل .
قلت : المثل : حفظت شيئا وغابت عنك أشياء . والماء الباقي على أعضاء المتوضئ لا خلاف لأحد في طهارته ؛ لأن من يقول بعدم طهارته إنما يقول بالانفصال عن العضو ، بل عند بضعهم بالانفصال والاستقرار في مكان ، وأما الماء الذي قطر منه على ثيابه فإنما سقط حكمه للضرورة لتعذر الاحتراز عنه .