56 - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَمِيعًا . مطابقة الحديث للترجمة غير ظاهرة ؛ لأنه لا يدل على الترجمة صريحا ؛ لأن المذكور فيها شيئان ، والحديث ليس فيه إلا شيء واحد . وقال الكرماني : يدل على الأول صريحا ، وعلى الثاني التزاما . فإن قلت هذا لا يدل على أن الرجال والنساء كانوا يتوضئون من إناء واحد . قلت : قال الدارقطني : وروى هذا الحديث محمد بن النعمان ، عن مالك بلفظ : من الميضأة ، وفي رواية القعنبي ، وابن وهب عنه : كانوا يتوضئون زمن النبي عليه الصلاة والسلام في الإناء الواحد . وأخرجه أبو داود أيضا من حديث أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام ندلي فيه أيدينا . ولا شك أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا . بيان رجاله : وهم أربعة ، كلهم تقدموا ، وعبد الله هو التنيسي . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والإخبار بصيغة الجمع ، والعنعنة ، والقول . ومنها : أن رواته ما بين تنيسي ومدني . ومنها : أن هذا السند من سلسلة الذهب ، وعن البخاري أصح أسانيد مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر . بيان المعاني : قال بعضهم : ظاهر كان الرجال التعميم ، لكن اللام للجنس لا للاستغراق . قلت : أخذ هذا من كلام الكرماني حيث قال : فإن قلت : تقرر في علم الأصول أن الجمع المحلى بالألف واللام للاستغراق ، فما حكمه هاهنا ؟ قلت : قالوا بعمومه إلا إذا دل الدليل على الخصوص ، وهاهنا القرينة العادية مخصصة بالبعض . قلت : الجمع مثل الرجال والنساء ، وما في معناه من العام المتناول للمجموع إذا عرف باللام يكون مجازا عن الجنس مثلا إذا قلت : فلان يركب الخيل ويلبس الثياب البيض ، يكون للجنس ؛ للقطع بأن ليس القصد إلى عهد أو استغراق ، فلو حلف لا يتزوج النساء ، ولا يشتري العبيد أو لا يكلم الناس يحنث بالواحد إلا أن ينوي العموم ، فلا يحنث قط ؛ لأنه نوى حقيقة كلامه ، ثم هذا الجنس بمنزلة النكرة يخص في الإثبات ، كما إذا حلف أن يركب الخيل يحصل البر بركوب واحد ، ثم قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان الرجال والنساء إثبات ، فيقع على الأقل بقرينة العادة ، وإن كان يحتمل الكل . فإن قلت : لا يصلح التمسك به ؛ لأن قوله جميعا ينافي وقوعه على الأقل . قلت : معناه مجتمعين ، فالاجتماع راجع إلى حالة كونهم يتوضئون لا إلى كون الرجال والنساء مطلقا ، فافهم ، فإنه موضع دقيق . ثم قال الكرماني : فإن قلت : لا يصح التمسك به ؛ لأن فعل البعض ليس بحجة . قلت : التمسك ليس بالإجماع ، بل بتقرير الرسول عليه الصلاة والسلام . أقول : حاصل السؤال أنه لا يصح التمسك بما روي عن ابن عمر من قوله ( كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ) لأنك قد قلت : إن المراد البعض لقيام القرينة عليه بذلك ، واجتماع الكل متعذر ، فلا يكون حجة لعدم الإجماع عليه ، وحاصل الجواب : أن التمسك ليس بطريق الاجتماع ، بل بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قررهم على ذلك ، ولم ينكر عليهم ، فيكون ذلك حجة للجواز ، وقد ذكر أهل الأصول أن قول الصحابي كان الناس يفعلون ، ونحو ذلك حجة في العمل ، لا سيما إذا قيد الصحابي ذلك بزمن النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم قال الكرماني : لم لا يكون من باب الإجماع السكوتي ، وهو حجة عند الأكثر . قلت : لا يتصور الإجماع إلا بعد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه أن الصحابي إذا أسند الفعل إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون حكمه الرفع عند الجمهور خلافا لقوم . وقال بعضهم : يستفاد منه أن البخاري يرى ذلك . قلت : لا نسلم ذلك ؛ لأن البخاري وضع هذا المروي عن ابن عمر لبيان جواز وضوء الرجال والنساء جميعا من إناء واحد ، ومع هذا لا يطابق هذا ترجمة الباب بحسب الظاهر كما قررناه . الثاني : فيه دليل على جواز توضؤ الرجل والمرأة من إناء واحد ، وأما فضل المرأة فيجوز عند الشافعي الوضوء به أيضا للرجل ، سواء خلت به أو لا . قال البغوي وغيره : فلا كراهة فيه للأحاديث الصحيحة فيه ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء . وقال أحمد ، وداود : لا يجوز إذا خلت به ، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس ، والحسن البصري . وروي عن أحمد كمذهبنا ، وعن ابن المسيب والحسن - كراهة فضلها مطلقا . وحكى أبو عمر فيها خمسة مذاهب : أحدها : أنه لا بأس أن يغتسل الرجل بفضلها ما لم تكن جنبا أو حائضا ، والثاني : يكره أن يتوضأ بفضلها ، وعكسه ، والثالث : كراهة فضلها له ، والرخصة في عكسه ، والرابع : لا بأس بشروعهما معا ، ولا ضير في فضلها ، وهو قول أحمد ، والخامس : لا بأس بفضل كل منهما شرعا جميعا أو خلا كل واحد منهما به ، وعليه فقهاء الأمصار . أما اغتسال الرجال والنساء من إناء واحد فقد نقل الطحاوي ، والقرطبي ، والنووي الاتفاق على جواز ذلك . وقال بعضهم : وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر ، عن أبي هريرة : أنه كان ينهى عنه . وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم . قلت : في نظره نظر ؛ لأنهم قالوا بالاتفاق دون الإجماع ، فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق والإجماع ، على أنه روى جواز ذلك عن تسعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وهم : علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وجابر ، وأنس ، وأبو هريرة ، وعائشة ، وأم سلمة ، وأم هانئ ، وميمونة . فحديث علي رضي الله عنه عن أحمد ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله يغتسلون من إناء واحد . وحديث ابن عباس عند الطبراني في الكبير من حديث عكرمة عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة اغتسلا من إناء واحد من جنابة ، وتوضآ جميعا للصلاة . وحديث جابر رضي الله عنه عند ابن أبي شيبة في مصنفه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه يغتسلون من إناء واحد . وحديث أنس عند البخاري ، عن أبي الوليد ، عن شعبة ، عن عبد الله بن جبير ، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل هو والمرأة من نسائه من الإناء الواحد . وروى الطحاوي نحوه عن أبي بكرة القاضي . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البزار في ( مسنده ) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله أو بعض أهله يغتسلون من إناء واحد . وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند الطحاوي ، والبيهقي ، قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، فيبدأ قبلي . وحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها عند ابن ماجه والطحاوي قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام من إناء واحد . وأخرجه البخاري بأتم منه . وحديث أم هانئ رضي الله عنها عند النسائي : أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين . وحديث ميمونة عند الترمذي بإسناده إلى ابن عباس قال : حدثتني ميمونة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة . وقال : هذا حديث حسن صحيح . فهذه الأحاديث كلها حجة على من يكره أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل ، وبقي الكلام في ابتداء أحدهما قبل الآخر . وجاء حديث بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : اغتسلت من جنابة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل ، فقالت له : يا رسول الله ، إني كنت جنبا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الماء لا يجنب . وجاء أيضا حديث أم حبيبة الجهنية عند ابن ماجه والطحاوي قالت : ربما اختلفت يدي ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء من إناء واحد . وهذا في حق الوضوء . قال الطحاوي : هذا يدل على أن أحدهما كان يأخذ من الماء بعد صاحبه . فإن قلت : روي عن عبد الله بن سرجس ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ، والمرأة بفضل الرجل ، ولكن يشرعان جميعا . وأخرجه الطحاوي ، والدارقطني ، وروي أيضا من حديث الحكم الغفاري ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو بسؤر المرأة . لا يدري أبو حاجب أيهما قال . وأبو حاجب هو الذي روى عن الحكم ، واسم أبي حاجب سوادة بن عاصم العنزي . وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، والطحاوي ، وروي أيضا عن حميد بن عبد الرحمن ، قال : كنت لقيت من صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله . أخرجه الطحاوي ، والبيهقي في المعرفة . قلت : نقل عن الإمام أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة ، وفي جواز ذلك مضطربة ، قال : لكن صح من الصحابة المنع فيما إذا دخلت به ، ولكن يعارض هذا ما روي بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة الذين ذكرناهم . وأشهر الأحاديث عند المانعين حديث عبد الله بن سرجس ، وحديث حكم الغفاري . وأما حديث عبد الله بن سرجس فإنه روي مرفوعا وموقوفا . وقال البيهقي : الموقوف أولى بالصواب ، وقد قال البخاري : أخطأ من رفعه . قلت : الحكم للرافع ؛ لأنه زاد ، والراوي قد يفتي بالشيء ، ثم يرويه مرة أخرى ، ويجعل الموقوف فتوى ، فلا يعارض المرفوع ، وصححه ابن حزم مرفوعا من حديث عبد العزيز بن المختار الذي في مسنده ، والشيخان أخرجا له ، ووثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة ، فلا يضره وقف من وقفه ، وتوقف ابن القطان في تصحيحه ؛ لأنه لم يره إلا في كتاب الدارقطني ، وشيخ الدارقطني فيه لا يعرف حاله . قلت : شيخه فيه عبد الله بن محمد بن سعد المقبري ، ولو رآه عند ابن ماجه أو عند الطحاوي لما توقف ؛ لأن ابن ماجه رواه عن محمد بن يحيى ، عن المعلى بن أسد ، والطحاوي رواه عن محمد بن خزيمة ، وهما مشهوران . وأما حديث الحكم الغفاري ، فقالت جماعة من أهل الحديث : إن هذا الحديث لا يصح ، وأشار الخطابي أيضا إلى عدم صحته . وقال ابن منده : لا يثبت من جهة السند . قلت : لما أخرجه الترمذي ، قال : هذا حديث حسن ، ورجحه ابن ماجه على حديث عبد الله بن سرجس ، وصححه ابن حبان ، وأبو محمد الفارسي ، والقول قول من صححه ، لا من ضعفه ؛ لأنه مسند ظاهره السلامة من تضعف وانقطاع . وقال ابن قدامة : الحديث رواه أحمد ، واحتج به ، وتضعيف البخاري له بعد ذلك لا يقبل لاحتمال أن يكون وقع له من غير طريق صحيح ، ويرد بهذا أيضا قول النووي : اتفق الحفاظ على تضعيفه . الثالث من الأحكام : أن ظاهر الحديث يدل على جواز تناول الرجال والنساء الماء في حالة واحدة ، وحكى ابن التين ، عن قوم : أن الرجال والنساء كانوا يتوضئون جميعا من إناء واحد ، هؤلاء على حدة ، وهؤلاء على حدة . قلت : الزيادة في الحديث ، وهو قوله ( من إناء واحد ) يرد عليهم ، وكأنهم استبعدوا اجتماع الرجال والنساء الأجنبيات ، وأجاب ابن التين عن ذلك بما حكاه عن سحنون : أن معناه : كان الرجال يتوضئون ويذهبون ، ثم تأتي النساء ، فيتوضَأْنَ . قلت : هذا خلاف الذي يدل عليه جميعا ، ومع هذا جاء صريحا ، وحدة الإناء في ( صحيح ابن خزيمة ) في هذا الحديث من طريق معتمر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون ، والنساء معهم من إناء واحد ، كلهم يتطهرون منه . قيل : ولنا أن نقول : ما كان مانع من ذلك قبل نزول آية الحجاب ، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم ، وفيه نظر ، والله تعالى أعلم .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392175
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة