حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بَاب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ

( بَاب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ) قوله ( باب ) إذا قطع عما بعده لا يكون معربا ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا في جزء المركب ، وإذا أضيف إلى ما بعده بتأويل : باب في بيان إدخال الرجل رجليه في خفيه ، وهما طاهرتان ، أي : والحال أن رجليه طاهرتان عن الحدث ، بأن يكون الباب معربا على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب في بيان إدخال الرجل . . إلى آخره . والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأن كلا منهما في حكم المسح على الخفين .

ج٣ / ص١٠٢69 - حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: " دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ " فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : أبو نعيم الفضل بن دكين .

الثاني : زكريا بن أبي زائدة الكوفي . الثالث : عامر بن شراحيل الشعبي التابعي ، قال : أدركت خمسمائة صحابي أو أكثر يقولون : علي ، وطلحة ، والزبير في الجنة . تقدم هو وزكريا في باب فضل من استبرأ لدينه .

الرابع : عروة بن المغيرة . الخامس : المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والعنعنة .

ومنها : أن رواته كلهم كوفيون . ومنها : أن فيه رواية التابعي . بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : قد مر ، عن قريب .

بيان اللغات والإعراب : قوله ( في سفر ) هو سفرة غزوة تبوك كما ورد مبينا في رواية أخرى في ( الصحيح ) ، وكانت في رجب سنة تسع . قوله ( فأهويت ) أي مددت يدي ، ويقال : أي أشرت إليه ، قال الجوهري : يقال : أهوى إليه بيديه ليأخذه ، قال الأصمعي : أهويت بالشيء إذا أومأت به . وقال التيمي : أهويت أي قصدت الهوي من القيام إلى القعود ، وقيل : الإهواء الإمالة .

قوله ( لأنزع ) بكسر الزاي من باب ضرب يضرب . فإن قلت : فيه حرف الحلق ، وما فيه حرف من حروف الحلق يكون من باب فعل يفعل بالفتح فيهما . قلت : ليس الأمر كذلك ، وإنما إذا وجد فعل يفعل بالفتح فيهما ، فالشرط فيه أن يكون فيه حرف من حروف الحلق ، وأما إذا كانت كلمة فيها حرف حلق ، لا يلزم أن تكون من باب فعل يفعل بالفتح فيهما .

قوله ( خفيه ) أي خفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله ( دعهما ) أي دع الخفين ، فقوله "دع" أمر معناه اترك ، وهو من الأفعال التي أماتوا ماضيها . قوله ( فإني أدخلتهما ) أي الرجلين .

قوله ( طاهرتين ) أي من الحدث ، وهو منصوب على الحال ، وهذا رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : وهما طاهرتان ، وهي جملة اسمية حالية ، وفي رواية أبي داود : فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان . وللحميدي في ( مسنده ) : قلت : يا رسول الله ، أيمسح أحدنا على خفيه ؟ قال : نعم ، إذا أدخلهما وهما طاهرتان . ولابن خزيمة من حديث صفوان بن غسان : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ، ثلاثا إذا سافرنا ، ويوما وليلة إذا أقمنا .

قوله ( فمسح عليهما ) أي على الخفين ، وفيه إضمار تقديره : فأحدث فمسح عليهما ؛ لأن وقت جواز المسح بعد الحدث والوضوء ، ولا يجوز قبله ؛ لأنه على طهارة . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه جواز المسح على الخفين ، وبيان مشروعيته . الثاني : احتجت به الشافعية على أن شرط جواز المسح لبسهما على طهارة كاملة قبل لبس الخف ؛ لأن الحديث جعل الطهارة قبل لبس الخف شرطا لجواز المسح ، والمعلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط .

وقال بعضهم : قال صاحب ( الهداية ) من الحنفية : شرط إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة ، قال : والمراد بالكاملة وقت الحدث ، لا وقت اللبس انتهى . فقال : والحديث حجة عليه ، وذكر ما ذكرناه الآن عن الشافعية . قلت : نقول أولا ما قاله صاحب ( الهداية ) ثم نرد على هذا القائل ما قاله ، أما عبارة صاحب الهداية ، فهي قوله : ( إذا لبسهما على طهارة كاملة ) لا يفيد اشتراط الكمال وقت اللبس ، بل وقت الحدث ، وهو المذهب عندنا ، حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه ، ثم أكمل الطهارة ، ثم أحدث ، يجزئه المسح ، وهذا لأن الخف مانع حلول الحدث بالقدم ، فيراعى كمال الطهارة وقت المنع ، وهو وقت الحدث ، حتى لو كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعا ، وأما بيان الرد على هذا القائل بأن الحديث المذكور ليس بحجة على صاحب ( الهداية ) فهو أنا نقول : أولا إن اشتراط اللبس على طهارة كاملة لا خلاف فيه لأحد ، وإنما الخلاف في أنه هل يشترط الكمال عند اللبس أو عند الحدث ، فعندنا عند الحدث ، وعند الشافعي عند اللبس ، وتظهر ثمرته فيما إذا غسل رجليه أولا ولبس خفيه ، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث ، ثم أحدث - جاز له المسح عندنا خلافا له ، وكذا لو توضأ فرتب ، لكن غسل إحدى رجليه ، ولبس الخف ، ثم غسل الأخرى ، ولبس الخف الآخر ، يجوز عندنا خلافا له ، ثم قوله ( المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود ذلك الشرط ) سلمناه ، ولكن لا نسلم أنه شرط كمال الطهارة وقت اللبس ؛ لأنه لا يفهم من نص الحديث ، غاية ما في الباب أنه أخبر أنه لبسهما ، وقدماه كانتا طاهرتين ، فأخذنا من هذا اشتراط الطهارة لأجل جواز المسح ، سواء كانت الطهارة حاصلة وقت اللبس أو وقت ج٣ / ص١٠٣الحدث ، وتقييده بوقت اللبس أمر زائد لا يفهم من العبارة ، فإذا تقرر هذا على هذا لم يكن الحديث حجة على صاحب ( الهداية ) ، بل هو حجة له حيث اشترط الطهارة لأجل جواز المسح ، وحجة عليه حيث يأخذ منه ما ليس يدل على مدعاه .

وقال الطحاوي : معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( أدخلتهما طاهرتين ) : يجوز أن يقال : غسلتهما ، وإن لم يكمل الطهارة صلى ركعتين قبل أن يتم صلاته ، ويحتمل أن يريد : طاهرتان من جنابة أو خبث ، ولو قلت : دخلنا البلد ونحن راكبان ، يشترط أن يكون كل واحد راكبا عند دخوله ، ولا يشترط اقترانهم في الدخول ، فتكون كل واحدة من رجليه عند إدخالها الخف طاهرة إذا لم يدخلهما الخفين معا ، وهما طاهرتان ؛ لأن إدخالهما معا غير متصور عادة ، وإن أراد إدخال كل واحدة الخف ، وهي طاهرة بعد الأخرى ، فقد وجد المدعى ، ومع هذا فإن هذه المسألة مبنية على أن الترتيب شرط عند الشافعي ، وليس بشرط عندنا . وقال هذا القائل أيضا : ولابن خزيمة من حديث صفوان بن عسال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ، ثلاثا إذا سافرنا ، ويوما وليلة إذا أقمنا . قال ابن خزيمة : ذكرته للمزني فقال لي : حدث به أصحابنا ، فإنه أقوى حجة للشافعي .

قلت : فإن كان مراده من قوله ( فإنه من أقوى حجة ) كون مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام ، وللمقيم يوما وليلة - فمسلم ، ونحن نقول به ، وإن كان مراده اشتراط الطهارة وقت اللبس فلا نسلم ذلك ؛ لأنه لا يفهم ذلك من نص الحديث على ما ذكرناه الآن .

وقال أيضا : وإن كان صحيحا ، لكنه ليس على شرط البخاري ، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس
.
قلت : بعد أن صح حديث صفوان عند جماعة من المحدثين - لا يلزم أن يكون على شرط البخاري
، وقوله ( موافق له في الدلالة . .

إلى آخره ) غير مسلم في كون الطهارة عند اللبس ، نعم ، موافق له في مطلق اشتراط الطهارة لا غير ، فإن ادعى هذا القائل أنه يدل على كونها عند اللبس ، فعليه البيان بأي نوع من أنواع الدلالة . الثالث من الأحكام : فيه خدمة العالم ، وللخادم أن يقصد إلى ما يعرف من خدمته دون أن يؤمر بها . الرابع : فيه إمكان الفهم عن الإشارة ، ورد الجواب بالعلم على ما يفهم من الإشارة ؛ لأن المغيرة أهوى لينزع الخفين ، ففهم عنه صلى الله عليه وسلم ما أراد ، فأجاب بأنه يجزئه المسح .

الخامس : فيه أن من لبس خفيه على غير طهارة أنه لا يمسح عليهما بلا خلاف .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث