حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب غسل الدم

حدثنا محمد ، قال : حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني امرأة أُستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا إنما ذلك عرق وليس بحيض ، فإذا أقبلت حيضتك ، فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت ، فاغسلي عنك الدم ، ثم صلي ، قال ، وقال أبي : ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت . هذا الحديث أيضا مطابق للترجمة . ( بيان رجاله ) : وهم ستة : الأول محمد بن سلام بتخفيف اللام البيكندي ، تقدم في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله ، وقد وقع في أكثر النسخ عند الأكثرين ، حدثنا محمد غير منسوب ، وللأصيلي : حدثنا محمد بن سلام ، ولأبي ذر : حدثنا محمد هو ابن سلام .

الثاني : أبو معاوية الضرير محمد بن خازم بالمعجمتين ، وقد تقدم عن قريب ، الثالث هشام بن عروة بن الزبير ، وقد مر أيضا غير مرة ، الرابع : أبو عروة كذلك ، الخامس : عائشة الصديقة بنت الصديق ، السادس : فاطمة بنت أبي حبيش بضم الحاء المهملة ، وفتح الباء الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره شين معجمة ، القرشية الأسدية ، واسم أبي حبيش قيس بن المطلب ، وقال بعضهم : قيس بن عبد المطلب ، قال بعض الشارحين : وقع في أكثر نسخ مسلم عبد المطلب ، وهو غلط ، قلت : هذا هو الصواب ، وكذا قال الذهبي في ( تجريد الصحابة ) قيس بن المطلب بن أسد ، وهو المطلب بن أسد ، وهي غير فاطمة بنت قيس التي طلقت ثلاثا . ( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه ذكر أبي معاوية هنا بالكنية ، وفي باب غسل البول بالاسم رعاية للفظ الشيوخ ، وفيه حكاية الصحابية عن سؤال الصحابية ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أن البخاري روى هاهنا عن محمد غير منسوب عند الأكثرين كما ذكرنا ، وصرح به في النكاح بقوله : حدثنا محمد بن سلام ، حدثنا أبو معاوية ، وذكر الكلاباذي أن البخاري روى عن محمد بن المثنى ، عن أبي معاوية ، وعن محمد بن سلام ، عن أبي معاوية ، ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق إسحاق بن إبراهيم ، عن أبي معاوية ، وذكر أن البخاري رواه عن محمد بن المثنى ، عن أبي معاوية . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في الطهارة ، عن يحيى بن يحيى ، والترمذي ، عن هناد بن السري ، والنسائي ، عن إسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن أبي معاوية به ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وأخرجه أبو داود ، عن أحمد بن يونس ، وعبد الله بن محمد النفيلي ، قالا : حدثنا زهير ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وأخرجه أيضا من مسند فاطمة المذكور .

بيان لغته : قوله : أُستحاض بضم الهمزة وسكون السين ، وفتح التاء ، قال الجوهري : استحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيامها ، فهي مستحاضة ، وفي الشرع : الحيض عبارة عن الدم الخارج من الرحم ، وهو موضع الجماع ، والولادة لا تعقب ولادة مقدرا في وقت معلوم ، وقال الكرخي : الحيض دم تصير المرأة بالغة بابتداء خروجه ، والاستحاضة اسم لما نقص من أقل الحيض ، أو زاد على أكثره ، فإن قلت : ما وجه بناء الفعل للفاعل في الحيض وللمفعول في الاستحاضة ، فقيل : استحيضت ، قلت : لما كان الأول معتادا معروفا نسب إليها ، والثاني لما كان نادرا غير معروف الوقت ، وكان منسوبا إلى الشيطان كما ورد أنها ركضة من الشيطان بني لما لم يسم فاعله ، فإن قلت : ما هذه السين فيه ؟ قلت : يجوز أن تكون للتحول كما في استحجر الطين ، وهنا أيضا تحول دم الحيض إلى غير دمه ، وهو دم الاستحاضة ، فافهم ، قوله : عرق ، بكسر العين وسكون الراء ، وهو المسمى بالعاذل بالعين المهملة ، والذال المعجمة ، وحكي إهمالها ، قوله : وليس بحيض ؛ لأن الحيض يخرج من قعر الرحم كما ذكرنا ، قوله : حيضتك ، بفتح الحاء وكسرها ، وهو بالفتح المرة ، وبالكسر اسم للدم ، والخرقة التي تستثفر بها المرأة ، والحالة ، وقال الخطابي : المحدثون يقولون بالفتح وهو خطأ ، والصواب الكسر ؛ لأن المراد بها الحالة ، ورده القاضي وغيره ، وقالوا : الأظهر الفتح ؛ لأن المراد إذا أقبل الحيض ، قوله : وإذا أدبرت من الإدبار ، وهو انقطاع الحيض . ( بيان إعرابه ومعناه ) : قوله : إني امرأة ، قد علم أن كلمة إن لا تستعمل إلا عند إنكار المخاطب للقول ، أو التردد فيه ، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنكار لاستحاضتها ، ولا تردد فيها ، فوجه استعمالها هاهنا يكون لتحقيق نفس القضية إذ كانت بعيدة الوقوع ، نادرة الوجود ، فلذلك أكدت قولها بكلمة إن ، قوله : أفأدع أي أفأترك ، وقال الكرماني : فإن قلت الهمزة تقتضي عدم المسبوقية بالغير ، والفاء تقتضي المسبوقية به ، فكيف يجتمعان ؟ قلت : هو عطف على مقدر ، أي : أيكون لي حكم الحائض فأدع الصلاة ؟ أو الهمزة مقحمة ، أو توسطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني ، أو الهمزة باقية على صرافة الاستفهامية لأنها للتقرير هنا ، فلا يقتضي الصدارة ، انتهى كلامه ، قلت : هذا سؤال عن استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم ، وإزالته ، وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة ، قوله : لا ، أي : لا تدعي الصلاة ، قوله : ذلك ، بكسر الكاف ، قوله : عرق ، أي : دم عرق ؛ لأن الخارج ليس بعرق ، قوله : فإذا أقبلت ، أي : الحيضة ، فدعي الصلاة ، أي : اتركيها ، وإذا أدبرت ، أي : إذا انقطعت ، فإن قلت : ما علامة إدبار الحيض وانقطاعه والحصول في الطهر ؟ قلت : أما عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وأصحابه الزمان والعادة هو الفيصل بينهما ، فإذا أضلت عادتها تحرت ، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل ، وأما عند الشافعي ، وأصحابه اختلاف الألوان هو الفيصل ، فالأسود أقوى من الأحمر ، والأحمر أقوى من الأشقر ، والأشقر أقوى من الأصفر ، والأصفر أقوى من الأكدر ، إذا جعلا حيضا فتكون حائضا في أيام القوي ، مستحاضة في أيام الضعف ، والتمييز عنده بثلاثة شروط أحدها : أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يوما ، والثاني : أن لا ينقص عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضا ، والثالث : أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوما ليمكن جعله طهرا بين الحيضتين ، وبه قال مالك ، وأحمد ، وقال الثوري : علامة انقطاع الحيض ، والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم ، والصفرة ، والكدرة سواء خرجت رطوبة بيضاء ، أو لم يخرج شيء أصلا ، وقال البيهقي ، وابن الصباغ : الترية رطوبة خفيفة لا صفرة فيها ، ولا كدرة تكون على القطنة أثر لا لون ، وهذا يكون بعد انقطاع الحيض ، قلت : الترية بفتح المثناة من فوق ، وكسر الراء ، وتشديد الياء آخر الحروف ، قال ابن الأثير : الترية بالتشديد ما تراه المرأة بعد الحيض ، والاغتسال منه ، من كدرة ، أو صفرة ، وقيل : هو البياض تراه عند الطهر ، وقيل : هي الخرقة التي تعرف بها المرأة حيضها من طهرها ، والتاء فيها زائدة لأنه من الرؤية ، والأصل فيها الهمز ، لكنهم تركوه ، وشددوا الياء ، فصارت اللفظة كأنها فعلية ، وبعضهم يشدد الراء والياء ، قوله : فاغسلي عنك الدم ، ثم صلي ، ظاهره مشكل لأنه لم يذكر الغسل ، ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل ، وأجيب عنه بأن الغسل وإن لم يذكر في هذه الرواية فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة ، قال فيها : فاغتسلي ، والحديث يفسر بعضه بعضا ، وجواب آخر هو بأن يحمل الإدبار على انقضاء أيام الحيض ، والاغتسال ، وقوله : واغسلي عنك الدم ، محمول على دم يأتي بعد الغسل ، والأول أوجه ، وأصح ، وأما قول بعضهم : فاغسلي عنك الدم ، وصلي أي فاغتسلي ، فغير موجه أصلا ، قوله : قال : وقال أبي ، أي : قال هشام بن عروة ، قال أبي ، وهو عروة بن الزبير ، قوله : ثم توضئي لكل صلاة جملة مقول القول ، وادعى قوم أن قوله : ثم توضئي ، من كلام عروة موقوفا عليه ، وقال الكرماني: فإن قلت : لفظ توضئي إلخ مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو هو موقوف على الصحابي ، قلت : السياق يقتضي الرفع ، وقال بعضهم : لو كان هذا كلام عروة لقال : ثم تتوضأ ، بصيغة الإخبار ، فلما أتى به بصيغة الأمر شاكل الأمر الذي في المرفوع ، وهو قوله : فاغسلي ، قلت : كلام كل من الكرماني وهذا القائل احتمال ، فلا يقع به القطع ، ولا يلزم من مشاكلة الصيغتين الرفع . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمر من أمور الدين .

الثاني : فيه جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة الشرعية . الثالث : فيه نهي للمستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض ، وهو نهي تحريم ، ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين ، ويستوي فيها الفرض ، والنفل لظاهر الحديث ، ويتبعها الطواف ، وصلاة الجنازة ، وسجدة التلاوة ، وسجدة الشكر . الرابع : فيه دليل على نجاسة الدم .

الخامس : فيه أن الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض ، واعلم أنها إذا مضى زمن حيضها وجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تدركها ، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاة أو صوما ، ويكون حكمها حكم الطاهرات ، فلا تستظهر بشيء أصلا ، وبه قال الشافعي ، وعن مالك ثلاث روايات ، الأولى : تستظهر ثلاثة أيام وما بعد ذلك استحاضة ، والثانية : تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يوما ، وهي أكثر مدة الحيض عنده ، والثالثة : كمذهبنا . السادس : استدل بعض أصحابنا في إيجاب الوضوء من خروج الدم من غير السبيلين لأنه صلى الله عليه وسلم علل نقض الطهارة بخروج الدم من العرق ، وكل دم يبرز من البدن فإنما يبرز من عرق ؛ لأن العروق هي مجاري الدم من الجسد ، وقال الخطابي : وليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء ، ولا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك ما توهموه ، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق ، وتصدع العرق علة معروفة عند الأطباء يحدث ذلك عند غلبة الدم ، فتتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية ، قلت : ليس معنى الحديث ما ذهب إليه الخطابي لأنه قيد إطلاق الحديث ، وخصص عمومه من غير مخصص ، وهو ترجيح بلا مرجح ، وهو باطل . السابع : قوله : لكل صلاة ، فيه خلاف بين الشافعية ، والحنفية ، وهو أن المستحاضة ، ومن بمعناها من أصحاب الأعذار هل يتوضئون لكل صلاة أو لكل وقت صلاة ؟ وهو مذكور في كتب الفقه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث