( باب السواك ) أي هذا باب في بيان أحكام السواك ، قال ابن سيده : السواك يذكر ويؤنث ، والسواك كالمسواك ، والجمع سوك ، وقال أبو حنيفة : ربما همز ، فقيل : سؤك ، وأنشد الخليل لعبد الرحمن بن حسان رضي الله تعالى عنهما : أغر الثنايا أحمر اللثاث سؤك الأسحل بالهمز ، يقال : ساك الشيء سوكا دلكه ، وساك فمه بالعود ، واستاك مشتق منه ، وفي الجامع : السواك والمسواك ما يدلك به الأسنان من العود ، والتذكير أكثر ، وهو نفس العود الذي يستاك به ، وأصله المشي الضعيف ، يقال : جاءت الغنم ، والإبل تستاك هزالا ، أي لا تحرك رؤوسها ، وفي الصحاح يجمع على سوك ، مثل كتاب ، وكتب ، ويقال : ساك فمه ، وإذا لم يذكر الفم يقال : استاك وهاهنا سؤالان الأول : ما وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله ؟ والثاني : ما وجه ذكره بين الأبواب المذكورة هاهنا ؟ الجواب عن الأول : أن كلا منهما يشتمل على الإزالة غير أن الباب الأول يشتمل على إزالة الدم ، وهذا الباب يشتمل على إزالة رائحة الفم ، وهذا القدر كاف ، وعن الثاني : ظاهر وهو أن الأبواب كلها في أحكام الوضوء ، وإزالة النجاسات ، ونحوها ، وباب السواك من أحكام الوضوء عند الأكثرين . ( وقال ابن عباس : بت عند النبي صلى الله عليه وسلم فاستن ) . هذا التعليق ليس في رواية المستملي ، وهو قطعة من حديث طويل في قصة مبيت عبد الله بن عباس عند خالته ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ليشاهد صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل ، وصله البخاري من طرق ، وتقدم بعضه ، ويأتي الباقي إن شاء الله تعالى . قوله : " فاستن " من الاستنان ، وهو الاستياك ، وهو دلك الأسنان ، وحكها بما يجلوها ، مأخوذ من السن ، وهو إمرار الشيء الذي فيه خشونة على شيء آخر ، ومنه المسن الذي يشحذ به الحديد ، ونحوه ، وقال ابن الأثير : الاستنان استعمال السواك ، افتعال من الإسنان ، وهو الإمرار على شيء . 106 - حدثنا أبو النعمان ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن غيلان بن جرير ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته يستن بسواك بيده يقول : أع أع ، والسواك في فيه كأنه يتهوع . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة ، الأول أبو النعمان بضم النون محمد بن الفضل المشهور بعارم ، تقدم في آخر كتاب الإيمان ، الثاني : حماد بن زيد ، تقدم في باب المعاصي من أمر الجاهلية ، الثالث غيلان بفتح الغين المعجمة ، وسكون الياء آخرالحروف ابن جرير بفتح الجيم ، وبالراء المكسورة المكررة المعولي بسكون العين المهملة ، وفتح الواو ، وأما الميم فقال الغسائي بفتحها منسوبا إلى بطن من الأزد ، وقال ابن الأثير بكسرها ، مات سنة تسع وعشرين ومائة ، الرابع : أبو بردة بضم الباء الموحدة ، واسمه عامر ، الخامس : أبوه أبو موسى الأشعري ابن عبد الله بن قيس ، وقد تقدم ذكرهما في باب : أي الإسلام أفضل ؟ ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والعنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بصري ، وكوفي ، وأبو بردة الكوفي القاضي بكوفة ، وقيل : اسمه الحارث . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا ، وقوله : " أع أع " ، من أفراد البخاري ، وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن حبيب ، وأبو داود فيه عن مسدد ، وأبي الربيع ، والنسائي فيه عن أحمد بن عبدة ، خمستهم عن حماد بن زيد . ( بيان لغته وإعرابه ) وتفسير الاستنان قد مر ، قوله : " أع أع " بضم الهمزة وبالعين المهملة كذا في رواية أبي ذر ، وذكر ابن التين أن غيره رواه بفتح الهمزة ، ورواه النسائي ، وابن خزيمة عن أحمد بن عبدة ، عن حماد بتقديم العين على الهمزة ، وكذا أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل القاضي عن عارم شيخ البخاري فيه ، وعن أبي داود : أه أه ، بضم الهمزة ، وقيل بفتحها ، والهاء ساكنة ، وعند ابن خزيمة : " عا عا " ، وفي صحيح الجوزقي : " إح إح " ، بكسر الهمزة ، وبالحاء المهملة ، وفي مسند أحمد : " واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق " ، فوصفه حماد : كان يرفع لسانه ، ووصفه غيلان : كان يستن طولا ، وكلها عبارة عن إبلاغ السواك إلى أقصى الحلق ، و " أع " في الأصل حكاية الصوت ، وفي بعض النسخ بالغين المعجمة ، قاله الكرماني : قوله : " يتهوع " أي يتقيأ ، وهو من باب التفعل الذي للتكلف ، يقال : هاع يهوع إذا قاء من غير تكلف ، فإذا تكلف يقال : تهوع ، وفي الموعب : هاع الرجل يهوع هوعا وهواعا جاء القيء من غير تكلف ، وأنشد : ما هاع عمرو حين أدخل حلقه يا صاح ريش حمامة بل قاء والذي يخرج من الحلق يسمى هواعة ، وهوعت ما أكلته إذا استخرجته من حلقك ، وعن إسماعيل : الهوعاء مثل عشراء ، من التهوع ، وعن قطرب الهيعوعة من الهواع ، وقال ابن سيده : الهيعوعة من بنات الواو ، ولا يتوجه اللهم إلا أن يكون محذوفا ، قوله : " يستن " جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان " لوجدته " ، " ووجد " من أفعال القلوب ؛ لأن معناه قائم بالقلب ، ويأتي " وجد " بمعنى أصاب أيضا ، فإن جعل " وجدته " من هذا المعنى تكون الجملة منصوبة على الحال من الضمير المنصوب الذي في " وجدته " ، قوله : " بيده " الباء فيه تتعلق بمحذوف تقديره : بسواك كائن بيده ، ونحو ذلك ، قوله : " يقول " جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على الحال ، وقوله : " أع أع " في محل النصب على أنه مقول القول ، وقوله : " والسواك في فيه " أي في فمه ، ومحل هذه الجملة النصب على الحال . ( بيان استنباط الحكم ) وهو أنه يدل على أن السواك سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليه ليلا ونهارا ، وقام الإجماع على كونه مندوبا حتى قال الأوزاعي : هو شطر الوضوء ، وقد جاء أحاديث كثيرة تدل على مواظبته صلى الله عليه وسلم عليه ، ولكن أكثرها فيه كلام ، وأقوى ما يدل على المواظبة وأصحه محافظته صلى الله عليه وسلم له حتى عند وفاته ، كما جاء في البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، قالت : " دخل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنا مسندته إلى صدري ، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به ، فأمده رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره ، فأخذت السواك فقضمته ، وطيبته ، ثم دفعته إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاستن " الحديث ، وقد اختلف العلماء فيه ، فقال بعضهم : إنه من سنة الوضوء ، وقال آخرون : إنه من سنة الصلاة ، وقال آخرون : إنه من سنة الدين ، وهو الأقوى ، نقل ذلك عن أبي حنيفة ، وفي الهداية أن الصحيح استحبابه ، وكذا هو عند الشافعي ، وقال ابن حزم : هو سنة ، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل ، وهو يوم الجمعة فرض لازم ، وحكى أبو حامد الإسفرائيني ، والماوردي عن أهل الظاهر وجوبه ، وعن إسحاق أنه واجب إن تركه عمدا بطلت صلاته ، وزعم النووي أن هذا لم يصح عن إسحاق ، وكيفيته عندنا أن يستاك عرضا لا طولا عند مضمضة الوضوء ، وأخرج أبو نعيم من حديث عائشة قالت : " كان صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا لا طولا " ، وفي المغني : ويستاك على أسنانه ولسانه ، ولا تقدير فيه ، يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة ، واصفرار السن ، ويأخذ السواك باليمنى ، والمستحب فيه ثلاث مياه ، ويكون في غلظ الخنصر ، وطول الشبر ، والمستحب أن يستاك بعود من أراك ، وبيابس قد ندي بالماء ، ويكون لينا مخرما ، وفي المحيط : العلك للمرأة يقوم مقام السواك ، وإذا لم يجد السواك يعالج بإصبعه ، وفي حديث أنس رواه البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " يجزئ من السواك الأصابع " ، وضعفه ، وفضائله كثيرة ، وقد ذكرنا في شرحنا لمعاني الآثار للطحاوي ما ورد فيه عن أكثر من خمسين صحابيا .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/392257
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة