باب الغسل بالصاع ونحوه
حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عمر . وعن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد . مطابقة الحديث للترجمة غير ظاهرة .
ووجه الكرماني في ذلك بثلاثة أوجه بالتعسف ؛ الأول أن يراد بالإناء الفرق المذكور . والثاني : أن الإناء كان معهودا عندهم ، أنه هو الذي يسع الصاع والأكثر ، فترك تعريفه اعتمادا على العرف والعادة . والثالث : أنه من باب اختصار الحديث ، وفي تمامه ما يدل عليه كما في حديث عائشة رضي الله عنها ، ووجهه بعضهم بأن مناسبته للترجمة مستفادة من مقدمة أخرى ، وهو أن أوانيهم كانت صغارا فيدخل هذا الحديث تحت قوله : ونحوه ونحو الصاع أو يحمل المطلق فيه على المقيد في حديث عائشة ، وهو الفرق لكون كل منهما زوجة له ، واغتسلت معه فيكون حصة كل منهما أزيد من صاع فيدخل تحت الترجمة بالتقريب .
قلت : مقال هذا القائل أكثر تعسفا وأبعد وجها من كلام الكرماني ؛ لأن المراد من هذا الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد ، وهذا هو مورد الحديث وليس المراد منه بيان مقدار الإناء والباب في بيان المقدار فمن أين يلتئم وجه التطابق بينه وبين الباب ، وقوله : لكون كل منهما زوجة له كلام من لم يمس شيئا ما من الأصول ، وكون كل واحد منهما امرأة له كيف يكون وجها لحمل المطلق على المقيد مع أن الأصل أن يجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده والحمل له مواضع عرفت في مواضعها . بيان رجاله وهم خمسة : الأول : أبو نعيم الفضل بن دكين ، تقدم في باب فضل من استبرأ لدينه . الثاني : سفيان بن عيينة .
الثالث : عمرو بن دينار . الرابع : جابر بن زيد الأزدي أبو الشعثاء البصري مات سنة ثلاث ومائة . الخامس : عبد الله بن عباس ، وفي ( مسند الحميدي ) هكذا حدثنا سفيان ، أخبرنا عمرو ، قال : أخبرني أبو الشعثاء ، وهو جابر بن زيد المذكور .
( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه عن ابن عباس ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفيه : اختلاف ، ومنهم من يقول : لا فرق بينهما ، ومنهم من يقول : بينهما فرق ، وإليه ذهب البخاري .
وفيه : أن رواته ما بين كوفي ومكي وبصري . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الطهارة عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة والترمذي فيه عن ابن أبي عمر والنسائي فيه عن يحيى بن موسى ، وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة أربعتهم عن سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس به ، واللفظ : كنت أغتسل أنا والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء واحد من الجنابة . ( قال أبو عبد الله : كان ابن عيينة يقول أخيرا عن ابن عباس عن ميمونة ، والصحيح ما رواه أبو نعيم ) .
أبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : كان ابن عيينة ، أي : سفيان بن عيينة ، وهذا تعليق من البخاري ولم يقل : وقال ابن عيينة : بل قال : كان ليدل على أنه في الأخير ، أي : في آخر عمره كان مستقرا على هذه الرواية ، فعلى هذا التقدير الحديث من مسانيد ميمونة ، وعلى الأول من مسانيد ابن عباس . قوله : والصحيح ، أي : في الروايتين ما رواه أبو نعيم المذكور ، وهو أنه من مسانيد ابن عباس ، وهذا من كلام البخاري ، وهو المصحح له ، وصححه الدارقطني أيضا ، ورجح الإسماعيلي أيضا ما صححه البخاري باعتبار أن هذا الأمر لا يطلع عليه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا ميمونة ، فدل على أنه أخذه عن خالته ميمونة والأربعة المذكورون أخرجوه عن ابن عباس عن ميمونة رضي الله تعالى عنهم .
والمستفاد من الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد .