باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل
حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أيرقد أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم ، إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب . مطابقة هذا الحديث للترجمة من جهة أن رقاد الجنب في البيت يقتضي جواز كينونته فيه ، ومعنى الترجمة هذا ، وفي بعض النسخ قبل هذا الحديث : باب نوم الجنب . حدثنا قتيبة.. .
إلى آخره . وهذا وقع في رواية كريمة ولا حاجة إلى هذا لحصول الاستغناء عنه بالباب الذي يأتي عقيبه . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون ترجم على الإطلاق وعلى التقييد فلا تكون زائدة .
قلت : لا يخرج عن كونه زائدا ؛ لأن المعنى الحاصل فيهما واحد ، وليس فيه زيادة فائدة ، فلا حاجة إلى ذكره . وقال الكرماني : هذا الإسناد بهذا الترتيب تقدم في آخر كتاب العلم . قلت : نعم ، كذا ذكره في باب ذكر العلم والفتيا في المسجد ، حيث قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا الليث بن سعد ، قال : حدثنا نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب بن عبد الله بن عمر ، أن رجلا قام في المسجد الحديث ، فالإسنادان سواء غير أن هناك نسب الرواة ، وهاهنا اكتفى بأساميهم ، وأن الذي هناك يوضح الذي هاهنا ، ومع هذا لكل واحد منهما متن خلاف متن الآخر .
فإن قلت : هذا الحديث يعد من مسند عمر بن الخطاب أو من مسند ابنه عبد الله ؟ قلت : ظاهره أن ابن عمر حضر سؤال أبيه عمر ، فيكون الحديث من مسنده ، وهو المشهور من رواية نافع ، وروي عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، أنه قال : يا رسول الله . أخرجه النسائي ، وعلى هذا فهو من مسند عمر . وكذا رواه مسلم من طريق يحيى القطان ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر رضي الله تعالى عنه .
وهذا لا يقدح في صحة الحديث . قوله : أيرقد ، الهمزة للاستفهام عن حكم الرقاد لا عن تعيين الوقوع ، فالمعنى : أيجوز الرقود لأحدنا . قوله : وهو جنب ، جملة حالية .
قوله : إذا توضأ ظرف محض لقوله : فليرقد . والمعنى إذا أراد أحدكم الرقاد قليرقد بعد التوضؤ . وقال الكرماني : ويجوز أن يكون ظرفا متضمنا للشرط ، ثم قال : الشرط سبب ، فما المسبب الرقود أم الأمر بالرقود ، ثم أجاب بأنه يحتمل الأمرين مجازا لا حقيقة كأن التوضؤ سبب لجواز الرقود أو لأمر الشارع به ، ثم قال : فإن قلت : الرقود ليس واجبا ولا مندوبا فما معنى الأمر ؟ قلت : الإباحة بقرينة الإجماع على عدم الوجوب والندب ، انتهى .
قلت : هذا كلام مدمج ، وفيه تفصيل وخلاف ، فنقول وبالله التوفيق : ذهب الثوري والحسن بن حي وابن المسيب وأبو يوسف إلى أنه لا بأس للجنب أن ينام من غير أن يتوضأ ، واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي : حدثنا هناد ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ينام ، وهو جنب ولا يمس ماء . ورواه ابن ماجه ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها ، ثم ينام كهيئته لا يمس ماء . وأخرجه أحمد كذلك .
وأخرجه الطحاوي من سبعة طرق . منها : ما رواه عن ابن أبي داود عن مسدد ، قال : حدثنا أبو الأحوص ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رجع من المسجد صلى ما شاء الله ، ثم مال إلى فراشه وإلى أهله ، فإن كانت له حاجة قضاها ، ثم نام كهيئته ولا يمس طيبا . وأرادت بالطيب الماء كما وقع في الرواية الأخرى : ولا يمس ماء ، وذلك أن الماء يطلق عليه الطيب كما ورد في الحديث ، فإن الماء طيب ؛ لأنه يطيب ويطهر ، وأي طيب أقوى فعلا في التطهير من الماء ، وذهب الأوزاعي والليث وأبو حنيفة ومحمد والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وابن المبارك وآخرون إلى أنه ينبغي للجنب أن يتوضأ للصلاة قبل أن ينام ، ولكنهم اختلفوا في صفة هذا الوضوء وحكمه ، فقال أحمد : يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانيا أو يأكل أن يغسل فرجه ويتوضأ .
روي ذلك عن علي وعبد الله بن عمر ، وقال سعيد بن المسيب : إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه ويتمضمض ، وحكى نحوه عن أحمد وإسحاق . وقال مجاهد : يغسل كفيه ، وقال مالك : يغسل يديه إن كان أصابهما أذى . وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : وقد اختلف العلماء في إيجاب الوضوء عند النوم على الجنب ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على الندب والاستحباب لا على الوجوب ، وذهبت طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه وغسل ذكره ويديه ، وهو التنظيف ، وذلك عند العرب يسمى وضوءا .
قالوا : وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل ، وهو روى الحديث وعلم مخرجه ، وقال مالك : لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة . قال : وله أن يعاود أهله ويأكل قبل أن يتوضأ إلا أن يكون في يديه قذر فيغسلهما . قال : والحائض تنام قبل أن تتوضأ .
وقال الشافعي في هذا كله نحو قول مالك ، وقال أبو حنيفة والثوري : لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء ، وأحب إلينا أن يتوضأ ، قالوا : فإذا أراد أن يأكل تمضمض وغسل يديه ، وهو قول الحسن بن حي ، وقال الأوزاعي : الحائض والجنب إذا أرادا أن يطعما غسلا أيديهما . وقال الليث بن سعد : لا ينام الجنب حتى يتوضأ ، رجلا كان أو امرأة ، انتهى . وقال القاضي عياض : ظاهر مذهب مالك أنه ليس بواجب ، وإنما هو مرغب فيه ، وابن حبيب يرى وجوبه ، وهو مذهب داود ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) : ويستحب الوضوء للجنب إذا أراد الأكل أو النوم ولرد السلام ولذكر الله ، وليس ذلك بواجب .
قلت : قد خالف ابن حزم داود في هذا الحكم . وقال ابن العربي : قال مالك والشافعي : لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ . وقال بعضهم : أنكر بعض المتأخرين هذا النقل ، وقال : لم يقل الشافعي بوجوبه ، ولا يعرف ذلك أصحابه ، وهو كما قال ، لكن كلام ابن العربي محمول على أنه أراد نفي الإباحة المستوية الطرفين لا إثبات الوجوب ، أو أراد بأنه واجب وجوب سنة ، أي : متأكد الاستحباب ، ويدل عليه أنه قابله بقول ابن حبيب : هو واجب وجوب الفرائض .
انتهى . قلت : إنكار المتأخرين هذا الذي نقل عن الشافعي إنكار مجرد فلا يقاوم الإثبات وعدم معرفة أصحابه ذلك لا يستلزم عدم قول الشافعي بذلك وأبعد من هذا قول هذا القائل ، وهو كما قال ، فكيف يقول بهذا ، وقد بينا فساده وأبعد من هذا كله حمل هذا القائل كلام ابن العربي على ما ذكره يعرف ذلك من يدقق نظره فيه . ثم اعلم أن الطحاوي أجاب عن حديث عائشة المذكور ، فقال : وقالوا : هذا الحديث غلط ؛ لأنه حديث مختصر اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه ، وذلك أن بهزا حدثنا ، قال : أخبرنا أبو غسان ، قال : أخبرنا زهير ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، قال : أتيت الأسود بن يزيد وكان لي أخا وصديقا ، فقلت له : يا أبا عمر ، حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : قالت عائشة : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينام أول الليل ويحيي آخره ، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ، ثم ينام قبل أن يمس ماء ، فإذا كان عند النداء الأول وثب وما قالت : قام فأفاض عليه الماء ، وما قالت : اغتسل وأنا أعلم ما تريد ، وإن نام جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة ، فهذا الأسود بن زيد قد بان في حديثه لما ذكر بطوله أنه كان إذا أراد أن ينام ، وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ، وأما قولها : فإن كانت له حاجة قضاها ، ثم نام قبل أن يمس ماء ، فيحتمل أن يكون ذلك محمولا على الماء الذي يغتسل به لا على الوضوء .
وقال أبو داود : حدثنا الحسين الواسطي ، سمعت يزيد بن هارون يقول : هذا الحديث وهم ، يعني حديث أبي إسحاق ، وفي رواية عنه ليس بصحيح ، وقال المهني : سألت أبا عبد الله عنه ، فقال : ليس بصحيح . قلت : لم ؟ قال : لأن شعبة روى عن الحاكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة . قلت : من قبل من جاء هذا الاختلاف ؟ قال : من قبل أبي إسحاق .
قال : وسألت أحمد بن صالح عن هذا الحديث ، فقال : لا يحل أن يروى ، وقال الترمذي : وأبو علي الطوسي روى غير واحد ، عن الأسود ، عن عائشة ، أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ قبل أن ينام وهو جنب ، يتوضأ وضوءه للصلاة . وهذا أصح من حديث أبي إسحاق . قال : وكانوا يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق ، وقال ابن ماجه عقيب روايته هذا الحديث .
قال سفيان : ذكرت الحديث - يعني هذا - يوما ، فقال لي إسماعيل : شد هذا الحديث يا فتى بشيء . وتصدى جماعة لتصحيح هذا الحديث . منهم الدراقطني ؛ فإنه قال : يشبه أن يكون الخبران صحيحين ؛ لأن عائشة قالت : ربما قدم الغسل وربما أخره ، كما حكى ذلك غضيف وعبد الله بن أبي قيس وغيرهما عن عائشة ، وأن الأسود حفظ ذلك عنها فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل ، وحفظ إبراهيم وعبد الرحمن تقديم الوضوء على الغسل .
ومنهم البيهقي وملخص كلامه أن حديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية ، وذلك أنه بين فيه سماعه من الأسود في رواية زهير عنه ، والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه ، وكان ثقة فلا وجه لرده ، ووجه الجمع بين الروايتين على وجه يحتمل ، وقد جمع بينهما أبو العباس ابن شريح ، فأحسن الجمع ، وسئل عنه وعن حديث عمر : أينام أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم إذا توضأ . وقال الحكم لهما جميعا . أما حديث عائشة فإنما أرادت أنه كان لا يمس ماء للغسل .
وأما حديث عمر : أينام أحدنا ، وهو جنب ؟ قال : نعم ، إذا توضأ أحدكم فليرقد . فمفسر ذكر فيه الوضوء وبه نأخذ . ومنهم ابن قتيبة ، فإنه قال : يمكن أن يكون الأمران جميعا وقعا ، فالفعل لبيان الاستحباب ، والترك لبيان الجواز ، ومع هذا قالوا : إنا وجدنا لحديث أبي إسحاق شواهد ومتابعين ، فممن تابعه عطاء والقاسم وكريب والسوائي فيما ذكره أبو إسحاق الحرمي في كتاب ( العلل ) قال : وأحسن الوجوه في ذلك إن صح حديث أبي إسحاق فيما رواه ، ووافقه هؤلاء أن تكون عائشة أخبرت الأسود أنه كان ربما توضأ ، وربما أخر الوضوء والغسل حتى يصبح ، فأخبر الأسود إبراهيم أنه كان يتوضأ ، وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل ، وهذا أحسن وأوجه .
فإن قلت : قد روي عن عائشة ما يضاد ما روي عنها أولا ، وهو أن الطحاوي روى من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل كفيه . وروي عنها : أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة . قلت : أجاب الطحاوي عن هذا بأنها لما أخبرت بغسل الكفين بعد أن كانت علمت بأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء التام دل ذلك على ثبوت النسخ عندها ، وقال بعضهم : جنح الطحاوي إلى أن المراد بالوضوء التنظيف ، واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث ، وهو صاحب القصة كان يتوضأ وهو جنب ، ولا يغسل رجليه كما رواه مالك في الموطأ عن نافع ، وأجيب بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة في رواية من رواية عائشة فيعتمد عليها .
ويحمل ترك ابن عمر غسل رجليه على أن ذلك كان لعذر . قلت : هذا القائل ما أدرك كلام الطحاوي ولا ذاق معناه ؛ فإنه قائل بورود هذه الرواية عن عائشة ، ولكنه حمله على النسخ كما ذكرناه ، وكذلك ما روي عن ابن عمر حمله على النسخ ؛ لأن فعله هذا بعد علمه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالوضوء التام للجنب يدل على ثبوت النسخ عنده ؛ لأن الراوي روى شيئا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو علمه منه ، ثم فعل أو أفتى بخلافه يدل على ثبوت النسخ عنده إذ لو لم يثبت ذلك لما كان له الإقدام على خلافه ، وكذلك روي من قول ابن عمر ما رواه من حديث أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال : إذا أجنب الرجل وأراد أن يأكل أو يشرب أو ينام غسل كفيه وتمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعيه ، وغسل فرجه ولم يغسل قدميه ، فبهذا بطل قول هذا القائل ، ويحمل ترك ابن عمر غسل قدميه على أن ذلك كان لعذر . فإن قلت : ما الحكمة في هذا الوضوء ؟ قلت : فيه تخفيف الحدث ، يدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي .
قال : إذا أجنب أحدكم من الليل ، ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف غسل الجنابة ، وقيل : لأنه إحدى الطهارتين فعلى هذا يقوم التيمم مقامه ، وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أجنب فأراد أن ينام يتوضأ أو يتيمم . قلت : الظاهر أن التيمم هذا كان عند عدم الماء ، وقيل : إنه ينشط إلى العود أو إلى الغسل . وقال ابن الجوزي : الحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك .