باب إذا التقى الختانان
( باب إذا التقى الختانان ) . أي هذا باب في بيان حكم ما إذا التقى الختانان ، يعني ختان الرجل وختان المرأة ، وقال بعضهم : المراد بهذه التثنية : ختان الرجل وخفاض المرأة ، وإنما ثنيا بلفظ واحد تغليبا له . قلت : ذكروا هذا ، ولكن ذكر هذا بناء على عادة العرب ؛ فإنهم يختنون النساء .
قال صلى الله عليه وسلم الختان للرجال سنة ، وللنساء مكرمة . رواه الجصاص في كتاب أدب القضاء عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه ، ثم الختان قطع جليدة الكمرة ، وكذلك الختن والخفاض قطع جلدة من أعلى فرجها تشبه عرف الديك ، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة ، وكذلك الخفض . 42 - حدثنا معاذ بن فضالة ، قال : حدثنا هشام ح وحدثنا أبو نعيم ، عن هشام ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا جلس بين شعبها الأربع ، ثم جهدها فقد وجب الغسل .
مطابقة الحديث للترجمة في قوله : ثم جهدها ؛ لأنه روى : " وألزق الختان بالختان " بدل قوله : " ثم جهدها " على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . ذكر رجاله : وهم سبعة ؛ لأنه رواه من طريقين : الأول عن معاذ بن فضالة بضم الميم في معاذ ، وفتح الفاء في فضالة البصري عن هشام الدستوائي ، عن قتادة بن دعامة المفسر ، عن الحسن البصري ، عن أبي رافع ، نفيع الصائغ . والطريق الثاني عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن هشام.. .
الخ . وعلم على الطريقين بصورة ( ح ) بين الإسنادين من التحويل . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع .
وفيه : العنعنة في ستة مواضع . وفيه : أن رواته كلهم بصريون . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي خيثمة زهير بن حرب ، وأبي غسان المسمعي وابن المثنى وابن بشار ، أربعتهم عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن الحسن ، به .
وعن محمد بن عمرو ، عن ابن أبي عدي ، وعن ابن المثنى ، عن وهب بن جرير ، كلاهما عن شعبة به . وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم ، عن هشام وشعبة ، كلاهما عن قتادة . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد بن الحارث ، عن شعبة به .
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين . ج٣ / ص٢٤٧( ذكر لغاته ) قوله : " بين شعبها " بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة ، جمع شعبة ، ويروى : أشعبها جمع شعب ، وقال ابن الأثير : الشعبة الطائفة من كل شيء ، والقطعة منه ، والشعب النواحي ، واختلفوا في المراد بالشعب الأربع ، فقيل : هي اليدان والرجلان ، وقيل : الفخذان والرجلان ، وقيل : الرجلان والشفران ، واختار القاضي عياض أن المراد من الشعب الأربع نواحيها الأربع ، والأقرب أن يكون المراد اليدين والرجلين ، أو الرجلين والفخذين ، ويكون الجماع مكنيا عنه بذلك ، يكتفى بما ذكر عن التصريح ، وإنما رجح هذا ؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينهما ، والضمير في جلس يرجع إلى الرجل ، وكذلك الضمير المرفوع في جهدها ، وأما الضمير الذي في شعبها والضمير المنصوب في جهدها فيرجعان إلى المرأة وإن لم يمض ذكرها لدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى : حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ قوله : " ثم جهدها " بفتح الجيم والهاء ، أي : بلغ جهده فيها ، وقيل : بلغ مشقتها . يقال : جهدته وأجهدته إذا بلغت مشقته ، وقيل : معناه كدها بحركته ، وفي رواية مسلم من طريق شعبة وهشام عن قتادة ، ثم اجتهد ورواه أبو داود من طريق شعبة وهشام معا ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا قعد بين شعبها الأربع ، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل ، أي : موضع الختان بموضع الختان ؛ لأن الختان اسم للفعل ، وهذا يدل على أن الجهد هاهنا كناية عن معالجة الإيلاج ، وفي رواية البيهقي من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة : .
وروي أيضا بهذا اللفظ من حديث عائشة ، أخرجه الشافعي من طريق سعيد بن المسيب عنها ، ولكن في طريقه علي بن زيد ، وهو ضعيف ، ورواه ابن ماجه من طريق القاسم بن محمد عنها برجال ثقات ، ورواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعري عنها ، ولفظه : ومس الختان الختان ، والمراد بالمس الالتقاء ، دل عليه رواية الترمذي بلفظ : إذا جاوز ، وليس المراد حقيقة المس حتى لو حصل المس بدون التقاء الختانين لا يجب الغسل بلا خلاف . والحاصل أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني ، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل عليهما وإن لم ينزل ، يدل عليه رواية مسلم من طريق مطر الوراق عن الحسن في آخر هذا الحديث وإن لم ينزل ، ووقع ذلك في رواية قتادة أيضا ، رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن عفان ، قال : حدثنا همام وأبان ، قالا : أخبرنا قتادة به . وزاد في آخره : .
وكذا رواه الدارقطني ، وصححه من طريق علي بن سهل عن عفان ، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن قتادة ، وقيل : الجهد من أسماء النكاح ، فمعنى جهدها جامعها ، وإنما عدل إلى الكناية للاجتناب عن التفوه بما يفحش ذكره صريحا . ( ذكر استنباط الحكم منه ) يستنبط من الحديث المذكور أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني ، بل متى غابت الحشفة يجب الغسل عليهما وإن لم ينزلا ، وهذا لا خلاف فيه اليوم ، وقد كان الخلاف فيه في الصدر الأول ، فإن جماعة ذهبوا إلى أن من وطئ في الفرج ولم ينزل فليس عليه غسل ، واحتجوا في ذلك بأحاديث نذكرها الآن ، وفي ( المحلى ) ، وممن رأى أن لا غسل من الإيلاج في الفرج إن لم يكن إنزال : عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، ورافع بن خديج ، وأبو سعيد الخدري ، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري ، وابن عباس ، والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ، وجمهرة الأنصار رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول عطاء بن أبي رباح وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وهشام بن عروة ، والأعمش ، وبه قالت الظاهرية . ومن الآثار التي احتجوا بها ما رواه البخاري من حديث زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه على ما يجيء في الباب الآتي .
وأخرجه مسلم أيضا والطحاوي ، وأخرجه البزار أيضا ، ولفظه : عن زيد الجهني ، أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع ولا ينزل ، فقال : ليس عليه إلا الوضوء . وقال عثمان : أشهد أني سمعت ذلك من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ومنها حديث أبي بن كعب ، رواه مسلم ، حدثنا أبو الربيع الأنصاري ، حدثنا حماد ، عن هشام بن عروة .
وحدثنا أبو كريب واللفظ له ، قال : حدثنا أبو معاوية ، قال : حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن أبي أيوب ، عن أبي بن كعب قال : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يصيب من المرأة ، ثم يكسل ، فقال : يغسل ما أصابه من المرأة ، ثم يتوضأ . وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وأحمد والطحاوي . ومنها حديث أبي سعيد الخدري ، أخرجه البخاري ومسلم عنه ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر على رجل من الأنصار ، فأرسل إليه فخرج ورأسه يقطر ، فقال : لعلنا أعجلناك ، فقال : نعم يا رسول الله ، قال إذا ج٣ / ص٢٤٨أعجلت أو قحطت فلا غسل عليك وعليك الوضوء .
أخرجه الطحاوي ، وأخرج الطحاوي أيضا عن أبي سعيد الخدري قال : قلت لإخواني من الأنصار : اتركوا الأمر كما يقولون : الماء من الماء ، أرأيتم إن اغتسل ، فقالوا : لا والله حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله ، وأخرج أبو العباس السراج أيضا في ( مسنده ) : حدثنا روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، أن ابن عباس أخبره ، أن أبا سعيد الخدري كان ينزل في داره ، وأن أبا سعيد أخبره ، أنه كان يقول لأصحابه : أرأيتم إذا اغتسلت وأنا أعرف أنه كما تقولون : قالوا : لا ، حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله في الرجل يأتي امرأته ولا ينزل . وأخرج مسلم أيضا عن أبي سعيد ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الماء من الماء . ومنها حديث أبي أيوب ، أخرجه ابن ماجه والطحاوي عنه ، قال : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء من الماء .
ومنها حديث أبي هريرة : أخرجه الطحاوي عنه قال : بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل من الأنصار فأبطأ ، فقال : ما حبسك ؟ قال : كنت أصبت من أهلي ، فلما جاءني رسولك اغتسلت من غير أن أحدث شيئا ، فقال : رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الماء من الماء ، والغسل على من أنزل . ومنها حديث عتبان الأنصاري ، رواه أحمد عنه أن عتبان الأنصاري قال : قلت : يا نبي الله ، إني كنت مع أهلي ، فلما سمعت صوتك أقلعت فاغتسلت ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء من الماء . ومنها حديث رافع ابن خديج ، أخرجه الطبراني وأحمد عنه : ناداني رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ولم أنزل فاغتسلت ، فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ولم أمن فاغتسلت ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا عليه ، الماء من الماء .
ومنها حديث عبد الرحمن بن عوف ، أخرجه أبو يعلى عنه قال : انطلق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طلب رجل من الأنصار ، فدعاه فخرج الأنصاري ورأسه يقطر ماء ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ما لرأسك ؟ فقال : دعوتني وأنا مع أهلي فخفت أن أحتبس عليك ، فعجلت فقمت وصببت علي الماء ، ثم خرجت ، فقال : هل كنت أنزلت ؟ قال : لا . قال : إذا فعلت ذلك فلا تغتسلن ، اغسل ما مس المرأة منك وتوضأ وضوءك للصلاة ؛ فإن الماء من الماء . وأخرجه البزار أيضا .
ومنها حديث عبد الله بن عباس ، أخرجه البزار عنه قال : أرسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل من الأنصار فأبطأ عليه ، فقال : ما حبسك قال : كنت حين أتاني رسولك على امرأتي فقمت فاغتسلت ، فقال : وكان عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل . قال : فكان الأنصار يفعلون ذلك . ومنها حديث عبد الله بن عبد الله بن عقيل ، أخرجه معمر بن راشد في جامعه عنه قال : سلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سعد بن عبادة ، فلم يأذن له كان على حاجته ، فرجع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام سعد سريعا ، فاغتسل ، ثم تبعه ، فقال : يا رسول الله ، إني كنت على حاجة فقمت فاغتسلت ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الماء من الماء .
وحجة الجمهور حديث الباب ، وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل ، فقالت : فعلته أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاغتسلنا منه جميعا . أخرجه الطحاوي . وأخرجه الترمذي أيضا ، ولفظه : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل ، فعلته أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاغتسلنا .
وقال : هذا حديث حسن صحيح . وأخرجه ابن ماجه أيضا ، وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب ، أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ، فقال : لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر إني لأعظم أن أستقبلك به . فقالت : ما هو ؟ ما كنت سائلا عنه أمك فاسألني عنه ، فقال لها : الرجل يصيب أهله فيكسل ولا ينزل ؟ قالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، فقال أبو موسى : لا أسأل أحدا عن هذا بعدك أبدا .
ورواه الشافعي أيضا عن مالك . وأخرجه البيهقي من طريقه ، وقال الإمام أحمد : هذا إسناد صحيح إلا أنه موقوف على عائشة رضي الله تعالى عنها . وقال أبو عمر : هذا الحديث موقوف في الموطأ عند جماعة من رواته ، وروى موسى بن طارق وأبو قرة عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي موسى ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا التقى الخاتنان وجب الغسل .
ولم يتابع على رفعه عن مالك ، وأخرج الطحاوي أيضا عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أخبرتني أم كلثوم ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن رجلا سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يجامع أهله ، ثم يكسل : هل عليه من غسل ؟ وعائشة جالسة ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إني لأفعل ذلك أنا وهذه ، ثم نغتسل . قالوا : فهذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يغسل إذا جامع وإن لم ينزل . وقالت الطائفة الأولى : هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد يجوز أن يفعل ما ليس عليه ، يعني كان يفعله بطريق الاستحباب لا بطريق الوجوب ، فلا يتم الاستدلال بها ، والآثار ج٣ / ص٢٤٩الأول : تخبر عما يجب وما لا يجب ، فهي أولى ، وأجاب الجمهور عن هذه أن هذه الآثار على نوعين أحدهما : الماء من الماء لا غير ، فهذا ابن عباس قد روي عنه أنه قال : مراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يكون هذا في الاحتلام ، وأخرج الترمذي عن علي بن حجر ، عن شريك ، عن أبي الحجاف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إنما الماء من الماء في الاحتلام ، يعني إذا رأى أنه يجامع ، ثم لم ينزل فلا غسل عليه ، والنوع الآخر الذي فيه الأمر ، وأخبر فيه بالقصة ، وأنه لا غسل في ذلك حتى يكون الماء قد جاء خلاف ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب ، وهذا ناسخ لتلك الآثار ، فإن قلت : ليس فيه دليل على النسخ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ .
قلت : قد جاء ما يدل على النسخ صريحا ، وهو ما روى أبو داود في ( سننه ) : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو - يعني ابن الحارث - عن ابن شهاب ، قال : حدثني بعض من أرضى ، أن سهل بن سعد الساعدي ، أخبره أن أبي بن كعب أخبره ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثبات ، ثم أمرنا بالغسل ونهى عن ذلك . قال أبو داود : يعني الماء من الماء . وأخرجه الطحاوي أيضا وأخرج أبو داود أيضا : حدثنا محمد بن مهران الرازي ، قال : حدثنا مبشر الحلبي ، عن محمد بن غسان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : حدثني أبي بن كعب ، أن الفتيا التي كانوا يفتون : إن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بدء الإسلام ، ثم أمرنا بالاغتسال بعد .
وأخرجه ابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح . فإن قلت : في الحديث الأول مجهول ، وهو قوله : حدثني بعض من أرضى . قلت : الظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج ؛ لأن البيهقي روى هذا الحديث ، ثم قال : رويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد .
والحديث محفوظ عن سهل ، عن أبي بن كعب ، كما أخرجه أبو داود ، وقال ابن عبد البر في ( الاستذكار ) : إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم ، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له ، وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه قال : حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن محمد بن إسحاق ، عن زيد بن أبي حبيب ، عن معمر بن أبي حية مولى ابنة صفوان ، عن عبيد بن رفاعة بن رافع ، عن أبيه رفاعة بن رافع ، قال : بينا أنا عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذ دخل عليه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة ، فقال عمر : علي به ، فجاء زيد ، فلما رآه عمر قال : أي عدو نفسه ، قد بلغت أنك تفتي الناس برأيك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، بالله ما فعلت ، لكني سمعت من أعمامي حديثا فحدثت به من أبي أيوب ، ومن أبي بن كعب ، ومن رفاعة بن رافع ، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع ، فقال : وقد كنتم تفعلون ذلك ؛ إذا أصاب أحدكم من المرأة فأكسل لم يغتسل ، فقال : قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلم يأتنا فيه تحريم ، ولم يكن من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه نهي . قال : رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم ذلك ؟ قال : لا أدري ، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار فجمعوا له فشاورهم ، فأشار الناس أن لا غسل في ذلك إلا ما كان من معاذ وعلي رضي الله تعالى عنهما ؛ فإنهما قالا : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل . فقال عمر رضي الله تعالى عنه : هذا وأنتم أصحاب بدر ، وقد اختلفتم ، فمن بعدكم أشد اختلافا .
قال : فقال علي رضي الله تعالى عنه : يا أمير المؤمنين ؛ إنه ليس أحد أعلم بهذا ممن سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أزواجه ، فأرسل إلى حفصة فقالت : لا علم إلي بهذا ، فأرسل إلى عائشة ، فقالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه : لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربا . ورواه الطحاوي أيضا فيه : لا أعلم أحدا فعله ، ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا . ولم يتقن الكلام أحد في هذا الباب مثل الإمام الحافظ أبي جعفر الطحاوي ، فإن أراد أحد أن يتقنه فعليه بكتابه ( معاني الآثار ) وشرحنا الذي عملناه عليه المسمى بمباني الأخبار .
فإن قلت : ادعى بعضهم أن التنصيص على الشيء باسمه العلم يوجب نفي الحكم عما عداه ؛ لأن الأنصار فهموا عدم وجوب الاغتسال بالإكسال من قوله صلى الله عليه وسلم : الماء من الماء ، أي : الاغتسال واجب بالمني ، فالماء الأول هو المطهر ، والثاني هو المني ، ومن للسببية ، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب ، وقد فهموا التخصيص منه حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال لعد الماء ، ولو لم يكن التنصيص باسم الماء موجبا للنفي لما صح استدلالهم على ذلك . قلت : الذي يقول بهذا أبو بكر الدقاق وبعض الحنابلة والجواب أن ذلك ليس من دلالة التنصيص على التخصيص بل إنما هو من اللام المعرفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود ونحن نقول : ج٣ / ص٢٥٠هذا الكلام للاستغراق والانحصار كما فهمت الأنصار ، لكن لما دل الدليل وهو الإجماع على وجوب الاغتسال من الحيض والنفاس أيضا نفى الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمني ، وصار المعنى جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني منحصر فيه لا يثبت لغيره . فإن قلت : فعلى هذا ينبغي أن لا يجب الغسل بالإكسال لعدم الماء .
قلت : الماء فيه ثابت تقديرا ؛ لأنه تارة يثبت عيانا كما في حقيقة الإنزال ، ومرة دلالة كما في التقاء الختانين فإنه سبب لنزول الماء ، فأقيم مقامه لكونه أمرا خفيا كالنوم ، فأقيم مقام الحدث لتعذر الوقوف عليه . فإن قلت : المنسوخ ينبغي أن يكون حكما شرعيا وعدم وجوب الغسل عند عدم الإنزال ثابت بالأصل . قلت : عدمه ثابت بالشرع إذ مفهوم الحصر في " إنما " يدل عليه ؛ لأن معنى الحصر إثبات المذكور ونفي غير المذكور ، فيفيد أنه لا ماء من غير الماء ، وقال الكرماني : ثم الراجح من الحديثين يعني حديث : الماء من الماء ، وحديث أبي هريرة المذكور في الباب حديث التقاء الختانين ؛ لأنه بالمنطوق يدل على وجوب الغسل ، وحديث : الماء من الماء بالمفهوم يدل على عدمه ، وحجة المفهوم مختلف فيها ، وعلى تقدير ثبوتها المنطوق أقوى من المفهوم ، وعلى هذا التقرير لا يحتاج إلى القول بالنسخ .
قلت : عدم دعوى الاحتياج إلى القول بالنسخ غير صحيح ؛ لأن المستنبطين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما وفقوا بين أحاديث هذا الباب المتضادة إلا بإثبات النسخ على ما ذكرناه . فإن قلت : حديث الالتقاء مطلق ، وحديث : الماء من الماء مقيد ، فيجب حمل المطلق على المقيد . قلت : هذا سؤال الكرماني على مذهبه ، ثم أجاب : ليس ذلك مطلقا بل عاما ؛ لأن الالتقاء وصف يترتب الحكم عليه ، وكلما وجد الوصف وجد الحكم ، وهذا ليس مقيدا بل خاصا ، وكأنه قال : بالالتقاء يجب الغسل ، ثم قال بالالتقاء مع الإنزال يجب الغسل ، فيصير من باب قوله صلى الله عليه وسلم : أيما إهاب دبغ فقد طهر .
ثم قال صلى الله عليه وسلم : ودباغها طهرها . وإفراد فرد من العام بحكم العام ليس من المخصصات . ( تابعه عمرو بن مرزوق عن شعبة مثله ) .
عمرو بالواو ، وهو عمرو بن مرزوق البصري أبو عثمان الباهلي ، يقال : مولاهم ، وصرح به في رواية كريمة ، روى عن شعبة وزهير بن معاوية ، وعمران القطان والحمادين وآخرين روى عنه البخاري في أول الديات ، وفي مناقب عائشة ، وقال : مات سنة أربع وعشرين ومائتين ، وروى عنه أبو داود أيضا ، وذكره صاحب ( أسماء الرجال ) للبخاري ومسلم في أفراد البخاري من هذه الترجمة - يعني من ترجمة عمرو بالواو ، فدل على أن مسلما لم يرو عنه ولا روى له شيئا ، وإنما ذكر منه هذا ؛ لأن صاحب ( التلويح ) ذكر في شرحه أن رواية عمرو بن مرزوق هذه عند مسلم عن محمد بن عمرو بن جبلة ، عن وهب بن جرير وابن أبي عدي ، كلاهما عن عمرو بن مرزوق عن شعبة ، وتبعه على ذلك صاحب ( التوضيح ) ، وهو من الغلط الصريح ، وذكره في إسناد مسلم حشو زائد بلا فائدة . وقال الكرماني : هذا اللفظ يعني قوله : تابعه عمرو عن شعبة ، يحتمل أن يراد به عن شعبة عن قتادة ، أو عن شعبة عن الحسن ، فيختلف الضمير في تابعه بحسب المرجع . قلت : لا اختلاف للضمير فيه ، بل هو راجع إلى هشام على كل حال ، وهذا التعليق وصله عثمان بن أحمد بن السماك ، فقال : حدثنا عثمان بن عمر الضبي ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة إلى آخره ، نحو سياق حديث الباب ، لكن في روايته : ثم أجهدها ، من باب الإجهاد .
قوله : " مثله " ، أي : مثل حديث الباب . ( وقال موسى : حدثنا أبان ، قال : حدثنا قتادة ، أخبرنا الحسن مثله ) . موسى هو ابن إسماعيل التبوذكي أحد مشايخ البخاري ، وأبان هو ابن يزيد العطار ، والحسن هو البصري ، وفي هذا الإسناد التحديث في موضعين : أحدهما موسى عن أبان ، وفي رواية الأصيلي هو الإخبار بصيغة الجمع ، والآخر أبان عن قتادة .
وفيه : الإخبار في موضع واحد ، وهو قتادة عن الحسن . ومن فوائد هذا أن فيه التصريح بتحديث الحسن لقتادة ؛ لأن في رواية حديث الباب قتادة عن الحسن ، وقتادة ثقة ثبت لكنه مدلس ، وإذا صرح بالتحديث لا يبقى كلام ، وقال صاحب ( التلويح ) : رواية موسى هذه عند البيهقي أخرجها من طريق عثمان وهشام ، كلاهما عن موسى عن أبان ، وتبعه على ذلك صاحب ( التوضيح ) ، وكلاهما غلطا ولم يخرج البيهقي إلا من طريق عثمان عن همام وأبان جميعا عن قتادة . وقال الكرماني : فإن قلت : لم قال : تابعه عمرو ، وقال ج٣ / ص٢٥١موسى ولم يسلك فيهما طريقا واحدا .
قلت : المتابعة أقوى ؛ لأن القول أعم من الذكر على سبيل النقل والتحمل أو من الذكر على سبيل المحاورة والمذاكرة ، فأراد الإشعار بذلك ، ثم قال : واعلم بأنه يحتمل سماع البخاري من عمرو وموسى ، فلا يجزم بأنه ذكرهما على سبيل التعليق . قلت : كلاهما تعليق صورة ، ولكن الاحتمال المذكور موجود ؛ لأن كليهما من مشايخ البخاري .