باب
( باب ) أي هذا باب إن قرئ بالتنوين ، وإلا فبالسكون ؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ، ولما كان حكم الحديث الذي في هذا الباب خلاف حكم حديث الباب الذي قبله فصل بينهما بقوله : ( باب ) . ولكنه ما ترجم له ، وهذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية الأصيلي وغيره لم يذكر لفظ باب ، بل أدخل حديث ميمونة الآتي في الباب الذي قبله . ووجه مناسبة ذكر حديث ميمونة فيه هو التنبيه والإشارة إلى أن عين الحائض والنفساء طاهرة ؛ لأن ثوب النبي صلى الله عليه وسلم كان يصيب ميمونة رضي الله تعالى عنها إذا سجد وهي حائض ولا يضره ذلك ، فلذلك لم يكن يمتنع منه صلى الله عليه وسلم .
37 - حدثنا الحسن بن مدرك قال : حدثنا يحيى بن حماد قال : أخبرنا أبو عوانة اسمه الوضاح من كتابه قال : أخبرنا سليمان الشيباني ، عن عبد الله بن شداد قال : سمعت خالتي ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تكون حائضا لا تصلي وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي على خمرته إذا سجد أصابني بعض ثوبه . لم يذكر ترجمة لهذا الحديث لأنه ذكر قوله : ( باب ) ، كذا مجردا لأنه بمعنى فصل ، فلا يحتاج إلى ذكر شيء ، وأما على الرواية التي لم يذكر فيها لفظ باب فوجهه ما ذكرناه الآن . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : الحسن بن مدرك بضم الميم من الإدراك أبو علي السدوسي الحافظ الطحان البصري .
الثاني : يحيى بن حماد الشيباني ختن أبي عوانة مات سنة خمس عشرة ومائتين . الثالث : أبو عوانة بفتح العين ، واسمه الوضاح وقد تكرر ذكره . الرابع : سليمان بن أبي سنان فيروز أبو إسحاق الشيباني .
الخامس : عبد الله بن شداد بن الهاد تقدم ذكره . السادس : ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي خالة عبد الله بن شداد ؛ لأن أمه سلمى بنت عميس أخت لميمونة لأمها ، أي : أخت أخيها فيه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع .
وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، وهو : قوله : ( أبو عوانة ) . وفيه العنعنة في موضع واحد . وفيه السماع .
وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني . وفيه رواية البخاري من صغار شيوخه ، وهو الحسن المذكور والبخاري أقدم منه سماعا ، وروى البخاري ، عن يحيى بن حماد أيضا شيخ الحسن المذكور والنكتة فيه أن هذا الحديث قد فات البخاري ، عن شيخه يحيى ، فرواه عن الحسن ؛ لأنه عارف بحديث يحيى بن حماد . وفيه الإشارة إلى أن أبا عوانة حدث بهذا الحديث من كتابه تقوية لما روي عنه قال أحمد : إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت ، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم .
وقال أبو زرعة : أبو عوانة ثقة إذا حدث من الكتاب . وقال ابن مهدي : كتاب أبي عوانة أثبت من هشيم . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة ، عن مسدد ، وعن عمرو بن زرارة ، وعن أبي النعمان .
وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن يحيى بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شيبة . وأخرجه أبو داود فيه ، عن عمرو بن عون ، عن خالد به . وأخرجه ابن ماجه ، عن ابن أبي شيبة به .
( ذكر معناه وإعرابه ) : قوله : ( أنها ) ، أي : أن ميمونة . قوله : ( كانت تكون ) ، فيه ثلاث أوجه . أحدها : أن يكون أحد لفظي الكون زائدا كما في قول الشاعر :
فلفظ كانوا زائد ، وكرام بالجر صفة لجيران . ج٣ / ص٣١٨الثاني أن يكون في كانت ضمير القصة ، وهو اسمها وخبرها . قوله : ( تكون حائضا ) في محل النصب .
الثالث : أن يكون لفظ تكون بمعنى تصير في محل النصب على أنها اسم كانت ، ويكون الضمير في كانت راجعا إلى ميمونة ، وهو اسمها . وقوله : ( حائضا ) يكون خبر تكون التي بمعنى تصير . قوله : ( لا تصلي ) ، جملة مؤكدة ، لقوله : ( حائضا ) ، وأعرب الكرماني : لا تصلي ، صفة لحائضا في وجه ، وفي وجه أعربه حالا ، وأعرب لا تصلي خبرا لكانت ، والتحقيق ما ذكرناه .
قوله : ( وهي مفترشة ) جملة اسمية ، وقعت حالا يقال : افترش الشيء انبسط ، وافترش ذراعيه : بسطهما على الأرض . قوله : ( بحذاء ) بكسر الحاء المهملة وبالمد بمعنى : إزاء . قوله : ( مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، أي : موضع سجوده في بيته ، وليس المراد منه المسجد المعروف المعهود .
قوله : ( على خمرته ) بضم الخاء المعجمة وسكون الميم ، وهي سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل تنسج بالخيوط ، وسميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها ، وإذا كانت كبيرة سميت حصيرا . قوله : ( أصابني بعض ثوبه ) : جملة من الفعل والفاعل والمفعول . فإن قلت : ما محلها من الإعراب ؟ قلت : النصب على الحال ، وقد علمت أن الجملة الفعلية الماضية المثبتة إذا وقعت حالا تكون بلا واو فافهم .
( ذكر استنباط الأحكام ) : منها : أن فيه دليلا على أن الحائض ليست بنجسة ؛ لأنها لو كانت نجسة لما وقع ثوبه صلى الله عليه وسلم على ميمونة وهو يصلي وكذلك النفساء . ومنها : أن الحائض إذا قربت من المصلي لا يضر ذلك صلاته . ومنها : ترك الحائض الصلاة .
ومنها : جواز الافتراش بحذاء المصلي . ومنها : جواز الصلاة على الشيء المتخذ من سعف النخل ، سواء كان كبيرا أو صغيرا ، بل هذا أقرب إلى التواضع والمسكنة ، بخلاف صلاة المتكبرين على سجاجيد مثمنة مختلفة الألوان والقماش . ومنهم من ينسج له سجادة من حرير ، فالصلاة عليها مكروهة ، وإن كان دوس الحرير جائزا ؛ لأن فيه زيادة كبر وطغيان .