باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم
( باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم ) أي هذا باب يذكر فيه إذا خاف الجنب.. . إلخ ، وقد ذكر فيه حكم ثلاث مسائل : الأولى : إذا خاف الجنب على نفسه المرض يباح له التيمم مع وجود الماء ، وهل يلحق به خوف الزيادة ؟ فيه قولان للعلماء والشافعي والأصح عنده نعم ، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري ، وعن مالك رواية بالمنع ، وقال عطاء والحسن البصري في رواية : لا يستباح التيمم بالمرض أصلا ، وكرهه طاوس ، وإنما يجوز له التيمم عند عدم الماء ، وأما مع وجوده فلا ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ، ذكره في التوضيح ، وفي شرح الوجيز : أما مرض يخاف منه زيادة العلة وبطء البرء فقد ذكروا فيه ثلاث طرق أظهرها أن في جواز التيمم له قولان ، أحدهما : المنع وهو قول أحمد ، وأظهرهما الجواز وهو قول الإصطخري وعامة أصحابه ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ، وفي الحلية وهو الأصح : وإن كان مرض لا يلحقه باستعمال الماء ضرر كالصداع والحمى لا يجوز له التيمم ، وقال داود : يجوز ، ويحكى ذلك عن مالك ، وعنه أنه لا يجوز ، ولو خاف من استعمال الماء شيئا في المحل قال أبو العباس : لا يجوز له التيمم على مذهب الشافعي ، وقال غيره : إن كان الشين كأثر الجدري والجراحة ليس لهم التيمم ، وإن كان يشوه من خلقه ويسود من وجهه كثيرا فيه قولان ، والثاني من الطرق أنه لا يجوز قطعا ، والثالث أنه يجوز قطعا . الثانية : إذا خاف الجنب على نفسه الموت يجوز له التيمم بلا خلاف ، وفي قاضيخان : الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك للبرد جاز له التيمم ، وأما المسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم بالاتفاق ، وأما المحدث في المصر فاختلفوا فيه على قول أبي حنيفة ، فجوزه شيخ الإسلام ولم يجوزه الحلواني .
الثالثة : أنه إذا خاف على نفسه العطش يجوز له التيمم ، وكذا عندنا إذا خاف على رفيقه أو على حيوان معه نحو دابته وكلبه وسنوره وطيره ، وفي شرح الوجيز : لو خاف على نفسه أو ماله من سبع أو سارق فله التيمم ، ولو احتاج إلى الماء لعطش في الحال أو توقعه في المآل أو لعطش رفيقه أو لعطش حيوان محترم جاز له التيمم ، وفي المغني لابن قدامة : أو كان الماء عند جمع فساق فخافت المرأة على نفسها الزنا جاز لها التيمم . قوله : " أو خاف العطش " غير مقتصر على الجنب الذي يخاف العطش بل الجنب والمحدث ج٤ / ص٣٤فيه سواء . وجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله والذي بعده ظاهر لأن هذه الأبواب كلها في حكم التيمم ( ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم وتلا : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنفه ) عمرو بن العاص القريشي السهمي ، أبو عبد الله ، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنة ثمان قبل الفتح مسلما ، وهو من زهاد قريش ، ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمان ولم يزل عليها حتى قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - روي له سبعة وثلاثون حديثا ، للبخاري ثلاثة ، مات بمصر عاملا عليها سنة ثلاث وأربعين على المشهور يوم الفطر ، صلى عليه ابنه عبد الله ثم صلى العيد بالناس .
قوله : " ويذكر " تعليق بصيغة التمريض ، ووصله أبو داود وقال : حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا وهب بن جرير قال : حدثنا أبي قال : سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص قال : " احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال و( قلت ) : إني سمعت الله تعالى يقول : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ، فضحك نبي الله - عليه الصلاة والسلام - ولم يقل شيئا " ورواه الحاكم أيضا قوله " في غزوة ذات السلاسل " وهي وراء وادي القرى ، بينها وبين المدينة عشرة أيام ، وقيل : سميت بها لأنها بأرض جذام ، يقال له : السلسل ، وكانت في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة ، قوله : " فأشفقت " أي خفت ، قوله : " فلم يعنفه " أي لم يعنفه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني لم ينكر عليه ، كذا لم يعنفه بالضمير في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فلم يعنف " بدون الضمير ، حذف للعلم به وعدم تعنيفه إياه دليل الجواز والتقرير ، وبه علم عدم إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في هذه الحالة ، وهو حجة على من يأمره بالإعادة ، ودل أيضا على جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان للبرد أو لغيره ، وسواء كان في السفر أو في الحضر ، وسواء كان جنبا أو محدثا . وفيه دلالة على جواز الاجتهاد في عصره . 11 - ( حدثنا بشر بن خالد قال : حدثنا محمد هو غندر عن شعبة عن سليمان عن أبي وائل قال : قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود : إذا لم يجد الماء لا يصلي .
قال عبد الله : لو رخصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد قال : هكذا ، يعني تيمم وصلى ، قال : ( قلت ) : فأين قول عمار لعمر ؟ قال : إني لم أر عمر قنع بقول عمار ) . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : " يعني تيمم وصلى " ( ذكر رجاله ) وهم سبعة ، الأول : بشر بن خالد العسكري ، أبو محمد الفرائضي ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين . الثاني : محمد بن جعفر البصري ، الملقب بغندر بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال على الأشهر .
الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : سليمان المشهور بالأعمش . الخامس : أبو وائل ، شقيق بن سلمة .
السادس : أبو موسى الأشعري ، عبد الله بن قيس . السابع : عبد الله بن مسعود ، والكل تقدموا . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصفة الجمع مرتين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول ، وقوله : هو غندر ليس في رواية الأصيلي ، قوله : " عن شعبة " وفي رواية الأصيلي " حدثنا شعبة " وفيه أن قوله : هو غندر من عند البخاري ، وليس هو من لفظ شيخه ، وفيه إن الأعمش ذكر باسمه وشهرته بلقبه و( قلت ) رواية يذكر فيها ، كذا سليمان مجردا : وفيه محاورة صحابيين جليلين .
( ذكر معناه ) قوله : " إذا لم يجد الماء " هذا على سبيل الاستفهام والسؤال من أبي موسى الأشعري عن عبد الله بن مسعود يعني إذا لم يجد الجنب الماء لا يصلي ، وقوله : " لم يجد " بصيغة الغائب ، وكذلك لا يصلي بصيغة الغائب ، وهي رواية كريمة ، وفي رواية غيرها بصيغة الخطاب في الموضعين فأبو موسى يخاطب عبد الله ، وكذا في رواية الاسماعيلي ما يدل على هذا ، ولفظه : " فقال عبد الله نعم إذا لم أجد الماء شهرا لا أصلي " ، قوله : " لو رخصت " أي قال عبد الله لأبي موسى لو رخصت لهم في هذا أي في جواز التيمم للجنب إذا وجد أحدهم البرد ، وفي رواية الحموي : " إذا وجد أحدكم البرد " ، قوله : " قال هكذا " فيه ج٤ / ص٣٥إطلاق القول على الفعل ثم فسره بقوله يعني تيمم وصلى ، وهو مقول قول أبي موسى ، قوله : " قال ( قلت ) " أي قال أبو موسى : ( قلت ) لعبد الله : فأين قول عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب ، وهو قوله " كنا في سفر ، فأجنبت ، فتمعكت في التراب ، فذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يكفيك الوجه والكفين " ، قوله : " قال " أي قال ابن مسعود إني لم أر عمر بن الخطاب قنع بقول عمار بن ياسر ، وإنما لم يقنع عمر بقوله لأنه كان حاضرا معه في تلك السفرة ولم يتذكر القصة فارتاب في ذلك ولم يقنع بقوله ، وهذا وقع هكذا مختصرا في رواية شعبة ، ويأتي الآن في رواية عمر بن حفص ثم في رواية أبي معاوية أتم وأكمل .