باب ما يستر من العورة
حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا ليث عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء . مطابقته للترجمة في قوله : ليس على فرجه منه شيء ، فإن النهي فيه أن يكون الفرج مكشوفا ، فهو يدل على أن ستر العورة واجب ، والباب في ستر العورة . ذكر رجاله وهم خمسة قد ذكروا غير مرة ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وأبو سعيد اسمه سعد بن مالك .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه قول الصحابي عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه أن رواته ما بين بلخي وبصري ومدني . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في اللباس عن محمد عن مخلد عن ابن جريج عن الزهري عنه ، وأخرجه في البيوع عن سعد بن عفير عن الليث ، وفي اللباس أيضا عن يحيى بن بكير عن الليث ، وأخرجه أيضا في البيوع عن عباس عن عبد الأعلى عن معمر ، وفي الاستئذان عن علي بن عبد الله عن سفيان ، وأخرجه مسلم في البيوع عن سعيد بن عفير عن الليث ، وفي اللباس عن يحيى بن بكير عن الليث ، وعن عمرو الناقد عن يعقوب بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود في البيوع عن أحمد بن صالح ، وعن قتيبة ، وأبي الطاهر بن السرح كلاهما عن سفيان به ، وأخرجه النسائي في البيوع عن يونس بن عبد الأعلى ، وعن أبي داود الحراني ، وعن إبراهيم بن يعقوب ، وأخرجه في الزينة أيضا عن قتيبة به ، وأخرجه في البيوع أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به ، وعن الحسين بن حريث عن سفيان بالنهي عن البيعتين فيه ، وبالنهي عن اللبستين في الزينة ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وسهل بن أبي سهل الرازي ، كلاهما عن سفيان . ذكر معناه : قوله عن اشتمال الصماء بالصاد المهملة والمد ، واختلف في تفسيره ، ففي الصحاح هو أن يجلل جسده كله بالإزار أو بالكساء ، فيرده من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر ، ثم يرده ثانيا من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن ، فيغطيهما جميعا ، وفي النهاية لابن الأثير هو التجلل بالثوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه ، وفي كتاب اللباس هو أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه ، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب ، وعن الأصمعي : هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده لا يرفع منه جانبا فلا يبقى ما يخرج منه يده ، وعن أبي عبيد إن الفقهاء يقولون : هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه فيبدو منه فرجه ، وقال الكرماني : فإذا قلت : اشتمل فلان الصماء كأنك قلت اشتمل الشملة التي تعرف بهذا الاسم لأن الصماء ضرب من الاشتمال انتهى .
( قلت ) تحقيق هذه الكلمة أن الاشتمال مضاف إلى الصماء ، والصماء في الأصل صفة يقال صخرة صماء إذا لم يكن فيها خرق ، ولا منفذ ، ومعنى النهي عن اشتمال الصماء نهي عن اشتمال الثوب كاشتمال الصخرة الصماء ، واشتمالها كون عدم الخرق ، والمنافذ فيها ، وتشبيه الاشتمال المنهي بها كونه يسد المنافذ كلها ، والذي ذكره الكرماني ليس تفسير ما في لفظ الحديث على ما لا يخفى . قوله وأن يحتبي الرجل أي ونهي أيضا عن أن يحتبي الرجل ، وكلمة إن مصدرية ، والتقدير : وعن احتباء الرجل في ثوب واحد ، والاحتباء أن يقعد الإنسان على أليتيه ، وينصب ساقيه ، ويحتبي عليهما بثوب أو نحوه أو بيده ، واسم هذه القعدة تسمى الحبوة بضم الحاء وكسرها ، وكان هذا الاحتباء عادة العرب في أنديتهم ومجالسهم ، وإن انكشف معه شيء من عورته فهو حرام ، وقال الخطابي : الاحتباء هو أن يحتبي الرجل بالثوب ، ورجلاه متجافيتان عن بطنه فيبقى هناك إذا لم يكن الثوب واسعا قد أسبل شيئا منه على فرجه فرجة تبدو منها عورته ، قال : وهو منهي عنه إذا كان كاشفا عن فرجه ، وقال في موضع آخر : الاحتباء أن يجمع ظهره ، ورجليه بثوب . ذكر ما يستنبط منه ، وهو حكمان : الأول : اشتمال الصماء ، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قالوا : على تفسير أهل اللغة اشتمال الصماء إنما يكره لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك فيعسر أو يتعذر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر ، وعلى تفسير الفقهاء : يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف به بعض العورة ، وإلا فيكره ، والثاني : النهي عن الاحتباء الذي فيه كشف العورة ، وهو حرام مطلقا سواء كان في الصلاة أو خارجها .