باب
( باب ) غير منون لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ، ولم يذكر له ترجمة ، وكذا روي في أكثر الروايات ، وهو كالفصل من الباب الذي قبله وله تعلق بذاك ، وجه التعلق أن كلا منهما مشتمل على الزجر عن اتخاذ القبور مساجد ، والتصوير مذكور هناك ، وههنا يشير إلى أن اتخاذ القبور مساجد مذموم سواء كان فعل ذلك بصور أم لا . 96 - ( حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة وعبد الله بن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذروا ما صنعوا ) . مطابقته لترجمة الباب المترجم في قوله : اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ؛ لأنهم إذا اتخذوها مساجد يصلون فيها ، ويسمون المساجد : البيع والكنائس ، والباب في الصلاة في البيع .
( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع ؛ الثاني : شعيب بن أبي حمزة ؛ الثالث : محمد بن مسلم الزهري ؛ الرابع : عبيد الله بن عبد الله بتصغير الابن وتكبير الأب ؛ الخامس : عائشة أم المؤمنين؛ السادس : عبد الله بن عباس . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك في موضع واحد ، وبصيغة الإفراد في موضع آخر ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه أن رواته ما بين حمصي ومدني ، وفيه رواية صحابي عن صحابي وصحابية كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في اللباس عن يحيى بن بكير ، وفي المغازي عن سعد بن عفير ، كلاهما عن الليث عن عقيل ، وفي ذكر بني إسرائيل عن بشر بن محمد عن ابن المبارك عن معمر ويونس أربعتهم عن الزهري ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن هارون بن سعيد الأيلي وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب عن يونس به ، وأخرجه النسائي فيه وفي الوفاة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به ، وفي الوفاة أيضا عن عبد الله بن سعد بن إبراهيم عن عمه يعقوب .
( ذكر معناه وإعرابه ) : قوله ( لما نزل ) على صيغة المعلوم في رواية أبي ذر وفاعله محذوف ، أي لما نزل الموت ، وفي رواية غيره بضم النون وكسر الزاي على صيغة المجهول ؛ قوله ( طفق ) جواب لما وهو من أفعال المقاربة ، وهي ثلاثة أنواع منها ما وضع للدلالة على الشروع في الخبر وأفعاله : أنشأ وطفق وجعل وعلق وأخذ ، وتعمل هذه الأفعال عمل كان إلا أن خبرهن يجب كونه جملة ؛ حكى الأخفش : طفق يطفق مثل ضرب يضرب ، وطفق يطفق مثل علم يعلم ، ولم يستعمل له اسم فاعل واستعمل له مصدر ؛ حكى الأخفش : طفوقا عمن قال : طفق بالفتح ، وطفقا عمن قال طفق بالكسر ، ومعناه ههنا جعل وقوله يطرح جملة خبره ، وخميصة بالنصب مفعول يطرح ، وهي كساء له أعلام أو علمان ، أسود مربع ، وقد مر تفسيرها مستقصى ؛قوله ( له ) في محل النصب لأنها صفة لخميصة ؛ قوله ( على وجهه ) يتعلق بقوله ( يطرح ) ؛ قوله ( فإذا اغتم ) بالغين المعجمة أي إذا تسخن وحمى ؛ قوله ( بها ) أي بالخميصة ؛ قوله ( فقال وهو كذلك ) أي في تلك الحال ، وقال بعضهم : ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي ذكرت فيه أم سلمة وأم حبيبة أمر الكنيسة التي رأتاها بأرض الحبشة ؛ ( قلت ) هذا بعيد جدا لا يخفى على الفطن ، وقال الكرماني قوله ( وهو كذلك ) مقول الراوي ، أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حال الطرح والكشف ؛ قوله ( لعنة الله ) اللعنة الطرد والإبعاد عن الرحمة ؛ قوله ( اتخذوا ) جملة استئنافية كأنها جواب عن سؤال سائل . ما سبب لعنهم فأجيب بقوله ( اتخذوا ) ؛ قوله ( يحذر ما صنعوا ) مقول الراوي لا مقول الرسول وهي أيضا جملة مستأنفة ، وإنما كان يحذرهم من ذلك الصنيع لئلا يفعل بقبره مثله ، ولعل الحكمة فيه أنه يصير بالتدريج شبيها بعبادة الأصنام .