حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب التعاون في بناء المسجد

( باب التعاون في بناء المسجد )

( وقول الله : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ إلى قوله : الْمُهْتَدِينَ ، ولم يقع في روايته لفظ وقول الله عز وجل، وسبب نزول هذه الآية أنه لما أسر العباس رضي الله تعالى عنه يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه ، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا دون محاسننا ؟ فقال له علي : ألكم محاسن ؟ قال : نعم ، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال بعضهم في توجيه ذكر البخاري هذه الآية ههنا، وذكره هذه الآية مصير منه إلى ترجيح أحد الاحتمالين من أحد الاحتمالين، وذلك أن قوله تعالى : " مَسَاجِدَ اللَّهِ " يحتمل أن يراد بها مواضع السجود، ويحتمل أن يراد بها الأماكن المتخذة لإقامة الصلاة، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها بنيانها، ويحتمل أن يراد الإقامة فيها لذكر الله تعالى . قلت : هذا الذي قاله هذا القائل لا يناسب معنى هذه الآية أصلا، وإنما يناسب معنى قوله تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ؛ الآية على أن أحدا من المفسرين لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل، وإنما هذا تصرف منه بالرأي في القرآن فلا يجوز ذلك، ويجب الإعراض عن هذا .

قال المفسرون : معنى هذه الآية ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ مسجد الله أراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض التي بني من أول يوم على عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام ، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، وقال الزمخشري : أما القراءة بالجمع ففيها وجهان ، أحدهما : أن يراد به المسجد الحرام، وإنما قيل مساجد الله لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد، والثاني : أن يراد به جنس المساجد ، فإذا لم يصلحوا أن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته، وهو آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت : فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفى لقراءة القرآن من تصريحك بذلك ، ثم إن البخاري ذكر هذه الآية من جملة الترجمة، وحديث الباب لا يطابقها، ولو ذكر قوله تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الآية ، لكان أجدر وأقرب للمطابقة، ولكن يمكن أن يوجه ذلك، وإن كان فيه بعض تعسف، وهو أن يقال : إنه أشار به إلى أن التعاون في بناء المساجد المعتبر الذي فيه الأجر إنما كان للمؤمنين، ولم يكن ذلك للكافرين، وإن كانوا بنوا ج٤ / ص٢٠٨مساجد ليتعبدوا فيها بعبادتهم الباطلة ألا ترى أن العباس رضي الله تعالى عنه لما أسر يوم بدر وعير بكفره وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه ادعى أنهم كانوا يعمرون المسجد الحرام ، فبين الله لهم ذلك أنه غير مقبول منهم لكفرهم حيث أنزل على نبيه الكريم : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ كما ذكرناه الآن ثم أنزل في حق المسلمين الذين يتعاونون في بناء المساجد قوله : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الآية، والمعنى إنما العمارة المعتد بها عمارة من آمن بالله فجعل عمارة غيرهم كَلَا عمارة حيث ذكرها بكلمة الحصر، وروى عبد بن حميد في مسنده : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا صالح المزي عن ثابت البناني وميمون بن سياه وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عمار المسجد هم أهل الله " ، ورواه الحافظ أبو بكر البزار أيضا، ولا شك أن أهل الله هم المؤمنون . 107 - ( حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد العزيز بن مختار قال : حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي : انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه ، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى ذكر بناء المسجد فقال : كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فنفض التراب عنه، وقال : ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار ، قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن ) . مطابقته للترجمة الأولى ظاهرة، وقد مر الكلام فيه مستوفى .

( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : مسدد بن مسرهد، وقد تكرر ذكره . الثاني : عبد العزيز بن مختار أبو إسحاق الدباغ البصري الأنصاري . الثالث : خالد بن مهران الحذاء بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة، وقد تقدم .

الرابع : عكرمة مولى ابن عباس . الخامس : علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو الحسن، ويقال أبو محمد كان مولده ليلة قتل علي بن أبي طالب فسمى باسمه، وكنى بكنيته، وكان غاية في العبادة والزهد والعلم والعمل، وحسن الشكل، والفقهه، وكان يصلي كل يوم ألف ركعة هو جد السفاح والمنصور الخليفتين، وكان يدعى السجاد لذلك، وكان له خمسمائة أصل زيتون يصلي كل يوم عند أصل كل شجرة ركعتين مات بعد العشرين ومائة إما سنة أربع عشرة أو سبع عشرة أو عشر عن ثمان أو تسع وسبعين سنة . السادس : أبو سعيد الخدري رضي الله عنه .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول، وفيه أن إسناده كله بصري لأن ابن عباس أقام أميرا على البصرة مدة، وعكرمة مولاه معه . ( ذكر تعدد موضعه ) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن إبراهيم بن موسى . ( ذكر معناه وإعرابه ) ؛ قوله ( ولابنه ) الضمير فيه يرجع إلى ابن عباس ؛ قوله ( فإذا هو ) كلمة إذا ههنا للمفاجأة ، أي : فإذا أبو سعيد الخدري في حائط ، أي بستان، وسمي به لأنه لا سقف له ؛ قوله ( يصلحه ) جملة في محل الرفع لأنها خبر لقوله هو، ولفظ البخاري في باب الجهاد " فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه ) قيل : أخوه هذا لأمه، وهو قتادة بن النعمان، ورد بأن هذا لا يصح لأن علي بن عبد الله بن عباس، ولد في آخر خلافة علي بن أبي طالب، ومات قتادة بن النعمان قبل ذلك في أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وليس لأبي سعيد أخ شقيق، ولا أخ من أبيه، ولا من أمه ، إلا قتادة ، فيحتمل أن يكون المذكور أخاه من الرضاعة، والله تعالى أعلم ؛ قوله ( فاحتبى ) بالحاء المهملة، وبالباء الموحدة بعد التاء المثناة من فوق ، يقال : احتبى الرجل إذا جمع ظهره، وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه ؛ قوله ( أنشأ ) بمعنى طفق، وهما من أفعال المقاربة، وضعا للدلالة على الشروع في الخبر، ويعملان عمل كان إلا أن خبرهما يجب أن يكون جملة، ويشاركهما في هذا الذي ذكرناه جعل، وعلق، وأخذ .

قوله ( يحدثنا ) في محل النصب لأنه خبر أنشأ ؛ قوله ( حتى أتى ) ، وفي رواية كريمة ( حتى إذا أتى ) ؛ قوله ( بناء المسجد ) أي المسجد النبوي ، فالألف واللام فيه للعهد ؛ قوله ( قال ) أي أبو سعيد الخدري ؛ قوله ( لبنة ) بفتح اللام وكسر الباء الموحدة بعدها النون، وهي الطوب النيء، وانتصابها على أنها مفعول نحمل، وانتصاب ج٤ / ص٢٠٩الثانية بأنه تأكيد لها ؛ قوله ( وعمار ) أي يحمل عمار بن ياسر لبنتين لبنتين ، زاد معمر في روايته : "لبنة عنه، ولبنة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " ، وفيه زيادة أيضا لم يذكرها البخاري، ووقعت عند الإسماعيلي، وأبي نعيم في ( المستخرج ) من طريق خالد الواسطي عن خالد الحذاء، وهي : "فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك ؟ قال : إني أريد من الله الأجر " . قوله ( فرآه النبي صلى الله عليه وسلم ) الضمير المنصوب فيه يرجع إلى عمار ؛ قوله ( فنفض التراب عنه ) ، ويروى : " فينفض التراب عنه " ، وفيه التعبير بصيغة المضارع في موضع الماضي لاستحضار ذلك في نفس السامع كأنه شاهده، وفي رواية الكشميهني : "فجعل ينفض التراب عنه "، وفي لفظ للبخاري في باب الجهاد : " عن رأسه "، وكذا في رواية مسلم ؛ قوله ( ويح عمار ) كلمة ويح كلمة رحمة كما أن كلمة ويل كلمة عذاب ، تقول : ويح لزيد، وويل له برفعهما على الابتداء، ولك أن تقول: ويحا لزيد وويلا له فتنصبهما بإضمار فعل، وأن تقول: ويحك وويح زيد، وويلك وويل زيد بالإضافة فتنصب أيضا بإضمار الفعل، وههنا بنصب الحاء لا غير . قوله ( الفئة ) هي الجماعة، والباغية هم الذين خالفوا الإمام وخرجوا عن طاعته بتأويل باطل ظنا بمتبوع مطاع ؛ قوله ( يدعوهم ) أي يدعو عمار الفئة الباغية، وهم الذين قتلوه في وقعة صفين، وأعيد الضمير إليهم، وهم غير مذكورين صريحا ؛ قوله ( إلى الجنة ) أي إلى سببها، وهي الطاعة كما أن سبب النار هو المعصية ؛ قوله ( ويدعونه إلى النار ) أي يدعو هؤلاء الفئة الباغية عمارا إلى النار ، ( فإن قيل ) كان قتل عمار بصفين، وكان مع علي رضي الله تعالى عنه، وكان الذين قتلوه مع معاوية، وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز أن يدعوه إلى النار ، فأجاب ابن بطال عن ذلك فقال : إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم علي عمارا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة لأنه لا يجوز أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل .

قلت : تبع ابن بطال في ذلك المهلب، وتابعه على ذلك جماعة في هذا الجواب، ولكن لا يصح هذا لأن الخوارج إنما خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه بعد قتل عمار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك لأن ابتداء أمرهم كان عقيب التحكيم بين علي ومعاوية، ولم يكن التحكيم إلا بعد انتهاء القتال بصفين، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعا، وأجاب بعضهم بأن المراد بالذين يدعونه إلى النار كفار قريش، وهذا أيضا لا يصح لأنه وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما زيادة توضيح بأن الضمير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشام، وقال الحميدي : لعل هذه الزيادة لم تقع للبخاري أو وقعت فحذفها عمدا ولم يذكرها في الجمع ؛ قال : وقد أخرجها الإسماعيلي والبرقاني في هذا الحديث، والجواب الصحيح في هذا أنهم كانوا مجتهدين ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة، وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتباع ظنونهم ، فإن قلت : المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر ، فكيف الأمر ههنا؟ قلت : الذي قلنا جواب إقناعي فلا يليق أن يذكر في حق الصحابة خلاف ذلك ؛ لأن الله تعالى أثنى عليهم وشهد لهم بالفضل بقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال المفسرون هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . ( ذكر ما يستنبط منه من الفوائد ) فيه أن التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال لأنه مما يجري للإنسان أجره بعد موته، ومثل ذلك حفر الآبار وكري الأنهار، وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها، وفيه الحث على أخذ العلم من كل أحد وإن كان الآخذ أفضل من المأخوذ منه ، ألا ترى أن ابن عباس مع سعة علمه أمر ابنه عليا بالأخذ عن أبي سعيد الخدري ؟ قيل : يحتمل أن يكون إرسال ابن عباس إليه لطلب علو الإسناد لأن أبا سعيد أقدم صحبة وأكثر سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : مع هذا لا ينافي ذلك ما ذكرناه . وفيه أن العالم له أن يتهيأ للحديث، ويجلس له جلسة، وفيه ترك التحديث في حالة المهنة إعظاما للحديث، وتوقيرا لصحابه، وهكذا كان السلف، وفيه أن للإنسان أن يأخذ من أفعال البر ما يشق عليه إن شاء كما أخذ عمار لبنتين، وفيه إكرام العامل في سبيل الله، والإحسان إليه بالفعل والقول، وفيه علامة النبوة لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بما يكون فكان كما قال، وفيه إصلاح الشخص بما يتعلق بأمر دنياه كإصلاح بستانه وكرمه بنفسه، وكان السلف على ذلك لأن فيه إظهار التواضع، ودفع الكبر، وهما من أفضل الأعمال الصالحة، وفيه فضيلة ظاهرة لعلي وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه، وفيه استحباب الاستعاذة من الفتن لأنه لا يدري أحد في الفتنة أمأجور هو أم مأزور إلا بغلبة الظن، ولو كان مأجورا لما استعاذ عمار من الأجر ج٤ / ص٢١٠وقال ابن بطال : وفيه رد للحديث الشائع : " لا تستعيذوا بالله من الفتن فإن فيها حصاد المنافقين " ، قلت: ويروى : " لا تكرهوا الفتن " ، ولكن لم يصح هذا فإن عبد الله بن وهب قد سئل عن ذلك فقال : إنه باطل .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث