حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الصلاة في مسجد السوق

( باب الصلاة في مسجد السوق )

( وصلى ابن عون في مسجد في دار يغلق عليهم الباب ) .

136 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته ، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة ، فإن أحدكم إذا توضأ ، فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة ، أو حط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد ، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه ، وتصلي ، يعني عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ، ما لم يؤذ يحدث فيه .

مطابقته للترجمة في قوله: وصلاته في سوقه . ذكر رجاله وهم خمسة كلهم قد ذكروا ، وأبو معاوية محمد بن حازم الضرير ، والأعمش هو سليمان بن مهران ، وأبو صالح هو ذكوان . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه رواية التابعي عن التابعي ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني .

ج٤ / ص٢٥٨ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ، أخرجه البخاري أيضا في باب فضل الجماعة عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد ، عن الأعمش ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد بن السري ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة . ( ذكرمعناه ) قوله : ( صلاة الجميع ) ، أي : صلاة الجماعة ، والجميع في اللغة ضد المتفرق ، والجيش أيضا ، والحي المجتمع ، ويؤكد به يقال : جاءوا جميعا ، أي : كلهم ، وقال الكرماني : صلاة الجميع ، أي : صلاة في الجميع ، يعني صلاة الجماعة ، ( قلت ) : هذا تصرف غير مرضي . قوله : ( على صلاته في بيته ) ، أي : على صلاة المنفرد .

وقوله : ( في بيته ) قرينة على هذا ، إذ الغالب أن الرجل يصلي في بيته منفردا . قوله : ( خمسا ) نصب على أنه مفعول لقوله تزيد ، نحو قولك: زدت عليه عشرة ، ونحوها . قوله : ( فإن أحدكم ) بالفاء في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني بأن أحدكم بالباء الموحدة ، ووجهها أن تكون الباء للمصاحبة ، فكأنه قال: تزيد على صلاته بخمس وعشرين درجة مع فضائل أخر ، وهو رفع الدرجات ، وصلاة الملائكة ، ونحوها ، ويجوز أن تكون للسببية .

قوله : ( فأحسن ) كذا هو بدون مفعوله ، والتقدير ، فأحسن الوضوء ، والإحسان في الوضوء إسباغه برعاية السنن والآداب . قوله : ( لا يريد إلا الصلاة ) جملة حالية ، والمضارع المنفي إذا وقع حالا يجوز فيه الواو وتركه . قوله : ( خطوة ) قال السفاقسي : رويناه بفتح الخاء ، وهي المرة الواحدة ، وقال القرطبي : الرواية بضم الخاء ، وهي واحدة الخطى ، وهي ما بين القدمين ، والتي بالفتح مصدر .

قوله : ( أو حط ) ويروى وحط بالواو ، وهذا أشمل . قوله : ( ما كان يحبسه ) ، أي : ما كان المسجد يحبسه، وكلمة ما للمدة ، أي : مدة دوام حبس المسجد إياه . قوله : ( وتصلي الملائكة عليه ) ، أي : تدعو له بقولهم : اللهم اغفر له اللهم ارحمه .

وقوله : ( اللهم اغفر له ) تقديره : وتدعو الملائكة قائلين : اللهم ، إذ لا يصح المعنى إلا به ، وقيل : إنه بيان للصلاة كذا هو بدون مفعوله ، والتقدير: فأحسن الوضوء . قوله : ( ما لم يؤذ ) بضم الياء آخر الحروف ، وبالذال المعجمة من الإيذاء ، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المصلي، ومفعوله محذوف تقديره : ما لم يؤذ الملائكة ، وإيذاؤه إياهم بالحدث في المسجد ، وهو معنى قوله : ( يحدث ) بضم الياء من الإحداث بكسر الهمزة ، وهو مجزوم ، وفي رواية الأكثرين على أنه بدل من يؤذ ، ويجوز رفعه على طريق الاستئناف ، وفي رواية الكشميهني ( ما لم يؤذ بحدث فيه ) بلفظ الجار ، والمجرور متعلقا بيؤذ، قال الكرماني : وفي بعض النسخ ( ما لم يحدث ) بطرح لفظ يؤذ ، أي : ما لم ينقض الوضوء ، والذي ينقض الوضوء الحدث ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون أعم من ذلك ، ( قلت ) : الحديث رواه أبو داود في سننه ، ولفظه : ( ما لم يؤذ فيه ، أو يحدث فيه ) ، والأعمية التي قالها هذا القائل لا تمشي في رواية البخاري على ما لا يخفى، وتمشي في رواية أبي داود ؛ لأنه عطف أو يحدث على قوله : ( لم يؤذ فيه ) ، والمعنى ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحدا بقوله ، أو فعله ، أو يحدث بالجزم من الإحداث بمعنى الحدث لا من التحديث فافهم ، فإنه موضع تأمل . ( ذكر تعدد الروايات في قوله : " خمسا وعشرين درجة " ) في رواية البخاري أيضا من حديث أبي سعيد ( صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته خمسا وعشرين درجة ) ، وعند ابن ماجه ( بضعا وعشرين درجة ) ، وفي لفظ : ( فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده خمسا وعشرين جزءا ) ، وعند السراج ( تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفذ ) ، وفي لفظ : ( تزيد على صلاة الفذ خمسا وعشرين ) ، وفي لفظ : ( سبعة وعشرين جزءا ) ، وفي لفظ : ( خير من صلاة الفذ ) ، وفي لفظ : ( تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ) ، وفي لفظ : ( صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين يصليها وحده ) ، وفي كتاب ابن حزم : صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد سبعا وعشرين درجة ، وفي ( سنن الكجي ) صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ ، وعند ابن حبان ( فإن صلاها بأرض فيء فأتم وضوءها وركوعها وسجودها تكتب صلاته بخمسين درجة ) ، وعند أبي داود ( بلغت خمسين صلاة ) ، وقال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث : ( صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة ) وعند البخاري من حديث نافع ، عن ابن عمر : ( صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة ) قال الترمذي : كذا رواه نافع وعامة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال : ( خمسا وعشرين درجة ) ج٤ / ص٢٥٩وعند ابن حبان من حديث أبي بن كعب : ( أربعة وعشرين ، أو خمسة وعشرين درجة ، وصلاة الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين ، وما أكثر ، فهو أحب إلى الله عز وجل ) ، وعند أبي نعيم، عن العمري، عن نافع بلفظ : ( سبعة ، أو خمسة وعشرين ) ،

وعند أحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفا كلها مثل صلاته )
، وفي ( مسند ابن أبي شيبة ) : ( بضعا وعشرين درجة ) ، وعند السراج : ( بخمس وعشرين صلاة ) ، وفي لفظ : ( تزيد خمسا وعشرين ) ، وفي ( تاريخ البخاري ) من حديث الإفريقي عن قباث بن أشيم : ( صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى ، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى ، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى ) ،
وعند السراج من حديث أنس موقوفا بسند صحيح : ( تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده بضعا وعشرين صلاة )
، وعند الكجي من حديث أبان مرفوعا : ( تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده بأربع وعشرين صلاة ) ،
وعند السراج بسند صحيح عن عائشة : ( تفضل على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة )
، وكذا رواه معاذ عند الطبراني ، وعند ابن أبي شيبة عن عكرمة، عن ابن عباس : ( فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة قال : فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد ، فقال رجل : وإن كانوا عشرة آلاف قال : نعم ) ، وعند ابن زنجويه من حديث ابن الخطاب الدمشقي عن زريق بن عبد الله الأنصاري : ( صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة ) ، وفي فضائل القدس لأبي بكر محمد بن أحمد الواسطي من حديث أبي الخطاب : ( وصلاة في مسجد القبائل بست وعشرين ، وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ) ، ومن حديث عمار بن الحسن حدثنا إبراهيم بن هدبة عن أنس مرفوعا مثله ، وصلاته على الساحل بألفي ألف صلاة ، وصلاته بسواك بأربعمائة ألف صلاة .

( ذكر وجه هذه الروايات ) اختلفوا في وجه الجمع بين سبع وعشرين درجة ، وبين خمس وعشرين ، فقيل : السبع متأخرة عن الخمس ، فكأن الله أخبره بخمس ، ثم زاده، ورد هذا بتعذر التاريخ، ورد هذا الرد بأن الفضائل لا تنسخ، فتعين أنه متأخر ، وقيل : إن صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في المسجد بسبع وعشرين درجة، ورد هذا بقوله : ( وصلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته ، وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفا ) ، وقيل : إن الصلاة التي لم تكن فيها فضيلة الخطى إلى الصلاة ، ولا فضيلة انتظارها تفضل بخمس ، والتي فيها ذلك تفضل بسبع ، وقيل : إن ذلك يختلف باختلاف المصلين ، والصلاة ، فمن أكملها وحافظ عليها فوق من أخل بشيء من ذلك ، وقيل : إن الزيادة لصلاتي العشاء ، والصبح لاجتماع ملائكة الليل ، والنهار فيهما، ويؤيده حديث أبي هريرة : ( تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة الليل ، والنهار في صلاة الفجر ) فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة واستأنف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة ، وقيل : لا منافاة بين الحديثين ؛ لأن ذكر القليل لا ينافي الكثير ، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين ، وقال ابن الأثير : إنما قال درجة ، ولم يقل جزءا ، ولا نصيبا ، ولا حظا ، ولا شيئا من أمثال ذلك ؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو ، والارتفاع ، وأن تلك فوق هذه بكذا ، وكذا درجة ؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق ، ( قلت ) : قد جاء فيه لفظ الجزء ، والضعف ، وقد تقدما عن قريب ، فكأنه لم يطلع عليهما ، وقد قيل : إن الدرجة أصغر من الجزء ، فكأن الخمسة والعشرين إذا جزئت درجات كانت سبعا وعشرين درجة ، ( قلت ) : هذا ليس بصحيح ؛ لأنه جاء في الصحيحين سبعا وعشرين درجة، وخمسا وعشرين درجة، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة ، وقد قيل : يحتمل أن تكون الدرجة في الآخرة ، والجزاء في الدنيا ، ( فإن قلت ) : قد علم وجه الجمع بين هذين العددين ، ولكن ما الحكمة في التنصيص عليهما ، ( قلت ) : نقل الطيبي عن التوربشتي : وأما وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة ، وعلى سبع وعشرين أخرى ، فإن المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوة التي قصرت عقول الألباء عن إدراك جملها وتفاصيلها ، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النبوة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة ، والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام ، وغيرها . انتهى ، ( قلت ) : هذا لا يشفي الغليل ، ولا يجدي العليل ، والذي ظهر لي في هذا ج٤ / ص٢٦٠المقام من الأنوار الإلهية ، والأسرار الربانية ، والعنايات المحمدية أن كل حسنة بعشر أمثالها بالنص ، وأنه لو صلى في بيته كان يحصل له ثواب عشر صلوات ، وكذا لو صلى في سوقه كان لكل صلاة عشر ، ثم إنه إذا صلى بالجماعة يضاعف له مثله ، فيصير ثواب عشرين صلاة ، وأما زيادة الخمس فلأنه أدى فرضا من الفروض الخمسة فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد الفروض الخمسة زيادة عشرين إنعاما وفضلا منه عليه، فتصير الجملة خمسة وعشرين . وجواب آخر ، وهو أن مراتب الأعداد آحاد وعشرات ومئات وألوف ، والمئات من الأوساط وخير الأمور أوسطها ، والخمسة والعشرون ربع المائة وللربع حكم الكل ، وأما زيادة السبع ، فقال الكرماني : يحتمل أن يكون ذلك لمناسبة أعداد ركعات اليوم ، والليلة ، إذ الفرائض سبعة عشر ، والرواتب المؤكدة عشرة .

انتهى ، ( قلت ) : الرواتب المذكورة اثني عشر لحديث المثابرة ، فتصير تسعة وعشرين ، فلا يطابق الواقع ، فنقول : يمكن أن يقال : إن أيام العمر سبعة ، فإذا صلى بالجماعة يزاد له على العشرين ثواب سبع صلوات كل صلاة من صلوات كل يوم وليلة من الأيام السبعة ، وأما الوتر فلعله شرع بعد ذلك ، ثم العلماء اختلفوا : هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت ، أو أن ذلك إنما يكون ذلك في الجماعة التي تكون في المسجد لما يلزم ذلك من أفعال تختص بالمساجد ؟ قال القرطبي : والظاهر الأول ؛ لأن الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم والله أعلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن بطال : فيه أن الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة ، وقال الكرماني : لم يقل يساوي صلاته منفردا خمسا وعشرين حتى يكون له درجة منها ، بل قال : تزيد ، فليس للمنفرد من الخمسة والعشرين شيء ، ( قلت ) : قال ذلك بالنظر في الرواية المذكورة في الباب ، فلو كان وقف على الروايات التي ذكرناها لما قال ذلك كذلك ، وفيه الدلالة على فضيلة الجماعة ، وفيه جواز اتخاذ المساجد في البيوت ، والأسواق ، وفيه ما استدل به بعض المالكية على أن صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة ، ورد هذا بما ذكرنا عن ابن حبان ، وما كثر ، فهو أحب إلى الله تعالى ، وإلى مطلوبية الكثرة ذهب الشافعي ، وابن حبيب المالكي .

ورد في أحاديث5 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث