حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره

حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن شميل ، أخبرنا ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي قال ابن سيرين : قد سماها أبو هريرة ، ولكن نسيت أنا ، قال : فصلى بنا ركعتين ، ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى ، وخرجت السرعان من أبواب المسجد ، فقالوا : قصرت الصلاة ، وفي القوم أبو بكر ، وعمر ، فهاباه أن يكلماه ، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين ، قال : يا رسول الله أنسيت ، أم قصرت الصلاة ؟ قال : لم أنس ، ولم تقصر ، فقال : أكما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم ، فتقدم فصلى ما ترك ، ثم سلم ، ثم كبر وسجد مثل سجوده ، أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر ، ثم كبر وسجد مثل سجوده ، أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر ، فربما سألوه ، ثم سلم فيقول : نبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث يدل على تمامها ؛ لأن التشبيك إذا جاز في المسجد ففي غيره أولى بالجواز . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة الأول : إسحاق بن منصور بن بهرام ، تقدم في باب فضل من علم ، الثاني : النضر بن شميل ، بضم المعجمة ، تقدم في باب حمل العنزة ، الثالث : عبد الله بن عون ، تقدم ، الرابع : محمد بن سيرين ، تكرر ذكره ، الخامس : أبو هريرة .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن إسحاق بن منصور هو المجزوم به عند أبي نعيم ، وفيه أن رواته ما بين مروزي وبصري . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، وعن حفص بن عمرو ، عن آدم ، عن شعبة ، وأخرجه مسلم عن قتيبة ، عن مالك ، وعن حجاج بن الشاعر ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن علي بن نصر بن علي ، وعن محمد بن عبيد ، وعن معاذ ، عن أبيه ، وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن مسعدة ، عن يزيد بن زريع ، وعن عمرو بن عثمان ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد ، عن أبي أسامة ، وأخرج الطحاوي هذا الحديث من ثلاثة عشر طريقا . ( ذكر معناه ) : قوله : ( إحدى صلاتي العشي ) هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الحموي ، والمستملي ( العشاء ) بالمد ، والظاهر أنه وهم ؛ لأنه صح في رواية أخرى للبخاري : ( صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، أو العصر ) ، وفي رواية مسلم : ( صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العصر ، فسلم في ركعتين ) ، وفي أخرى له : ( صلى ركعتين من صلاة الظهر ، ثم سلم ) ، وفي رواية أبي داود : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي الظهر ، أو العصر ) ، وفي رواية الطحاوي : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي الظهر ، أو العصر ، وأكبر ظني أنه ذكر صلاة الظهر ) .

قوله : ( وأكبر ظني أنه ذكر صلاة الظهر ) هو قول ابن سيرين ، أي : أكبر ظني أن أبا هريرة ذكر صلاة الظهر ، وكذا ذكره البخاري في كتاب الأدب ، وأطلق على الظهر ، والعصر صلاتي العشي ؛ لأن العشي يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب ، ( فإن قلت ) : قال الجوهري : العشي ، والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة ، ( قلت ) : الذي ذكره هو أصل الوضع ، وفي الاستعمال يطلق على ما ذكرناه ، وقال الأزهري : العشي بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء ما بين زوال الشمس وغروبها . قوله : ( معروضة ) ، أي : موضوعة بالعرض ، أو مطروحة في ناحية المسجد . قوله : ( وضع يده اليمنى ) يحتمل أن يكون هذا الوضع حال التشبيك ، وأن يكون بعد زواله ، وعند الكشميهني ( وضع خده الأيمن ) بدل ( يده اليمنى ) .

قوله : ( السرعان ) قال الجوهري : سرعان الناس بالتحريك أوائلهم ، ويقال أخفاؤهم ، والمستعجلون منهم ، ويلزم الإعراب نونه في كل وجه ، وهو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث ، واللغة ، وكذا ضبطه المتقنون ، وقال ابن الأثير : السرعان بفتح السين ، والراء : أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة ، ويجوز تسكين الراء ، ( قلت ) : وكذا نقل القاضي عن بعضهم قال : وضبطه الأصيلي في البخاري بضم السين وإسكان الراء ، ووجهه أنه جمع سريع كقفيز وقفزان ، وكثيب وكثبان ، ومن قال سرعان بكسر السين ، فهو خطأ ، وقيل : يقال أيضا : سرعان بكسر السين ، وسكون الراء ، وهو جمع سريع ، كرعيل ورعلان ، وأما قولهم : سرعان ما فعلت ، ففيه ثلاث لغات : الضم ، والكسر ، والفتح مع إسكان الراء ، والنون مفتوحة أبدا . قوله : ( قصرت الصلاة ) بضم القاف وكسر الصاد ، ويروى بفتح القاف وضم الصاد . قوله : ( فهاباه ) ، أي : هاب أبو بكر ، وعمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويروى : ( فهابا ) بدون الضمير المنصوب ، وهو من الهيبة ، وهو الخوف ، والإجلال ، وقد هابه يهابه ، والأمر منه هب بفتح الهاء .

قوله : ( أن يكلماه ) كلمة أن مصدرية ، والتقدير : من التكليم . قوله : ( وفي القوم رجل ) جملة اسمية وقعت حالا . قوله : ( ذو اليدين ) فيه روايات ، ففي رواية الطحاوي : ( فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه ذا اليدين ) ، وفي رواية : ( فقام ذو اليدين ) ، وفي رواية : ( فقام رجل من بني سليم ) ، وفي رواية : ( رجل يقال له الخرباق بن عمرو ، وكان في يديه طول ) ، وفي رواية : ( كان رجلا بسيط اليدين ) وقع ذلك في رواية الطحاوي في حديث عمران بن حصين : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر ثلاث ركعات ، ثم سلم وانصرف ، فقال له الخرباق : يا رسول الله ، إنك صليت ثلاثا ، قال : فجاء فصلى ركعة ، ثم سجد سجدتين للسهو ، ثم سلم ) ، وأخرجه أحمد أيضا في ( مسنده ) ، والطبراني في ( الكبير ) .

وخرباق بكسر الخاء المعجمة بن عبد عمرو السلمي ، وهو الذي يقال له : ذو اليدين ، وذو الشمالين أيضا ، وكلاهما لقب عليه ، وقال السمعاني في الأنساب : ذو اليدين ، ويقال له ذو الشمالين ؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعا ، وقال ابن حبان في ( الثقات ) ذو اليدين ويقال له ذو الشمالين أيضا ابن عبد عمرو بن فضلة الخزاعي ، وقال أبو عبد الله العدني في ( مسنده ) قال أبو محمد الخزاعي : ذو اليدين أحد أجدادنا ، وهو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن ثور بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ، وقال ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) حدثنا ابن فضيل ، عن حصين ، عن عكرمة قال : ( صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ثلاث ركعات ، ثم انصرف ، فقال له بعض القوم : حدث في الصلاة شيء ؟ قال : وما ذلك ؟ قالوا : لم نصل إلا ثلاث ركعات ، فقال : أكذاك يا ذا اليدين ؟ وكان يسمى ذا الشمالين ، فقال : نعم ، فصلى ركعة وسجد سجدتين ) ، وقال ابن الأثير في ( معرفة الصحابة ) ذو اليدين اسمه الخرباق من بني سليم ، كان نزل بذي خشب من ناحية المدينة ، وليس هو ذا الشمالين ، خزاعي حليف لبني زهرة ، قتل يوم بدر ، وإن قصة ذي الشمالين كانت قبل بدر ، ثم أحكمت الأمور بعد ذلك ، وقال القاضي عياض في ( شرح مسلم ) ، وأما حديث ذي اليدين فقد ذكر مسلم في حديث عمران بن الحصين أن اسمه الخرباق ، وكان في يديه طول ، وفي الرواية الأخرى : بسيط اليدين ، وفي حديث أبي هريرة : رجل من بني سليم ، ووقع للعذري سلم ، وهو خطأ ، وقد جاء في حديث عبيد بن عمير مفسرا ، فقال فيه : ذو اليدين أخو بني سليم ، وفي رواية الزهري : ذو الشمالين رجل من بني زهرة ، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود ، قالوا : لأن ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير ، وهو من بني سليم ، فهو ذو اليدين المذكور في الحديث ، وهذا لا يصح لهم ، وإن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر ، فليس هو بالخرباق ، وهو رجل آخر حليف لبني زهرة اسمه عمير بن عبد عمرو من خزاعة ، بدليل رواية أبي هريرة حديث ذي اليدين ومشاهدته خبره ، ولقوله : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر الحديث ، وإسلام أبي هريرة بخيبر بعد يوم بدر بسنتين ، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر ، وقد عدوا قول الزهري فيه هذا من وهمه ، وقد عدهما بعضهم حديثين في نازلتين ، وهو الصحيح ، لاختلاف صفتهما ؛ لأن في حديث الخرباق ذا الشمالين أنه سلم من ثلاث ، وفي حديث ذي اليدين من اثنتين ، وفي حديث الخرباق إنها العصر ، وفي حديث ذي اليدين الظهر بغير شك عند بعضهم ، وقد ذكر مسلم ذلك كله . انتهى ، وقال أبو عمر : ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر ، بدليل ما في حديث أبي هريرة ، وأما قول الزهري في هذا الحديث : إنه ذو الشمالين ، فلم يتابع عليه ، ( قلت ) : الجواب عن ذلك كله مع تحرير الكلام في هذا الموضع أنه وقع في كتاب النسائي أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد كلاهما لقب على الخرباق ، كما ذكرنا ، حيث قال : أخبرنا محمد بن رافع ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، عن أبي هريرة قال : ( صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، أو العصر ، فسلم من ركعتين فانصرف ، فقال له ذو الشمالين ابن عمرو : أنقصت الصلاة أم نسيت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : صدق يا رسول الله فأتم بهم الركعتين اللتين نقصتا ) ، وهذا سند صحيح متصل صرح فيه بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين ، وقال النسائي أيضا : إن هارون بن موسى الفروي ، حدثني أبو ضمرة ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة ، عن أبي هريرة قال : ( نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلم في سجدتين ، فقال ذو الشمالين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصدق ذو اليدين ؟ قالوا : نعم ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة ) ، وهذا أيضا سند صحيح صرح فيه أيضا أن ذا الشمالين ، وهو ذو اليدين ، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس ، قال النسائي : أخبرنا عيسى بن حماد ، أخبرنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى يوما ، فسلم في ركعتين ، ثم انصرف ، فأدركه ذو اليدين ، فقال : يا رسول الله ، أنقصت الصلاة أم نسيت ؟ ، فقال : لم تنقص الصلاة ، ولم أنس ، قال بلى ، والذي بعثك بالحق ، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : أصدق ذو اليدين ؟ قالوا : نعم ، فصلى بالناس ركعتين ) ، وهذا أيضا سند صحيح على شرط مسلم ، وأخرج نحوه الطحاوي عن ربيع المؤذن ، عن شعيب بن الليث ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب إلى آخره نحوه ، فثبت أن الزهري لم ينفرد بذلك ، وأن المخاطب للنبي صلى الله عليه وسلم ذو الشمالين ، وأن من قال ذلك لم يهم ، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في الصحيح عدم صحته ، فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد ، وهذا أولى من جعله رجلين ؛ لأنه خلاف الأصل في هذا الموضع ، ( فإن قلت ) : أخرج البيهقي حديثا واستدل به على بقاء ذي اليدين بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال : الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن فضلة حليف بني زهرة من خزاعة ، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسهوه، فإنه بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ ، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان ، قال : حدثني شعيب بن مطير ، عن أبيه ، ومطير حاضر ، فصدقه ، قال شعيب : يا أبتاه ، أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خشب فأخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. . الحديث ، ثم قال البيهقي : وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة ، فقال ذو الشمالين : يا رسول الله ، أقصرت الصلاة ، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول : كل من قال ذلك فقد أخطأ ، فإن ذا الشمالين تقدم موته ، ولم يعقب ، وليس له راو ، ( قلت ) : سنده ضعيف ؛ لأن فيه معدي بن سليمان ، فقال أبو زرعة : واهي الحديث ، وقال النسائي : ضعيف الحديث ، وقال أبو حاتم : يحدث عن ابن عجلان مناكير ، وقال ابن حبان : يروي المقلوبات عن الثقات ، والملزوقات عن الأثبات ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد ، وفي سنده أيضا شعيب لم يعرف حاله ، وولده مطير قال فيه ابن الجارود : روى عنه ابنه شعيب لم يكتب حديثه ، وفي ( الضعفاء ) للذهبي : لم يصح حديثه ، وفي ( الكاشف ) مطير بن سليم عن ذي الزوائد ، وعنه أبناء شعيب وسليم لم يصح حديثه .

ولضعف هذا السند قال البيهقي في ( كتاب المعرفة ) ذو اليدين بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال ، ولقد أنصف وأحسن في هذه العبارة ، ثم إن قول شيخه أبي عبد الله كل من قال ذلك فقد أخطأ غير صحيح ، روى مالك في ( موطئه ) عن ابن شهاب ، عن ابن أبي بكر بن سليمان ، عن أبي خيثمة : ( بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار الظهر ، أو العصر ، فسلم من اثنتين ، فقال له ذو الشمالين ، رجل من بني زهرة بن كلاب : أقصرت الصلاة ) الحديث ، وفي آخره : مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثل ذلك ، فقد صرح في هذه الرواية أنه ذو الشمالين ، وأنه من بني زهرة ، ( فإن قلت ) : هو مرسل ، ( قلت ) : ذكر أبو عمر في ( التمهيد ) أنه متصل من وجوه صحاح ، والدليل عليه ما ذكرنا مما رواه النسائي آنفا ، ثم قول الحاكم عن ذي الشمالين : لم يعقب يفهم من ظاهره أن ذا اليدين أعقب ، ولا أصل لذلك فيما قد علمناه ، والله تعالى أعلم ، ( فإن قلت ) : إن ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقبا على شخص واحد على ما زعمتم فحينئذ يدل على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة ، وذلك لأن ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قتل ببدر ، وأبو هريرة أسلم عام خيبر ، وهو متأخر بزمان كثير ، ومع هذا فأبو هريرة يقول : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي إما الظهر ، أو العصر ) الحديث ، وفيه : ( فقام ذو اليدين ، فقال : يا رسول الله )أخرجه مسلم ، وغيره ، وفي رواية : ( صلى بنا رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فسلم في ركعتين ، فقام ذو اليدين ) الحديث ، ( قلت ) : أجاب الطحاوي بأن معناه صلى بالمسلمين ، وهذا جائز في اللغة كما روي عن النزال بن سبرة قال : ( قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف ) الحديث ، والنزال لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما أراد بذلك : قال لقومنا ، وروي عن طاوس قال : ( قدم علينا معاذ بن جبل ، فلم يأخذ من الخضراوات شيئا ) ، وإنما أراد قدم بلدنا ؛ لأن معاذا قدم اليمن في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يولد طاوس ، ومثله ما ذكره البيهقي في باب البيان أن النهي مخصوص ببعض الأمكنة عن مجاهد قال : جاءنا أبو ذر رضي الله تعالى عنه .. . إلى آخره ، قال البيهقي : مجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر . وقوله : ( جاءنا ) ، أي : جاء بلدنا فافهم .

قوله : ( لم أنس ، ولم تقصر ) ، أي : الصلاة ، وفي رواية مسلم : ( كل ذلك لم يكن ) ، وفي رواية أبي داود : ( كل ذلك لم أفعل ) قال النووي فيه : تأويلان ، أحدهما : أن معناه لم يكن المجموع ، ولا ينفي وجود أحدهما ، والثاني هو الصواب ، معناه : لم يكن لا ذلك ، ولا ذا في ظني ، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعا ، ويدل على صحة هذا التأويل ، وأنه لا يجوز غيره أنه جاء في رواية للبخاري في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لم تقصر ، ولم أنس ) ويقال : لم أنس يرجع إلى السلام ، أي : لم أنس فيه ، إنما سلمت قصدا ، ولم أنس في نفس السلام ، وإنما سهوت عن العدد ، قال القرطبي : وهذا فاسد ؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابا عما سئل عنه ، ويقال : بين النسيان ، والسهو فرق ، فقيل : كان صلى الله عليه وسلم يسهو ، ولا ينسى ، فلذلك نفى عن نفسه النسيان ؛ لأن فيه غفلة ، ولم يغفل ، قاله القاضي ، وقال القشيري : هذا الفرق بينهما في استعمال اللغة ، وكأنه يلوح من اللفظ على أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة ، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها ، ويكون النسيان الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر ، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض ، وقال القرطبي : لا نسلم الفرق ، ولئن سلم فقد أضاف النبي صلى الله عليه وسلم النسيان إلى نفسه في غير ما موضع بقوله : ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ) ، وقال القاضي : إنما أنكر صلى الله عليه وسلم نسيت المضافة إلى نفسه ، وهو قد نهى عن هذا بقوله : ( بئسما لأحدكم أن يقول : نسيت كذا ، ولكنه نسي ) ، وقد قال أيضا : لا أنسى على النفي ، ولكن أنسى ، وقد شك بعض الرواة في روايته ، فقال أنسى ، أو أنسى ، وأن أو للشك ، أو للتقسيم ، وأن هذا يكون منه مرة من قبل شغله ، ومرة يغلب ويجبر عليه ، فلما سأله السائل بذلك أنكره ، وقال : ( كل ذلك لم يكن ) ، وفي الأخرى : ( لم أنس ، ولم تقصر ) أما القصر فبين ، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسي ، ولكن الله تعالى أنساني ، ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي أن النهي في الحديث عن إضافة نسيت إلى الآية الكريمة ؛ لأنه يقبح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى ، ولا يلزم من هذا النهي الخاص النهي عن إضافته إلى كل شيء فافهم ، وذكر بعضهم أن العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى ، وأما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز فيها النسيان ، ( قلت ) : تحقيق الكلام في هذا المقام أن قوله : لم أنس ، ولم تقصر الصلاة مثل قوله : كل ذلك لم يكن ، والمعنى : كل من القصر ، والنسيان لم يكن ، فيكون في معنى لا شيء منهما بكائن على شمول النفي وعمومه لوجهين . أحدهما : أن السؤال عن أحد الأمرين بأم يكون لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم لا على التعيين ، غير أنه إنما يكون بالتعيين ، أو بنفيهما جميعا تخطئة للمستفهم لا بنفي الجمع بينهما حتى يكون نفي العموم ؛ لأنه عارف بأن الكائن أحدهما . والثاني : لما قال صلى الله عليه وسلم : كل ذلك لم يكن ، قال له ذو اليدين : قد كان بعض ذلك ، ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع .

وقوله : قد كان بعض ذلك موجبة جزئية ، ونقيضها السالبة الكلية ، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي ، وهاهنا قاعدة أخرى ، وهي أن لفظة كل إذا وقعت في حيز النفي كان النفي موجبها خاصة ، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد ، كقولك : ما جاء كل القوم ، ولم آخذ كل الدراهم . وقوله ما كل ما يتمنى المرء يدركه ، وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد ، كقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل ذلك لم يكن ) . قوله : ( أكما يقول ذو اليدين ) ، أي : الأمر كما يقول .

قوله : ( فقالوا : نعم ) ، وفي رواية للبخاري : ( فقال الناس نعم ) ، وفي رواية أبي داود : ( فأومئوا ) ، أي : نعم ، وفي أكثر الأحاديث قالوا : نعم ، ويمكن أن يجمع بينهما بأن بعضهم أومأ ، وبعضهم تكلم ، وسنذكر وجه هذا عن قريب . قوله : ( فربما سألوه ) فربما سألوا ابن سيرين هل في الحديث ، ثم سلم ، يعني سألوا ابن سيرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا السجود سلم مرة أخرى ، أو اكتفى بالسلام الأول ، وكلمة رب أصلها للتقليل ، وكثر استعمالها في التكثير ، وتلحقها كلمة ما فتدخل على الجمل . قوله : ( فيقول نبئت ) بضم النون ، أي : أخبرت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم ، وهذا يدل على أنه لم يسمع من عمران ، وقد بين أبو داود في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران ، فقال : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى قال : حدثني أشعث ، عن محمد بن سيرين ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين : ( أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى بهم وسها ، فسجد سجدتين ، ثم تشهد ، ثم سلم ) ورواه النسائي ، والترمذي ، وقال : حسن غريب ، ورواه الطحاوي من حديث شعبة عن خالد الحذاء قال : سمعت أبا قلابة يحدث عن عمه أبي المهلب ، عن عمران بن حصين : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر ثلاث ركعات ، ثم سلم وانصرف ، فقال له الخرباق : يا رسول الله ، إنك صليت ثلاثا ، قال : فجاء ، فصلى ركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين للسهو ، ثم سلم ) وأبو قلابة اسمه عبد الله بن زيد الحرمي ، وعمه أبو المهلب اسمه عمرو بن معاوية ، قاله النسائي ، وقيل : عبد الرحمن بن معاوية ، وقيل : معاوية بن عمرو ، وقيل : عبد الرحمن بن عمرو ، وقيل : النضر بن عمرو ، وفي رواية أبي داود : رواية الأكابر عن الأصاغر .

( ذكر ما يستنبط منه من الأحكام ) ، وهو على وجوه ، الأول : أن فيه دليلا على أن سجود السهو سجدتان ، الثاني : فيه حجة لأصحابنا الحنفية أن سجدتي السهو بعد السلام ، وهو حجة على الشافعي ومن تبعه في أنها قبل السلام . الثالث : أن الذي عليه السهو إذا ذهب من مقامه ، ثم عاد وقضى ما عليه هل يصح ؟ فظاهر الحديث يدل على أنه يصح ؛ لأنه قال في رواية عمران بن حصين : ( فجاء فصلى ركعة ) ، وفي رواية غيره من الجماعة : ( فتقدم وصلى ) ، وهو رواية البخاري هاهنا ، وفي رواية : ( فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقامه ) ، ولكن اختلف الفقهاء في هذه المسألة ، فعند الشافعي فيها وجهان : أصحهما أنه يصح ؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم : ( أنه عليه السلام مشى إلى الجذع وخرج السرعان ) ، وفي رواية : ( دخل منزله ) ، وفي رواية : ( دخل الحجرة ، ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته ) ، والوجه الثاني ، وهو المشهور عندهم : أن الصلاة تبطل بذلك ، قال النووي : وهذا مشكل ، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها ، ونقل عن مالك أنه ما لم ينتقض وضوؤه يجوز له ذلك ، وإن طال الزمان ، وكذا روي عن ربيعة مستدلين بحديث عمران ، ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة إذا سلم ساهيا على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ، ولم يتكلم عاد إلى القضاء لما عليه ، ولو اقتدى به رجل يصح اقتداؤه به ، أما إذا صرف وجهه عن القبلة ، فإن كان في المسجد ، ولم يتكلم فكذلك ؛ لأن المسجد كله في حكم مكان واحد ؛ لأنه مكان الصلاة ، وإن كان خرج من المسجد ، ثم تذكر لا يعود ، وتفسد صلاته ، وأما إذا كان في الصحراء ، فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه ، أو من قبل اليمين ، أو اليسار عاد إلى قضاء ما عليه ، وإلا فلا ، وإن مشى أمامه لم يذكره في الكتاب . وقيل : إن مشى قدر الصفوف التي خلفه تفسد ، وإلا فلا ، وهو مروي عن أبي يوسف اعتبارا لأحد الجانبين ، وقيل : إذا جاوز موضع سجوده لا يعود ، وهو الأصح ، وهذا إذا لم يكن بين يديه سترة ، فإن كان يعود ما لم يجاوزها ؛ لأن داخل السترة في حكم المسجد ، والله أعلم ، وأجابوا عن الحديث أنه منسوخ ، وذلك أن عمر بن الخطاب عمل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما كان صلى الله عليه وسلم عمله يوم ذي اليدين ، والحال أنه كان فيمن حضر يوم ذي اليدين ، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك لما عمل بخلاف ما عمل به النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيضا ، فإن عمر فعل ذلك بحضرة الصحابة ، ولم ينكر عليه أحد ، فصار ذلك منهم إجماعا ، وروى الطحاوي ذلك عن ابن مرزوق ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عثمان بن الأسود قال : ( سمعت عطاء يقول : صلى عمر بن الخطاب بأصحابه ، فسلم في ركعتين ، ثم انصرف ، فقيل له في ذلك ، فقال : إني جهزت عيرا من العراق بأحمالها وأقتابها حتى وردت المدينة ، قال : فصلى بهم أربع ركعات ) الرابع : استدل به قوم على أن الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة لا يقطع الصلاة ، وأن الكلام من الإمام ، والمأمومين فيها على السهو لا يقطع الصلاة ، وهو مذهب مالك ، وربيعة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أبو عمر بن عبد البر : وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهيا في الصلاة لا يبطلها كقول مالك وأصحابه سواء ، وإنما الخلاف بينهم أن مالكا يقول : لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيما إذا كان في شأنها وإصلاحها ، وهو قول ربيعة ، وابن القاسم ، إلا ما روي عنه في المنفرد ، وهو قول أحمد بن حنبل ، ذكره الأثرم عنه أنه قال : ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته ، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه ، وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدا ، أو ساهيا بطلت صلاته ، إلا الإمام خاصة ، فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته ، وقال الشافعي وأصحابه ، ومن تابعهم من أصحاب مالك ، وغيرهم : إن من تعمد الكلام ، وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة ، وأنه فيها أفسد صلاته ، فإن تكلم ناسيا ، أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لا يبطلها ، قال النووي : وبهذا قال جمهور العلماء من السلف ، والخلف ، وهو قول ابن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وأخيه عروة ، وعطاء ، والحسن ، والشعبي ، وقتادة ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وجميع المحدثين ، وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري في أصح الروايتين عنه : تبطل صلاته بالكلام ناسيا ، أو جاهلا .

انتهى ، وأجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في الصلاة ، ولم يكن ذلك لإصلاح صلاته ، أنه يفسد الصلاة ، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه من تكلم لإحياء نفس ، أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته ، وهو قول ضعيف في النظر ، وقال القاضي عياض : المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذي اليدين ، وروي عنه ترك الأخذ به ، وأنه كان يستحب أن يعيد ، ولا يبني ، قال : وإنما تكلم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ، ولا يجوز ذلك لأحدنا اليوم ، وقال الحارث بن مسكين : أصحاب مالك كلهم قالوا : كان هذا أول الإسلام ، وأما الآن ، فمن تكلم فيها أعادها . الخامس : فيه دليل على أن من قال ناسيا لم أفعل كذا ، وكان قد فعله أنه غير كاذب . السادس : فيه جواز التلقيب الذي سبيله التعريف دون التهجين .

السابع : فيه الإجزاء بسجدتين عن السهوات ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سها عن الركعتين وتكلم ناسيا واقتصر على السجدتين . الثامن : فيه دليل على جواز تشبيك الأصابع في المسجد على ما ترجم عليه الباب . ( الأسئلة والأجوبة ) الأول : كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم في الصلاة بعد ؟ وأجيب : بأنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة ؛ لأنهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين ، وقال النووي : إن هذا كان خطابا للنبي عليه الصلاة والسلام وجوابا ، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا ، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح : ( أن الجماعة أومأوا ) ، أي : أشاروا نعم ، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا .

الثاني : قيل فيه إشكال على مذهب الشافعي ؛ لأن عندهم أنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره ، إماما كان أو مأموما ، ولا يعمل إلا على يقين نفسه ، وأجاب النووي عن ذلك بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم سألهم ليتذكر ، فلما ذكروه تذكر ، فعلم السهو ، فبنى عليه ، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم ، ولو جاز ترك يقين نفسه ، والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو اليدين حين قال النبي عليه الصلاة والسلام : لم تقصر ، ولم أنس ، ( قلت ) : هذا ليس بجواب مخلص ؛ لأنه لا يخلو من الرجوع ، سواء كان رجوعه للتذكرة ، أو لغيره ، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا لأجل يقين نفسه ، وقال ابن القصار : اختلفت الرواة في هذا عن مالك ، فمرة قال : يرجع إلى قولهم ، وهو قول أبي حنيفة ؛ لأنه قال يبني على غالب ظنه ، وقال مرة أخرى : يعمل على يقينه ، ولا يرجع إلى قولهم كقول الشافعي ، الثالث : قد روي في بعض روايات مسلم في قصة ذي اليدين أن أبا هريرة قال : ( بينا أنا أصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة الظهر ) الحديث ، وهذا صريح أنه حضر تلك الصلاة ، والجواب عنه قد ذكرناه عن الطحاوي عن قريب ، وقيل : يحتمل أن بعض الرواة فهم من قول أبي هريرة في إحدى رواياته ( صلى بنا ) أنه كان حاضرا فروى الحديث بالمعنى على زعمه ، وقال بينا أنا أصلي . الرابع : هل في حديث عمران بن حصين أنه صلى الله عليه وسلم دخل منزله ، ولا يجوز لأحد اليوم أن ينصرف عن القبلة ويمشي وقد بقي عليه شيء من الصلاة ؟ أجيب بأنه فعل ذلك وهو لا يرى أنه في الصلاة ، ( فإن قيل ) فيلزم على هذا لو أكل ، أو شرب ، أو باع ، أو اشترى وهو لا يرى أنه في الصلاة أنه لا يخرجه ذلك منها ، ( قلت ) : هذا كله منسوخ ، فلا يعمل به اليوم ، والله تعالى أعلم .

ورد في أحاديث11 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث