حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الصلاة كفارة

( باب الصلاة كفارة )

4 - ( حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن الأعمش ، قال : حدثني شقيق ، قال : سمعت حذيفة قال : كنا جلوسا عند عمر رضي الله عنه ، فقال : أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة ؟ قلت : أنا ، كما قاله ، قال : إنك عليه أو عليها لجريء ، ( قلت ) : فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة ، والأمر والنهي ، قال : ليس هذا أريد ، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر ، قال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا ، قال : أيكسر أم يفتح ؟ قال : يكسر ، قال : إذًا لا يغلق أبدا ، قلنا : أكان عمر يعلم الباب ؟ قال : نعم ، كما أن دون الغد الليلة إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط ، فهبنا أن نسأل حذيفة ، فأمرنا مسروقا فسأله ، فقال : الباب عمر ) مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله : ( تكفرها الصلاة ) . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول مسدد بن مسرهد ، الثاني يحيى القطان ، الثالث سليمان الأعمش ، الرابع شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي ، الخامس حذيفة بن اليمان - رضي الله تعالى عنه - .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في الموضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه حدثني حذيفة رواية المستملي ، وفي رواية غيره سمعت حذيفة ، وفيه بصريان ، وهما مسدد ويحيى ، وكوفيان الأعمش وشقيق . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الزكاة ، عن قتيبة ، عن جرير ، وفي علامات النبوة ، عن عمر بن حفص قاله المزي في الأطراف ، وهو وهم ، وإنما أخرجه ، عن عمر بن حفص في الفتن ، وفي الصوم ، عن علي بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في الفتن ، عن ابن نمير وأبي بكر كلاهما ، عن أبي معاوية قاله المزي ، وهو وهم ، وإنما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ، عن ابن نمير وأبي كريب ومحمد بن المثنى ، ثلاثتهم عن أبي معاوية ، فوهم في ذكره لأبي بكر ، وفي إسقاطه لابن المثنى ، وأخرجه الترمذي في الفتن أيضا ، عن محمود بن غيلان ، وأخرجه ابن ماجه فيه أيضا ، عن ابن نمير ، عن أبيه وأبي معاوية ، كلاهما عن الأعمش به . ج٥ / ص٩( ذكر معناه ) قوله : ( كنا جلوسا ) ، أي : جالسين ، قوله : ( في الفتنة ) وهي الخبرة والإعجاب بالشيء فتنه يفتنه فتنا وفتونا وأفتنه وأباها الأصمعي .

وقال سيبويه : فتنه : جعل فيه فتنة ، وأفتنه : أوصل الفتنة إليه ، قال : إذا قال أفتنته ، فقد تعرض الفتن ، وإذا قال : فتنته فلم يتعرض الفتن ، وحكى أبو زيد : أفتن الرجل بصيغة ما لم يسم فاعله ، أي : فتن ، والفتنة الضلال والإثم ، وفتن الرجل أماله عما كان عليه ، قال تعالى : وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ والفتنة الكفر ، قال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ والفتنة الفضيحة ، والفتنة العذاب ، والفتنة ما يقع بين الناس من القتال ، ذكره ابن سيده ، والفتنة : البلية ، وأصل ذلك كله من الاختبار ، وأنه من فتنت الذهب في النار إذا اختبرته ، وفي الغريبين الفتنة الغلو في التأويل المظلم . وقال ابن طريف : فتنته وأفتنته ، وفتن بكسر التاء فتونا : تحول من حسن إلى قبيح ، وفتن إلى النساء وفتن فيهن : أراد الفجور بهن ، وفي الجمهرة : فتنت الرجل أفتنه وأفتنته إفتانا ، وفي الصحاح : قال الفراء : أهل الحجاز يقولون ( ما أنتم عليه بفاتنين ) وأهل نجد يقولون : بمفتنين من أفتنت ، وزعم عياض : أنها الابتلاء والامتحان ، قال : وقد صار في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء ، ويكون في الخير والشر ، قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً قوله : ( قلت : أنا ) ، كما قاله ، أي : أحفظ كما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم . ( فإن قلت : ) الكاف هاهنا لماذا ، وهو حافظ لنفس قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا كمثله ( قلت ) يجوز أن تكون الكاف هنا للتعليل ؛ لأنها اقترنت بكلمة ما المصدرية ، أي : أحفظ لأجل حفظ كلامه ، ويجوز أن تكون للاستعلاء ، يعني : أحفظ على ما عليه قوله .

وقال الكرماني : لعله نقله بالمعنى فاللفظ مثل لفظه في أداء ذلك المعنى ( قلت ) حاصل كلامه يؤول إلى معنى المثلية ، وهو في سؤاله نفي المثلية فانتفى بذلك أن تكون الكاف للتشبيه . وقال بعضهم : الكاف زائدة . ( قلت ) هذا أخذه من الكرماني ولم يبين واحد منهما أن الكاف إذا كانت زائدة ما تكون فائدته .

( فإن قلت ) لفظ أنا مفرد ، وهو مقول قوله . ( قلت ) وقد علم أن مقول القول يكون جملة . ( قلت ) أنا مبتدأ وخبره محذوف تقديره أنا أحفظ أو أضبط أو نحوهما ، قوله : ( عليه ) ، أي : قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : ( أو عليها ) ، أي : أو على مقالته والشك من حذيفة قاله الكرماني .

( قلت ) يجوز أن يكون ممن دونه ، قوله : ( لجريء ) خبر إن في قوله : ( إنك ) واللام للتأكيد والجريء على وزن فعيل من الجراءة وهي الإقدام على الشيء ، قوله : ( فتنة الرجل في أهله ) قال ابن بطال : فتنة الرجل في أهله أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول أو العمل مما لم يبلغ كبيرة . وقال المهلب : يريد ما يعرض له معهن من شر أو حزن أو شبهه ، قوله : ( وماله ) فتنة الرجل في ماله أن يأخذه من غير مأخذه ويصرفه في غير مصرفه أو التفريط بما يلزمه من حقوق المال فتكثر عليه المحاسبة ، قوله : ( وولده ) فتنة الرجل في ولده فرط محبتهم وشغله بهم عن كثير من الخير أو التوغل في الاكتساب من أجلهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام ، قوله : ( وجاره ) فتنة الرجل في جاره أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعا ، قال تعالى : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً قوله : ( تكفرها الصلاة ) ، أي : تكفر فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره أداء الصلاة ، قال تعالى : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ يعني : الصلوات الخمس إذا اجتنبت الكبائر هذا قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد : هي قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .

وقال ابن عبد البر : قال بعض المنتسبين إلى العلم من أهل عصرنا : إن الكبائر والصغائر تكفرها الصلاة والطهارة ، واستدل بظاهر هذا الحديث وبحديث الصنابحي : " إذا توضأ خرجت الخطايا من فيه " الحديث . وقال أبو عمر : هذا جهل وموافقة للمرجئة وكيف يجوز أن تحمل هذه الأخبار على عمومها ، وهو يسمع قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا في آي كثير ، فلو كانت الطهارة وأداء الصلوات وأعمال البر مكفرة لما احتاج إلى التوبة ، وكذلك الكلام في الصوم والصدقة والأمر والنهي ، فإن المعنى أنها تكفر إذا اجتنبت الكبائر ، قوله : ( والأمر ) ، أي : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، كما صرح به البخاري في الزكاة . ( فإن قلت ) ما النكتة في تعيين هذه الأشياء الخمسة .

( قلت ) الحقوق لما كانت في الأبدان والأموال والأقوال فذكر من أفعال الأبدان أعلاها ، وهو الصلاة والصوم ؛ قال الله تعالى : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ وذكر من حقوق الأموال أعلاها وهي الصدقة ، ومن الأقوال أعلاها وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قوله : ( تموج ) من ماج البحر ، أي : تضطرب ويدفع بعضها بعضها لعظمها . وكلمة ما في ( كما تموج ) مصدرية ، أي : كموج البحر ، وهو تشبيه غير بليغ ، قوله : ( قال ) ، أي : قال حذيفة ، قوله : ( بأس ) ، أي : شدة ، قوله : ج٥ / ص١٠( لبابا ) ويروى ( بابا ) بدون اللام ، قوله : ( مغلقا ) صفة الباب ، قال ثعلب في الفصيح : أغلقت الباب فهو مغلق . وقال ابن درستويه : والعامة تقول : غلقت بغير ألف ، وهو خطأ ، وذكره أبو علي الدينوري في باب ما تحذف منه العامة الألف .

وقال ابن سيده في العويص ، والجوهري في الصحاح : فأغلقت ، قال الجوهري : وهي لغة رديئة متروكة . وقال ابن هشام في شرحه : الأفصح غلقت بالتشديد ، قال الله تعالى : وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وفيه نظر ؛ لأن غلقت مشددة للتكثير ، قاله الجوهري وغيره ، وفي المحكم : غلق الباب وأغلقه وغلقه الأولى من ابن دريد عزاها إلى أبي زيد ، وهي نادرة ، والمقصود من هذا الكلام أن تلك الفتن لا يخرج منها شيء في حياتك ، قوله : ( قال أيكسر ) ، أي : قال عمر - رضي الله تعالى عنه - أيكسر هذا الباب أم يفتح ، قوله : ( قال يكسر ) ، أي : قال حذيفة يكسر ، قوله : ( قال إذا لا يغلق أبدا ) ، أي : قال عمر - رضي الله تعالى عنه - إذا لا يغلق أبدا هذا الباب وإذا هو جواب وجزاء ، أي : إذا انكسر لا يغلق أبدا ؛ لأن المكسور لا يعاد بخلاف المفتوح ، والكسر لا يكون غالبا إلا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة ، ولفظ لا يغلق روي مرفوعا ومنصوبا ، وجه الرفع أن يقال : إنه خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : الباب إذا لا يغلق ، ووجه النصب أن لا يقدر ذلك ، فلا يكون ما بعده معتمدا على ما قبله ، والحاصل أنه فعل مستقبل منصوب بإذن ، وإذن تعمل النصب في الفعل المستقبل بثلاثة أشياء ، وهي أن يعتمد ما قبلها على ما بعدها ، وأن يكون الفعل فعل حال ، وأن لا يكون معها واو العطف ، وهذه الثلاثة معدومة في النصب ، قوله : ( قلنا ) هو مقول شقيق ، قوله : ( كما أن دون الغد الليلة ) ، أي : كما يعلم أن الغد أبعد منا من الليلة يقال : هو دون ذلك ، أي : أقرب منه ، قوله : ( إني حدثته ) مقول حذيفة ، قوله : ( ليس بالأغاليط ) جمع أغلوطة وهي ما يغالط بها قال النووي : معناه حدثته حديثا صدقا محققا من أحاديث رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لا من اجتهاد رأي ونحوه ، وغرضه أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت ، كما جاء في بعض الروايات ، قال : ويحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر بالقتل ، فإن عمر كان يعلم أنه هو الباب ، فأتى بعبارة يحصل منها الغرض ولا يكون إخبارا صريحا بقتله . قال : والحاصل أن الحائل بين الفتنة والإسلام عمر - رضي الله تعالى عنه - ، وهو الباب فما دام عمر حيا لا تدخل الفتن فيه فإذا مات دخلت ، وكذا كان قوله : ( فهبنا ) ، أي : خفنا من هاب ، وهو مقول شقيق أيضا ، قوله : ( مسروقا ) هو مسروق بن الأجدع ، وقد تقدم ذكره ، قوله : ( فقال : الباب عمر ) ، أي : قال مسروق الباب هو عمر - رضي الله تعالى عنه .

( فإن قلت ) : قال أولا أن بينك وبينها بابا ، فالباب يكون بين عمر وبين الفتنة ، وهنا يقول الباب هو عمر وبين الكلامين مغايرة . ( قلت ) لا مغايرة بينهما ؛ لأن المراد بقوله ( بينك وبينها ) ، أي : بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك . وقال الكرماني : أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنك ، إذ الروح غير البدن أو بين الإسلام والفتنة .

وقال أيضا : ( فإن قلت ) من أين علم حذيفة أن الباب عمر وهل علم من هذا السياق أنه مسند إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بل كل ما ذكر في هذا الباب لم يسند منه شيء إليه صلى الله تعالى عليه وسلم . ( قلت ) الكل ظاهر مسند إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقرينة السؤال ، والجواب : ولأنه قال حدثته بحديث ولفظ الحديث المطلق لا يستعمل إلا في حديثه صلى الله عليه وسلم . ( فإن قلت ) كيف سأل عمر - رضي الله تعالى عنه - ، عن الفتنة التي تأتي بعده خوفا أن يدركها مع علمه بأنه هو الباب .

( قلت ) من شدة خوفه خشي أن يكون نسي فسأل من يذكره .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث