باب من كره أن يقال للمغرب العشاء
( باب من كره أن يقال للمغرب العشاء ) 40 - ( حدثنا أبو معمر ، هو عبد الله بن عمرو ، قال : حدثنا عبد الوارث ، عن الحسين ، قال : حدثنا عبد الله بن بريدة ، قال : حدثني عبد الله المزني ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ، قال : وتقول الأعراب : هي العشاء ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنه نهاهم أن يسموا المغرب بالاسم الذي تسميه الأعراب ، وهو العشاء .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول أبو معمر بفتح الميمين ، واسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد البصري . الثاني عبد الوارث بن سعيد التنوري . الثالث الحسين المعلم .
الرابع عبد الله بن بريدة ، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المهملة قاضي مرو ، مات بها سنة خمس عشرة ومائة . الخامس عبد الله بن مغفل بضم الميم وفتح ج٥ / ص٥٩الغين المعجمة وتشديد الفاء المزني من أصحاب الشجرة قال : ( كنت أرفع أغصانها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ) روي له ثلاثة وأربعون حديثا للبخاري منها خمسة ، وهو أول من دخل تستر وقت الفتح مات سنة ستين . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد من الماضي في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ، وهذا الحديث من أفراد البخاري .
( ذكر معناه ) قوله : ( لا يغلبنكم الأعراب ) قال الأزهري : معناه : لا يغرنكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخروها ، ولكن صلوها إذا كان وقتها والعشاء أول ظلام الليل ، وذلك من حين يكون غيبوبة الشفق ، فلو قيل في المغرب عشاء لأدى إلى اللبس بالعشاء الآخرة ، والكراهة في ذلك أن لا تتبع الأعراب في هذه التسمية ، وقيل : إن الأعراب يسمونها العتمة لكونهم يؤخرون الحلب إلى شدة الظلام . وقال القرطبي : لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى ، فهو إرشاد إلى ما هو الأولى لا على التحريم ، ولا على أنه لا يجوز ألا تراه عليه الصلاة والسلام قد قال : " ولو يعلمون ما في العتمة والصبح " ، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وابن عباس فيما ذكره ابن أبي شيبة . وقال الطيبي : يقال : غلبه على كذا غصبه منه ، أو أخذه منه قهرا ، والمعنى : لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء ، والعشاء بالعتمة ، فيغصب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها الله تعالى بها ، قال : فالنهي على الظاهر للأعراب وعلى الحقيقة لهم .
وقال غيره : معنى الغلبة : أنكم تسمونها اسما وهم يسمونها اسما ، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به ، وافقتموهم ، وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنه انقطع له حتى غلبه ، ولا يحتاج إلى تقدير غصب ولا أخذ ، ( قلت ) : لما فسر الطيبي الغلبة بالغصب يحتاج إلى هذا التقدير ليتضح المعنى . وقال التوربشتي شارح ( المصابيح ) : المعنى : لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم ، فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم ، قوله : ( الأعراب ) ، قال القرطبي : الأعراب : من كان من أهل البادية ، وإن لم يكن عربيا ، والعربي من ينسب إلى العرب ، ولو لم يسكن البادية . وقال ابن الأثير : الأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة ، والعرب اسم لهذا الجيل من الناس ، ولا واحد له من لفظه ، وسواء أقام بالبادية أو المدن ، والنسبة إليهما أعرابي وعربي ، قوله : " على اسم صلاتكم المغرب " ، كلمة على متعلقة بقوله : ( لا يغلبنكم ) ، والمغرب بالجر صفة للصلاة ، وهذه اللفظة ترد تفسير الأزهري : لا يغلبنكم الأعراب ، وهو الذي ذكرناه عنه ، عن قريب ، قوله : " قال وتقول الأعراب " ، قال الكرماني : أي قال عبد الله المزني ، وكان الأعراب يقولون ويريدون به المغرب ، فكان يشتبه ذلك على المسلمين بالعشاء الآخرة ، فنهى عن إطلاق العشاء على المغرب دفعا للالتباس .
وقال بعضهم : وقد جزم الكرماني بأنه فاعل قال هو عبد الله المزني راوي الحديث ويحتاج إلى نقل خاص لذلك ، وإلا فظاهر إيراد الإسماعيلي أنه من تتمة الحديث ، فإنه أورد بلفظ ، فإن الأعراب تسميها ، والأصل في مثل هذا أن يكون كلاما واحدا حتى يقوم دليل على إدراجه . قلت : لم يجزم الكرماني بذلك ، وإنما قال : قال عبد الله المزني : بناء على ظاهر الكلام ، فإنه فصل بين الكلامين بلفظ قال ، والظاهر أنه الراوي على أنه يحتمل أن تكون هذه اللفظة مطوية في رواية الإسماعيلي ، قوله : " هي العشاء " بكسر العين وبالمد ، وهو من المغرب إلى العتمة ، وقيل : من الزوال إلى طلوع الفجر ، واعلم أنه قد اختلف في لفظ المتن المذكور ، فرواه أحمد في ( مسنده ) وأبو نعيم في ( مستخرجه ) وابن خزيمة في ( صحيحه ) كرواية البخاري ، ورواه أبو مسعود الرازي ، عن عبد الصمد : لا يغلبنكم على اسم صلاتكم ، فإن الأعراب تسميها عتمة ، وكذا رواه علي بن عبد العزيز البغوي ، عن أبي معمر شيخ البخاري ، وأخرجه الطبراني كذلك ورجح الإسماعيلي رواية أبي مسعود الرازي ، لموافقته حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، الذي رواه مسلم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ،
عن ابن عمر بلفظ : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنها في كتاب الله العشاء وإنهم يعتمون بحلاب الإبل ، ولابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، ولأبي يعلى والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف كذلك .