باب الأذان بعد ذهاب الوقت
حدثنا عمران بن ميسرة قال : حدثنا محمد بن فضيل قال : حدثنا حصين ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه قال : سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال بعض القوم : لو عرست بنا يا رسول الله قال : أخاف أن تناموا عن الصلاة قال بلال : أنا أوقظكم فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس فقال : يا بلال أين ما قلت ؟ قال : ما ألقيت علي نومة مثلها قط قال : إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء ، يا بلال قم فأذن بالناس بالصلاة فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلى . مطابقته للترجمة في قوله : ( قم يا بلال فأذن ) . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : عمران بن ميسرة ضد الميمنة تقدم في باب رفع العلم .
الثاني : محمد بن فضيل بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة تقدم في باب صوم رمضان إيمانا . الثالث : حصين بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالنون ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي مات سنة ست وثلاثين ومائة . الرابع : عبد الله بن أبي قتادة تقدم في باب الاستنجاء باليمين .
الخامس : أبوه أبو قتادة واسمه الحارث بن ربعي بن بلدية الأنصاري رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين كوفي ومدني وفيه رواية الابن عن الأب وفيه أن شيخ البخاري من أفراده . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن محمد بن سلام ، عن هشيم ، وأخرجه أبو داود في الصلاة ، عن عمرو بن عون ، عن خالد بن عبد الله وعن هناد ، عن عبثر بن القاسم ، وأخرجه النسائي فيه ، عن هناد به وفي التفسير عن محمد بن كامل المروزي ، عن هشيم به .
( ذكر معناه ) ، قوله : ( سرنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة ) من سار يسير سيرا ، وفيه رواية عمران بن حصين : إنا أسرينا ، ويروى : سرينا ، وقد مضى الكلام فيه في باب الصعيد الطيب وضوء المسلم مستوفى ، وذكرنا أيضا أن هذه الليلة في أي سفرة كانت ، قوله : ( لو عرست بنا يا رسول الله ) جواب لو محذوف تقديره : لكان أسهل علينا أو هو للتمني ، وعرست بتشديد الراء من التعريس ، وهو نزول القوم في السفر آخر الليل للاستراحة ، قوله : ( أنا أوقظكم ) وفي رواية مسلم في حديث أبي هريرة ( فمن يوقظنا فقال بلال : أنا ) ، قوله : ( فاضطجعوا ) يجوز أن يكون بصيغة الماضي ويجوز أن يكون بصيغة الأمر ، قوله : ( إلى راحلته ) أي : إلى مركبه ، قوله : ( فغلبته عيناه ) أي : عينا بلال وفي رواية السرخسي : فغلبت بغير ضمير ، قوله : ( فنام ) أي : بلال ، قوله : ( فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس ) أي : طرفها وحواجب الشمس نواحيها ، وفي رواية مسلم : فكان أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره ، قوله : ( أين ما قلت ) ؟ يعني أين الوفاء بقولك أنا أوقظكم ، قوله : ( ما ألقيت ) على صيغة المجهول ، وقوله : ( نومة ) مفعول نائب عن الفاعل ، قوله : ( مثلها ) أي : مثل هذه النومة التي كانت في هذا الوقت ومثل لا يتعرف بالإضافة ولهذا وقع صفة للنكرة ، قوله : ( إن الله قبض أرواحكم ) الأرواح جمع روح يذكر ويؤنث وهو جوهر لطيف نوراني يكدره الغذاء والأشياء الردية الدنية مدرك للجزئيات والكليات حاصل في البدن متصرف فيه غنى عن الاغتذاء ، بريء عن التحلل والنماء ولهذا يبقى بعد فناء البدن إذ ليست له حاجة إلى البدن ، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر بل من عالم الملكوت ، فمن شأنه أن لا يضره خلل البدن ويلتذ بما يلائمه ويتألم بما ينافيه ، والدليل على ذلك قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ الآية وقوله صلى الله عليه وسلم : إذا وضع الميت على نعشه رفرف روحه فوق نعشه ويقول : يا أهلي ويا ولدي . ( فإن قلت ) : كيف يفسر الروح وقد قال تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ( قلت ) : معناه من الإبداعات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من أصل على أن السؤال كان عن قدمه وحدوثه وليس فيه ما ينافي جواز تفسيره ، ( فإن قلت ) : إذا قبض الروح يكون الشخص ميتا لكنه نائم لا ميت ( قلت ) : المعنى من قبض الروح هنا قطع تعلقه عن ظاهر البدن فقط ، والموت قطع تعلقه بالبدن ظاهرا وباطنا فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم : إن الله قبض أرواحكم مثل قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا قوله : ( حين شاء ) في الموضعين ليس لوقت واحد فإن نوم القوم لا يتفق غالبا في وقت واحد بل يتتابعون فيكون حين الأول : جزءا من أحيان متعددة ، قوله : ( قم فأذن ) بتشديد الذال من التأذين وفي رواية الكشميهني : ( فآذن ) بالمد ، ومعناه أعلم الناس بالصلاة ، قوله : ( فتوضأ ) أي النبي صلى الله عليه وسلم وزاد أبو نعيم في المستخرج : فتوضأ الناس ، قوله : ( وابياضت ) على وزن افعالت من الابيضاض وهذه الصيغة تدل على المبالغة يقال : ابيض الشيء إذا صار ذا بياض ثم إذا أرادوا المبالغة فيه ينقلونه إلى باب الافعيلال ، فيقولون : ابياض وكذلك احمر واحمار وقال بعضهم : وقيل : إنما يقال ذلك في كل لون بين لونين ، فأما الخالص من البياض مثلا فإنما يقال له أبيض . قلت : هذا القول صادر عمن ليس له ذوق من علم الصرف ولا اطلاع فيه ، قوله : ( قام فصلى ) ، وفي رواية أبي داود : فصلى بالناس .
( ذكر ما يستنبط منه ) : وهو على وجوه : الأول : فيه خروج الإمام بنفسه في الغزوات . الثاني : فيه جواز الالتماس من السادات فيما يتعلق بمصالحهم الدينية بل الدنيوية أيضا مما فيه الخير . الثالث : أن على الإمام أن يراعي المصالح الدينية .
الرابع : فيه جواز الاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها . الخامس : فيه جواز التزام خادم بمراقبة ذلك . السادس : فيه الأذان للفائتة ولأجله ترجم البخاري الباب واختلف العلماء فيه فقال أصحابنا : يؤذن للفائتة ويقيم ، واحتجوا في ذلك بحديث عمران بن حصين رواه أبو داود وغيره وفيه : ثم أمر مؤذنا فأذن فصلى ركعتين قبل الفجر ثم أقام ثم صلى الفجر ، وبه قال الشافعي في القديم وأحمد وأبو ثور وابن المنذر : وإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام وهو مخير في الباقي إن شاء أذن وأقام لكل صلاة من الفوائت ، وإن شاء اقتصر على الإقامة لما روى الترمذي ، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته يوم الخندق أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء .
فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك فمن أين التخيير ؟ قلت : جاء في رواية قضاهن صلى الله عليه وسلم بأذان وإقامة ، وفي رواية : بأذان وإقامة للأولى وإقامة لكل واحدة من البواقي ، ولهذا الاختلاف خيرنا في ذلك ، وفي التحفة وروي في غير رواية الأصول ، عن محمد بن الحسن : إذا فاتته صلوات تقضى الأولى بأذان وإقامة ، والباقي بالإقامة دون الأذان ، وقال الشافعي في الجديد : يقيم لهن ولا يؤذن ، وفي القديم : يؤذن للأولى ويقيم ويقتصر في البواقي على الإقامة ، وقال النووي في شرح المهذب : يقيم لكل واحدة بلا خلاف ولا يؤذن لغير الأولى منهن ، وفي الأولى ثلاثة أقوال في الأذان أصحها أنه يؤذن ولا يعتبر بتصحيح الرافعي منع الأذان . والأذان للأولى مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وقال ابن بطال : لم يذكر الأذان في الأولى عن مالك والشافعي ، وقال الثوري والأوزاعي وإسحاق : لا يؤذن لفائتة . السابع : فيه دليل على أن قضاء الفوائت بعذر ليس على الفور وهو الصحيح ولكن يستحب قضاؤها على الفور ، وحكى البغوي وجها عن الشافعي أنه على الفور ، وأما الفائتة بلا عذر فالأصح قضاؤها على الفور وقيل له التأخير كما في الأولى .
الثامن فيه : أن الفوائت لا تقضى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ، واختلف أصحابنا في قدر الوقت الذي تباح فيه الصلاة بعد الطلوع ، قال في الأصل : حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحين وقال أبو بكر محمد بن الفضل : ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس لا تباح فيه الصلاة فإن عجز عن النظر تباح . التاسع : فيه دليل على جواز قضاء الصلاة الفائتة بالجماعة . العاشر : احتج به المهلب على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح قال : لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا بمراقبة وقت صلاة غيرها وفيه نظر لا يخفى .
الحادي عشر : فيه دليل على قبول خبر الواحد واستدل به قوم على ذلك ، وقال ابن بزيزة : وليس هو بقاطع فيه لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول بلال بمجرده بل بعد النظر إلى الفجر لو استيقظ مثلا . الثاني عشر : استدل به مالك في عدم قضاء سنة الفجر وقال أشهب : سئل مالك هل ركع صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ؟ قال : ما بلغني وقال أشهب : بلغني أنه صلى الله عليه وسلم ركع ، وقال علي بن زياد ، وقال غير مالك : وهو أحب إلي أن يركع ، وهو قول الكوفيين والثوري والشافعي وقد قال مالك : إن أحب أن يركعهما من فاتته بعد طلوع الشمس فعل ، قلت : مذهب محمد بن الحسن إذا فاتته ركعتا الفجر يقضيهما إذا ارتفع النهار إلى وقت الزوال ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يقضيهما ، هذا إذا فاتت وحدها وإذا فاتت مع الفرض يقضي اتفاقا . الثالث عشر : فيه أقوى دليل لنا على عدم جواز الصلاة عند طلوع الشمس ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة حتى ابياضت الشمس ولورود النهي فيه أيضا .