باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر إقامة الصلاة
( باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر إقامة الصلاة ) أي هذا باب يذكر فيه كم بين الأذان والإقامة ، فحينئذ يكون باب منونا مرفوعا على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وقال بعضهم : أما باب فهو في روايتنا بلا تنوين . ( قلت ) : ليت شعري من هو الراوي له فهل هو ممن يعتمد عليه في تصرفه في التراكيب ؟ وهذا ليس لفظ الحديث حتى يقتصر فيه على المروي ، وإنما هو كلام البخاري ، فالذي له يد في تحقيق النظر في تراكيب الناس يتصرف فيه بأي وجه يأتي معه على قاعدة أهل النحو واصطلاح العلماء فيه ، وباب هنا منون ووجهه ما ذكرناه ومميز كم محذوف أي : كم ساعة ونحو ذلك . قوله : " والإقامة " أي : إقامة الصلاة .
قوله : " ومن ينتظر الإقامة " ليس بموجود في كثير من النسخ وعلى تقدير وجوده يكون عطفا على المقدر الذي قدرناه تقديره ، ويذكر فيه من ينتظر إقامة الصلاة . 20 - حدثنا إسحاق الواسطي قال : حدثنا خالد ، عن الجريري ، عن ابن بريدة ، عن عبد الله بن مغفل المزني ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بين كل أذانين صلاة ثلاثا لمن شاء . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن معنى قوله : " بين كل أذانين صلاة " بين الأذان والإقامة ، وقال بعضهم : ولعل البخاري أشار بذلك أي : بقوله : باب كم بين الأذان والإقامة إلى
ما روي عن جابر رضي الله عنه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال : اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمقتصر إذا دخل لقضاء حاجة " أخرجه الترمذي والحاكم لكن إسناده ضعيف.
( قلت ) : هذا كلام عجيب لأنه كيف يترجم بابا ويورد فيه حديثا صحيحا على شرطه ، ويشير بذلك إلى حديث ضعيف ، فأي شيء هنا يدل على هذه الإشارة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : إسحاق هو ابن شاهين الواسطي ، وفي الرواة إسحاق بن وهب العلاف الواسطي ، ولكن ليست له رواية عن خالد ، وإنما تميز إسحاق هاهنا من غيره من إسحاق الحنظلي وإسحاق بن نصر السعدي وإسحاق بن منصور الكوسج بقوله : الواسطي . الثاني : خالد بن عبد الله الطحان وقد تقدم .
الثالث : الجريري بضم الجيم وفتح الراء الأولى وسكون الياء آخر الحروف وبالراء المهملة هو سعيد بن إياس . الرابع : ابن بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة وهو عبد الله بن حصيب الأسلمي ، قاضي مرو ، مات بها . الخامس : عبد الله بن مغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء .
ج٥ / ص١٣٨( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه من الرواة الأولان واسطيان والاثنان بصريان ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده وأنه لم يذكره إلا بنسبته إلى بلده واسط . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن عبد الله بن يزيد المقري ، عن كهمس بن الحسن ، وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ووكيع كلاهما عن كهمس به ، وعن ابن أبي شيبة ، عن عبد الأعلى ، عن الجريري به ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن النفيلي ، عن إسماعيل بن علية ، عن الجريري به ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن هناد ، عن وكيع به ، وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن كهمس به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ووكيع به . ( ذكر معناه ) قوله : " بين كل أذانين " أي : الأذان والإقامة فهو من باب التغليب ، وقال الخطابي : حمل أحد الاسمين على الآخر شائع كقولهم : الأسودان للتمر والماء والأسود إنما هو أحدهما ، وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون الاسم لكل واحد منهما حقيقة لأن الأذان في اللغة الإعلام ، والأذان إعلام بحضور الوقت والإقامة إعلام بفعل الصلاة .
( قلت ) : الأذان إعلام الغائبين والإقامة إعلام الحاضرين ، وقيل : لا يجوز حمل هذا على ظاهره لأن الصلاة واجبة بين كل أذاني وقتين ، والحديث يخبر بالتخيير بقوله : " لمن شاء " . قوله : " صلاة " أي : وقت صلاة وموضعها . قوله : " ثلاثا " أي : قالها ثلاث مرات وتفسره الرواية التي تأتي بعد باب وهي قوله صلى الله عليه وسلم : " بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة - ثم قال في الثالثة : لمن شاء " وفي رواية مسلم والإسماعيلي : " قال في الرابعة : لمن شاء " وعند أبي داود : " قالها مرتين " وقال ابن الجوزي : فائدة هذا الحديث أنه يجوز أن يتوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أذن لها ، فبين أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز الصلاة بين كل أذانين يعني بين الإقامة والأذان ، والحاصل أن الوصل بينهما مكروه لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا للصلاة بالطهارة فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة ، وبالوصل ينتفي هذا المقصود ، ثم اختلف أصحابنا في حد الفصل ، فذكر التمرتاشي في جامعه أن المؤذن يقعد مقدار ركعتين أو أربع أو مقدار ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والحاقن من قضاء حاجته ، وقيل : مقدار ما يقرأ عشر آيات ثم يثوب ثم يقيم كذا في المجتبى وفي شرح الطحاوي ، يفصل بينهما مقدار ركعتين يقرأ في كل ركعة نحوا من عشر آيات وينتظر المؤذن للناس ويقيم للضعيف المستعجل ولا ينتظر رئيس المحلة وكبيرها ، وهذا كله إلا في صلاة المغرب عند أبي حنيفة ؛ لأن تأخيرها مكروه ، فيكتفى بأدنى الفصل وهو سكتة يسكت قائما ساعة ثم يقيم . ( فإن قلت ) : ما مقدار السكتة عنده ؟ ( قلت ) : قدر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة ، وروي عن أبي حنيفة مقدار ما يخطو ثلاث خطوات ، وقال أبو يوسف ومحمد : يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين ، ومذهب الشافعي ما ذكره النووي ، فإنه قال : يستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها فصلا يسيرا بقعدة أو سكوت أو نحوهما ، وهذا لا خلاف فيه عندنا ، ونقل صاحب الهداية عن الشافعي أنه يفصل بركعتين اعتبارا بسائر الصلوات ، وفيه نظر ، وقال أحمد : يفصل بينهما بصلاة ركعتين في المغرب اعتبارا بسائر الصلوات واحتج بالحديث المذكور . ( قلت ) : روى الدارقطني ثم البيهقي في سننيهما عن حبان بن عبد الله العدوي ، حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عند كل أذانين ركعتين إلا المغرب " .
( فإن قلت ) : ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات ونقل عن الفلاس أنه قال : كان حبان هذا كذابا . ( قلت ) : الحديث رواه البزار في مسنده فقال : لا نعلم من رواه عن ابن بريدة إلا حبان بن عبد الله وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس به .