باب هل يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت في الأذان
( باب هل يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت في الأذان ) أي هذا باب يذكر فيه هل يتبع المؤذن إلى آخره . قوله : " يتبع " بضم الياء آخر الحروف وإسكان التاء المثناة من فوق ج٥ / ص١٤٧وكسر الباء الموحدة من الإتباع وهو رواية الأصيلي والمؤذن مرفوع ؛ لأنه فاعل يتبع ، وفاه منصوب على أنه مفعول ، وفي رواية غيره يتتبع بفتح الياء وبالتائين المثناتين من فوق ، والباء الموحدة المفتوحة من التتبع من باب التفعل ، وقد تكلف الكرماني وقال : لفظ المؤذن بالنصب موافق لقوله : " فجعلت أتتبع فاه " . ( فإن قلت ) : ما فاعله ؟ ( قلت ) : الشخص .
( فإن قلت ) : فما وجه نصب فاه ؟ ( قلت ) : بدل عن المؤذن . انتهى . ( قلت ) : الموافقة التي ذكرها ليست بلازمة ، فجعل غير اللازم لازما تعسف .
قوله : " هاهنا وهاهنا " يعني يمينا وشمالا وهما ظرفا مكان ، وفي ( صحيح مسلم ) من حديث أبي جحيفة : " فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا ، يقول يمينا وشمالا : حي على الصلاة حي على الفلاح " وعند أبي داود : " فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر " وعند النسائي : " فجعل يقول في أذانه هكذا ينحرف يمينا وشمالا " ، وعند الطبراني : " فجعل يقول برأسه هكذا وهكذا يمينا وشمالا حتى فرغ من أذانه "
وعند الترمذي مصححا من حديث عبد الرزاق : حدثنا سفيان ، عن عون ، عن أبيه قال : " رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتتبع فاه يمينا وشمالا هاهنا وهاهنا" وفي رواية أبي عوانة في صحيحه : " فجعل يتبع بفيه يمينا وشمالا " وفي رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيلي : " رأيت بلالا يؤذن يتتبع بفيه " ووصف سفيان يميل برأسه يمينا وشمالا ، والحاصل أن بلالا كان يتتبع بفيه الناحيتين ، وكان أبو جحيفة ينظر إليه ، فكل منهما متتبع باعتبار قوله : " وهل يلتفت " أي : هل يلتفت المؤذن في الأذان ؟ نعم يلتفت ، يدل عليه رواية الإسماعيلي المذكورة ورواية أبي داود أيضا تدل عليه ، والمراد من الالتفات أن يلوي عنقه ولا يحول صدره عن القبلة ولا يزيل قدميه عن مكانهما ، وسواء المنارة وغيرها ، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية ، وقال ابن سيرين : يكره الالتفات وهو قول مالك إلا أن يريد إسماع الناس ، وقال صاحب التوضيح من الشافعية : الالتفات في الحيعلتين سنة ليعم الناس بإسماعه وخص بذلك لأنه دعاء . وفي وجه يلتفت يمينا وشمالا فيحيعل ثم يستقبل ثم يلتفت فيحيعل ، وكذلك الشمال قال : ويلتفت في الإقامة أيضا على الأصح ثم ذكر أبو داود في روايته ولم يستدر ، وتمامه قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا قيس يعني ابن الربيع ، وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري ، حدثنا وكيع ، عن سفيان جميعا ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو في قبة حمراء من أدم ، فخرج بلال فأذن ، فكنت أتتبع فمه هاهنا وهاهنا ، قال : ثم خرج النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري " . وقال موسى : قال : " رأيت بلالا خرج إلى الأبطح فأذن ، فلما بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح لوى عنقه يمينا وشمالا ، ولم يستدر ، ثم دخل فأخرج العنزة " وساق حديثه ،
وأخرج الترمذي مصححا من حديث عبد الرزاق ، حدثنا سفيان ، عن عون ، عن أبيه قال : " رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتتبع فاه هاهنا وهاهنا" وفي رواية ابن ماجه قال " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وهو في قبة حمراء ، فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه ، وجعل أصبعيه في أذنيه "
واعترض البيهقي فقال : الاستدارة في الأذان ليست في الطرق الصحيحة في حديث أبي جحيفة ، ونحن نتوهم أن سفيان رواه عن الحجاج بن أرطاة عن عون والحجاج غير محتج به ، وعبد الرزاق وهم في إدراجه ثم أسند عن عبد الله بن محمد بن الوليد ، عن سفيان به ، وليس فيه الاستدارة ، وقد رويناه من وقال الشيخ في الإمام : أما كونه غير مخرج في الصحيح فليس بلازم ، وقد صححه الترمذي وهو من أئمة الشأن ، وأما عبد الرزاق وهم فيه فقد تابعه مؤمل كما أخرجه أبو عوانة في ( صحيحه ) عن مؤمل عن سفيان به نحوه وتابعه أيضا عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أبو نعيم في ( مستخرجه ) على كتاب البخاري، وقد جاءت الاستدارة من غير جهة الحجاج ، أخرجه الطبراني عن زياد بن عبد الله ، عن إدريس الأزدي ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : " بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحضرت الصلاة ، فقام بلال فأذن وجعل أصبعيه في أذنيه وجعل يستدير يمينا وشمالا " وفي ( سنن الدارقطني ) من حديث كامل بن أبي العلاء ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه .
( ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه ) ( وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه ) ذكر هذا التعليق بصيغة التصحيح فكأن ميله إليه ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع حدثنا سفيان عن نسير قال : رأيت ابن عمر يؤذن على بعير ، قال سفيان : فقلت له : رأيته يجعل أصابعه في أذنيه ، قال : لا ، ونسير بضم النون وفتح السين المهملة ، ابن ذعلوق بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة وضم اللام وفي آخره قاف أبو طعمة .
( وقال إبراهيم : لا بأس أن يؤذن على غير وضوء ) ( وقال عطاء : الوضوء حق وسنة ) أي عطاء بن أبي رباح . قوله : " حق " أي : ثابت في الشرع .
قوله : " وسنة " أي : وسنة للشرع ، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قال لي عطاء : حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن المؤذن إلا متوضئا هو من الصلاة هو فاتحة الصلاة ، وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن محمد بن عبد الله الأسدي ، عن معقل بن عبيد الله ، عن عطاء أنه كره أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء ، وقد جاءت هذه اللفظة مرفوعة
وذكرها أبو الشيخ عن ابن أبي عاصم ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن معاوية ، عن يحيى ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يؤذن ج٥ / ص١٤٩إلا متوضئ " وقال البيهقي : كذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف ، والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري مرسلا ، ولما ذكر الترمذي قال : هذا أصح - يعني من الحديث المرفوع الذي عنده - من حديث الزهري ، عن أبي هريرة، وعند أبي الشيخ من حديث عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه قال : حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو طاهر ، وقاله علي بن عبد الله بن عباس ، ورواه عن أبيه أيضا مرفوعا ، وعند ابن أبي شيبة أمر مجاهد مؤذنه أنه لا يؤذن حتى يتوضأ . ( وقالت عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ) هذا التعليق وصله مسلم من حديث عبد الله البهي عنها ، وقال فيه الترمذي : حسن غريب . ( فإن قلت ) : ذكر البخاري هنا عن بلال وابن عمر وإبراهيم وعطاء وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، فما وجه ذلك في هذا الباب ؟ وليس في الترجمة ما يشتمل على شيء من ذلك .
( قلت ) : إنه لما ترجم هذا الباب بما ترجم به وذكر فيه الاستفهام في موضعين ولم يجزم بشيء فيهما لأجل الاختلاف الذي ذكرناه فيهما أشار بالخلاف الذي بين بلال وابن عمر رضي الله تعالى عنهم إلى أن هذا الذي شاهد بلالا حين يتبعه فاه رآه بالضرورة أنه جعل إصبعيه في أذنيه ، والذي شاهد ابن عمر لم ير منه ذلك ، فكان لذكر ذلك في هذا الباب وجه من هذه الحيثية ، ثم أشار بالخلاف الذي بين إبراهيم وعطاء إلى أن هذا المؤذن الذي يتبع فاه أو غيره يتبع فاه كيف حاله ، أهو في الطهارة أم لا ؟ وهو أيضا وجه ما من هذه الحيثية ، فوجدت المناسبة في ذكر هذين الشيئين ، وأدنى المناسبة كاف لأن المقام إقناعي غير برهاني ، وأما وجه ذكر ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها هاهنا فهو لبيان عدم صحة إلحاق الأذان بالصلاة ، فإن منهم من شرط فيه الطهارة ، وذكر أن حكمه مخالف لحكم الصلاة لأنه من جملة الأذكار ، فلا تشترط فيه الطهارة كما لا تشترط في سائر الأذكار ، وأشار إلى ذلك بحديث عائشة المذكور لأن قولها على كل أحيانه متناول لحين الحدث ، وأشار بهذا أيضا إلى أن قوله في ذلك هو مثل قول النخعي وهو قول أصحابنا أيضا كما ذكرناه .