باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار
( باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار ) ( وقال : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ، قاله أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ) 32 - حدثنا آدم قال : حدثنا ابن أبي ذئب قال : حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا .
مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة قد ذكروا غير مرة ، وأخرجه من طريقين : الأول : عن آدم بن أبي إياس ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة . الثاني : عن آدم أيضا ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في سبعة مواضع ، وفيه أن الزهري حدث عن شيخين عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ، وقد جمع البخاري بينهما في باب المشي إلى الجمعة عن آدم فقال فيه : عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة ، وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عنهما ، والترمذي أخرجه من طريق يزيد بن زريع ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن أبي سلمة وحده ، ومن طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد وحده ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه عسقلاني . ( ذكر معناه ) قوله : " إذا سمعتم الإقامة " أي : إقامة الصلاة إنما ذكر الإقامة تنبيها على ما سواها لأنه إذا نهى عن إتيانها مسرعا في حال الإقامة مع خوف فوت بعضها فقبل الإقامة أولى ، ويقال : الحكمة في التقييد بالإقامة أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها ، وقد انبهر فيقرأ في تلك الحالة فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره بخلاف من جاء قبل ذلك ، فإن الصلاة قد لا تقام حتى يستريح . قوله : " فعليكم بالسكينة " كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره " وعليكم السكينة " بالنصب بلا باء ، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس ، وضبطها القرطبي الشارح بالنصب على الإغراء ، وضبطها النووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال ، وقيل : دخول الباء لا وجه له لأنه متعد بنفسه كما في قوله تعالى : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ورد بأنها زائدة للتأكيد ولم تدخل للتعدية ، وجاء في الأحاديث كثير من ذلك نحو " عليكم برخصة الله تعالى " ، " فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ، " وعليكم بقيام الليل " ونحو ذلك ، وقال بعضهم : ثم إن الذي علل بقوله لأنه متعد بنفسه غير موف بمقصوده إذ لا يلزم من كونه يتعدى بنفسه امتناع تعديته بالباء .
انتهى . ( قلت ) : هذا القائل لم يشم شيئا من علم التصريف ونفى الملازمة غير صحيح . قوله : " والوقار " قال عياض والقرطبي : وهو بمعنى السكينة وذكر على سبيل التأكيد ، وقال النووي : السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ، والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات .
قوله : " ولا تسرعوا " فيه زيادة تأكيد ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وإن كان معناه يشعر بالإسراع لأن المراد بالسعي الذهاب يقال : سعيت إلى كذا ، أي : ذهبت إليه ، والسعي أيضا جاء بمعنى العمل وبمعنى القصد والحكمة في منع الإسراع أنه ينافي الخشوع ، وتركه أيضا يستلزم كثرة الخطى ، وهو أمر مندوب مطلوب وردت فيه أحاديث منها : حديث مسلم رواه عن جابر " إن بكل خطوة درجة " . قوله : " فما أدركتم " الفاء فيه جزاء شرط محذوف أي : إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا . قوله : " وما فاتكم فأتموا " أي : أكملوا وقد بينا اختلاف الألفاظ فيه في الباب السابق .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الدلالة على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله : " فما أدركتم فصلوا " ولم يفصل بين القليل والكثير . وفيه استحباب الدخول مع الإمام في أي : حالة وجده عليها . وفيه الحث على التأني والوقار عند الذهاب إلى الصلاة ، ومنه استدل قوم على أن من أدرك الإمام راكعا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته وقد فاته القيام والقراءة فيه ، وهو أيضا مذهب من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام ، وهو قول أبي هريرة أيضا واختاره ابن ج٥ / ص١٥٣خزيمة ، وعند أصحابنا ، وهو قول الجمهور أنه يكون مدركا لتلك الركعة لحديث أبي بكرة حيث ركع دون الصف فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : " زادك الله حرصا ولا تعد " ولم يأمره بإعادة تلك الركعة ، وروى أبو داود من حديث معاوية ابن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تبادروني بركوع ولا سجود فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت ، وإني قد بدنت " وهذا يدل على أن المقتدي إذا لحق الإمام وهو في الركوع ، فلو شرع معه ما لم يرفع رأسه يصير مدركا لتلك الركعة ، فإذا شرع وقد رفع رأسه لا يكون مدركا لتلك الركعة ، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحقه الإمام قبل قيامه يجوز عندنا خلافا لزفر رحمه الله .