حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب احتساب الآثار

( وقال ابن أبي مريم : قال : أخبرنا يحيى بن أيوب قال : حدثني حميد قال : حدثني أنس ، أن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم فينزلوا قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم قال : فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعروا المدينة فقال : ألا تحتسبون آثاركم ؟ قال مجاهد : خطاهم آثارهم أن يمشى في الأرض بأرجلهم ) مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله تقدموا ، وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم المصري ، ويحيى بن أيوب الغافقي المصري . قوله : " وحدثنا ابن أبي مريم " هكذا هو في رواية أبي ذر وحده ، وفي رواية الباقين : وقال ابن أبي مريم ، وقال صاحب التلويح : وقال ابن أبي مريم ، ثم قال : هكذا ذكر هذا الحديث معلقا ، وكذا ذكره أيضا صاحب الأطراف قال : والذي رأيت في كثير من نسخ البخاري ، وحدثنا ابن أبي مريم وقال أبو نعيم في المستخرج : كذا ذكره البخاري بلا رواية ، يعني معلقا ، وقال بعضهم : هذا هو الصواب . ( قلت ) : هذه دعوى بلا دليل .

قوله : " عن أنس " هكذا هو في رواية أبي ذر وحده ، وفي رواية الباقين : حدثنا أنس ، وكذا ذكره أبو نعيم أيضا . قوله : " فينزلوا قريبا " أي : منزلا قريبا من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأن ديارهم كانت بعيدة عن المسجد ، وقد صرح بذلك في رواية مسلم من حديث جابر بن عبد الله يقول : كانت ديارنا بعيدة من المسجد ، فأردنا أن نبتاع بيوتنا فنتقرب من المسجد ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن لكم بكل خطوة درجة " ، وفي مسند السراج من طريق أبي نضرة عن جابر " أرادوا أن يتقربوا من أجل الصلاة " ، وفي رواية ابن مردويه من طريق أخرى ، عن أبي نضرة عنه قال : " كانت منازلنا بسلع " . ( فإن قلت ) : في الاستسقاء من حديث أنس " وما بيننا وبين سلع من دار " فهذا يعارضه .

( قلت ) : لا تعارض لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سلع ، وبين سلع والمسجد قدر ميل . قوله : " أن يعروا المدينة " ، وفي رواية الكشميهني " أن يعروا منازلهم " وهو بضم الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة أي : يتركوها عراء أي : فضاء خالية ، قال عز وجل : فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ أي : بموضع خال ، قال ابن سيده : هو المكان الذي لا يستتر فيه شيء ، وقيل : الأرض الواسعة ، وجمعه أعراء ، وفي الغريبين الممدود المتسع من الأرض ، قيل له ذلك لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه ، والعرا مقصورا الناحية ، ووجه كراهة النبي عليه الصلاة والسلام في منعهم من القرب من المسجد هو أنه أراد أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنيها . قوله : " وقال مجاهد : خطاهم آثار المشي في الأرض بأرجلهم " كذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية الباقين ، وقال مجاهد : وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ قال : خطاهم ، وهكذا وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه ، قال في قوله : وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا قال : أعمالهم ، وفي قوله : وَآثَارَهُمْ قال : خطاهم ، وأشار البخاري ج٥ / ص١٧٤بهذا التعليق إلى أن قصة بني سلمة كانت سبب نزول هذه الآية ، وقد ورد مصرحا به من طريق سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أخرجه ابن ماجه ، وقد ذكرناه عن قريب .

( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الدلالة على كثرة الأجر لكثرة الخطى في المشي إلى المسجد ، وسئل أبو عبد الله بن لبابة عن الذي يدع مسجده ويصلي في المسجد الجامع للفضل في كثرة الناس ، قال : لا يدع مسجده وإنما فضل المسجد الجامع للجمعة فقط ، وعن أنس بن مالك أنه كان يجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة وفعله مجاهد وأبو وائل ، وأما الحسن فسئل : أيدع الرجل مسجد قومه ويأتي غيره ؟ فقال : كانوا يحبون أن يكثر الرجل قومه بنفسه ، وقال القرطبي : وهذه الأحاديث تدل على أن البعد من المسجد أفضل ، فلو كان بجوار المسجد فهل له أن يجاوزه للأبعد ، فكرهه الحسن ، قال : وهو مذهبنا ، وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان واختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد ، وقارب الخطى بحيث يساوي خطاه من داره بعيدة هل يساويه في الفضل أو لا ، وإلى المساواة مال الطبري . ( فإن قلت ) : روى ابن أبي شيبة من طريق أنس قال : " مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فقارب بين الخطى وقال : أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد " . ( قلت ) : لا يلزم منه المساواة في الفضل وإن دل على أن في كثرة الخطى فضيلة لأن ثواب الخطى الشاقة ليست كثواب الخطى السهلة ، واستنبط بعضهم من الحديث استحباب قصد المسجد البعيد ، ولو كان بجنبه مسجد قريب ، فقيل هذا إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب ، وإلا فإحياؤه بذكر الله أولى ، ثم إذا كان إمام القريب مبتدعا أو لحانا في القراءة أو قومه يكرهونه ، فله أن يتركه ويذهب إلى البعيد وكذا إذا كان إمام البعيد بهذه الصفة ، وفي رواحه إليه ليس هجر القريب له أن يترك البعيد ويصلي في القريب .

وفيه أن أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات . وفيه استحباب السكنى بقرب المسجد إلا لمن حصلت منه منفعة أخرى أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي ما لم يكلف نفسه ، والدليل على ذلك أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي علموه منه ، فما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك ، وإنما كره ذلك لدرء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة كما ذكرناه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث