باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة
حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني أنس بن مالك الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا ، فجحش شقه الأيمن ، قال أنس رضي الله عنه : فصلى لنا يومئذ صلاة من الصلوات وهو قاعد ، فصلينا وراءه قعودا ، ثم قال لما سلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا ولك الحمد . هذا الحديث أخرجه البخاري في باب : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، وبينهما تفاوت في بعض الألفاظ ، فهناك : ركب فرسا فصرع عنه فجحش ، وهناك بعد قوله : وراءه قعودا فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ، وليس هناك ، وإذا سجد فاسجدوا ، وفي آخره هناك : وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون وفي نفس الأمر هذا الحديث والذي بعده في ذلك الباب حديث واحد ، فالكل من حديث الزهري ، عن أنس رضي الله تعالى عنه . فإذا كان الأمر كذلك ففي الحديث الذي يتلوه : وإذا كبر فكبروا ، وهو مقدر أيضا في هذا الحديث ؛ لأن قوله : إذا ركع فاركعوا يستدعي سبق التكبير بلا شك ، والمقدر كالملفوظ ، فحينئذ يظهر التطابق بين ترجمة الباب ، وبين هذين الحديثين ؛ لأن الأمر بالتكبير صريح في أحدهما مقدر في الآخر ، والأمر به للوجوب ، فدل على الجزء الأول من الترجمة ، وهو قوله : باب إيجاب التكبير .
وأما دلالته على الجزء الثاني ، وهو قوله : وافتتاح الصلاة فبطريق اللزوم ؛ لأن التكبير في أول الصلاة لا يكون إلا عند افتتاحها ، وافتتاحها هو الشروع فيها ، فإذا أمعنت النظر فيما قلت عرفت أن اعتراض الإسماعيلي على البخاري هاهنا ليس بشيء ، وهو قوله : ليس في حديث شعيب ذكر التكبير ، ولا ذكر الافتتاح . ومع هذا فحديث الليث الذي ذكره إنما فيه : إذا كبر فكبروا ليس فيه بيان إيجاب التكبير ، وإنما فيه بيان إيجاب التي يكبرون بها لا يسبقون إمامهم بها ، ولو كان ذلك إيجابا للتكبير بهذا اللفظ لكان قوله : وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا ولك الحمد إيجابا لهذا القول على المؤتم انتهى . وقد قلنا : إن هذه الأحاديث الثلاثة في حكم حديث واحد ، وقد بينا وجهه ، وأنه يدل على وجوب التكبير ، وبطريق اللزوم يدل على افتتاح الصلاة ، وقوله : وليس فيه بيان إيجاب التكبير ممنوع ، وكيف لا يدل وقد أمر به – صلى الله عليه وسلم - ، وعن هذا قال ابن التين ، وابن بطال : تكبيرة الإحرام واجبة بهذا اللفظ ، أعني بقوله : فكبروا ؛ لأنه ذكر تكبيرة الإحرام دون غيرها من سائر التكبيرات ، والأمر للوجوب ، وقوله : ولو كان ذلك إيجابا إلى آخره قياس غير صحيح ؛ لأن التحميد غير واجب على المؤتم بالإجماع ، ولا يضر ذلك إيجاب الظاهرية إياه على المؤتم ؛ لأن خلافهم لا يعتبر ، ولئن سلمنا ذلك فيمكن أن يكون البخاري أيضا قائلا بوجوب التحميد ، كما يوجبه الظاهرية .
فإن ( قلت ) : روي عن الحميدي أنه قال بوجوبه ( قلت ) : يحتمل أنه لم يكن اطلع على كون الإجماع فيه على عدم الوجوب ، وعرفت أيضا أن قول صاحب ( التلويح ) : وافتتاح الصلاة ليس في ظاهر الحديث ما يدل عليه ليس بشيء أيضا ؛ لأنه نظر إلى الظاهر ، ولو غاص فيما غصناه لم يقل بذلك ، والكرماني أيضا تصرف وتكلف هنا ، ثم توقف ، فاستشكل دلالته على الترجمة حيث قال أولا : الحديث دل على الجزء الثاني من الترجمة ؛ لأن لفظ إذا صلى قائما يتناول لكون الافتتاح في حال القيام ، فكأنه قال : إذا افتتح الإمام الصلاة قائما فافتتحوا أنتم أيضا قياما ، إلا أن تكون الواو بمعنى مع ، والغرض بيان إيجاب التكبير عند افتتاح الصلاة ، يعني لا يقوم مقامه التسبيح والتهليل ، فحينئذ دلالته على الترجمة مشكل ، انتهى . ( قلت ) : قوله : والغرض إلى آخره غير صحيح ؛ لأن الغرض ليس ما قاله ، بل الغرض بيان وجوب نفس تكبيرة الإحرام للوجه الذي ذكرنا ، خلافا لمن نفى وجوبها ، ثم قال الكرماني : وقد يقال : عادة البخاري أنه إذا كان في الباب حديث دال على الترجمة يذكره ، وبتبعيته يذكر أيضا ما يناسبه ، وإن لم يتعلق بالترجمة انتهى . ( قلت ) : هذا جواب عاجز عن توجيه الكلام على ما لا يخفى .
ثم اعلم أنا قد تكلمنا على ما يتعلق بهذا الحديث مستقصى في باب : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، وشيخ البخاري أبو اليمان ، هو الحكم بن نافع البهراني الحمصي ، وشعيب هو ابن أبي حمزة ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب . ( ومن لطائف إسناده ) أنه من رباعيات البخاري ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبلفظ الإخبار في موضع بصيغة الجمع ، وفي موضع بصيغة الإفراد ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه رواية حمصيين ومدنيين .