حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة

حدثنا موسى قال : حدثنا عبد الواحد ، قال : حدثنا الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر قال : قلنا لخباب : أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر ؟ قال : نعم ، قلنا : بم كنتم تعرفون ذاك ؟ قال : باضطراب لحيته . مطابقته للترجمة في قوله : باضطراب لحيته ، وذلك لأنهم كانوا يراقبونه في الصلاة حتى كانوا يرون اضطراب لحيته من جنبيه . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري أبو سلمة التبوذكي ، وقد تكرر ذكره .

الثاني : عبد الواحد بن زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف . الثالث : سليمان الأعمش . الرابع : عمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن عمير تصغير عمر ، التيمي بن تيم الله الكوفي .

الخامس : أبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن سخبرة بفتح السين المهملة ، وسكون الخاء المعجمة ، وفتح الباء الموحدة ، وبالراء الأزدي . السادس : خباب بفتح الخاء المعجمة ، وتشديد الباء الموحدة ، وفي آخره باء أخرى ابن الأرت بفتح الهمزة وبالراء ، وتشديد التاء المثناة من فوق أبو عبد الله التيمي ، لحقه سبي في الجاهلية ، فاشترته امرأة خزاعية ، فأعتقته ، وهو من السابقين إلى الإسلام ، سادس ستة المعذبين في الله على إسلامهم ، شهد المشاهد ، وروي له اثنان وثلاثون حديثا ، وللبخاري خمسة ، مات سنة سبع وثلاثين بالكوفة ، وهو أول من صلى عليه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه منصرفة من صفين . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في أربعة مواضع بصيغة الإفراد من الماضي ، وبصيغة الجمع في موضع ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي ، وفيه عن عمارة ، وفي رواية حفص بن غياث ، عن الأعمش حدثنا عمارة .

( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة ، عن محمد بن يوسف ، عن سفيان الثوري ، وعن عمر بن حفص ، عن أبيه ، وعن قتيبة ، عن جرير ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، عن عبد الواحد ، وأخرجه النسائي فيه عن هناد بن السري ، عن أبي معاوية ، وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن علي بن محمد ، عن وكيع ستتهم عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير عنه به . ( ذكر معناه ) قوله : أكان الهمزة فيه للاستفهام والاستخبار ، قوله : يقرأ قال الكرماني : يقرأ أي غير الفاتحة ؛ إذ لا شك في قراءتها . ( قلت ) : هذا تحكم ولا دليل عليه ، فظاهر الكلام أن سؤالهم عن خباب عن قراءة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الظهر والعصر ، عن مطلق القراءة ؛ لأنهم ربما كانوا يظنون أن لا قراءة فيهما لعدم جهر القراءة فيهما ، ألا ترى ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الوارث ، عن موسى بن سالم ، حدثنا عبد الله بن عبيد الله ، قال : دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم ، فقلنا لشاب : سل ابن عباس أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر ؟ فقال : لا لا ، فقيل له : إن ناسا يقرؤون في الظهر والعصر ، فقال : فلعله كان يقرأ في نفسه ، فقال خمشا هذه شر من الأولى ، كان عبدا مأمورا بلغ ما أرسل به الحديث .

وروى الطحاوي من حديث عكرمة : عن ابن عباس أنه قيل له : إن ناسا يقرؤون في الظهر والعصر ؟ فقال : لو كان لي عليهم سبيل لقلعت ألسنتهم ، إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ ، وكانت قراءته لنا قراءة ، وسكوته لنا سكوتا ، وأخرجه البزار عن عكرمة : أن رجلا سأل ابن عباس عن القراءة في الظهر والعصر ، فقال : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلوات فنقرأ فيما قرأ فيه ، ونسكت فيما سكت ، فقلت : كان يقرأ في نفسه فغضب ، وقال : أتتهمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم – . وأخرجه أحمد ، ولفظه عن عكرمة قال : قال ابن عباس : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أمر أن يقرأ فيه ، وسكت فيما أمر أن يسكت فيه ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا و لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وإلى هذه الأحاديث ذهب قوم ، منهم : سويد بن غفلة ، والحسن بن صالح ، وإبراهيم بن علية ، ومالك في رواية ، وقالوا : لا قراءة في الظهر والعصر أصلا . ( قلت ) : فإذا كان الأمر كذلك كيف يقول الكرماني : يقرأ : أي غير الفاتحة ، ويأتي بالتقييد في موضع الإطلاق من غير دليل يقوم به ، ولكن لا بدع في هذا منه ؛ فإنه لم يطلع على أحاديث هذا الباب ، ولا على اختلاف السلف فيه ، وقصده مجرد تمشية مذهبه ؛ نصرة لإمامه من غير برهان ، ونذكر عن قريب الكلام فيه مستوفى .

قوله : قال : نعم : أي نعم كان يقرأ ، قوله : فقلنا بالفاء العاطفة ، ويروى قلنا بدون الفاء قوله : بم كنتم أصله بما ، فحذفت الألف تخفيفا ، قوله : تعرفون ذلك ، ويروى ذاك ، وفي رواية الطحاوي : بأي شيء كنتم تعرفون ذلك ، وفي لفظ للبخاري : بأي شيء كنتم تعلمون قراءته ، وفي رواية ابن أبي شيبة : بأي شيء كنتم تعرفون قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – . قوله : باضطراب لحيته بكسر اللام : أي بحركتها ، وقد جاء في بعض الروايات : لحييه بفتح اللام وبالياءين أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة وهي تثنية لحي بفتح اللام وسكون الحاء ، وهو منبت اللحية من الإنسان ، وفي المحكم : اللحية اسم لجمع من الشعر ما ينبت على الخدين والذقن ، واللحي الذي ينبت عليه العارض ، والجمع ألح ولحى وألحاء ، وفي الجامع للقزاز يقال : لحية بكسر اللام ، ولحية بفتح اللام ، والجمع لحى ولحى . ( ذكر ما يستفاد منه ) استدل بالحديث المذكور على وجوب القراءة في الظهر والعصر ، قال الطحاوي رحمه الله بعد أن روى هذا الحديث : فلم يكن في هذا دليل عندنا على أنه قد كان يقرأ فيهما ؛ لأنه قد يجوز أن تضطرب لحيته بتسبيح يسبحه ، أو دعاء ، ولكن الذي حقق القراءة منه في هاتين الصلاتين ما قد رويناه من الآثار التي في الفصل الذي قبل هذا .

( قلت ) : أراد بها ما رواه عن أبي قتادة ، وأبي سعيد الخدري ، وجابر بن سمرة ، وعمران بن حصين ، وأبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وعلي . أما حديث أبي قتادة فأخرجه البخاري على ما يأتي عن قريب ، وكذلك حديث جابر بن سمرة . وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه مسلم عنه : أن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية ، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية - أو قال : نصف ذلك - وفي العصر الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية ، وفي الأخريين قدر نصف ذلك .

وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه مسلم عنه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر ، فجعل رجل يقرأ ب﴿سبح اسم ربك الأعلى ، فلما انصرف قال : أيكم قرأ ، أو أيكم القارئ ؟ قال رجل : أنا قال قد علمت أن بعضكم خالجنيها : أي نازعني قراءتها . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي ، عن عطاء قال : قال أبو هريرة : كل صلاة يقرأ فيها فما أسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم . وأما حديث أنس فأخرجه النسائي من حديث عبد الله بن عبيد قال : سمعت أبا بكر بن النضر قال : كنا بالطف عند أنس ، فصلى بهم الظهر ، فلما فرغ قال : إني صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين ب﴿سبح اسم ربك الأعلى ، وب﴿هل أتاك حديث الغاشية ، وهذه الأحاديث قد حققت القراءة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر ، وانتفى ما روي عن ابن عباس الذي ذكرناه عن قريب ؛ لأن غيره من الصحابة قد تحققوا قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر .

وقال الخطابي في جواب هذا : إنه وهم من ابن عباس ؛ لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ في الظهر والعصر من طرق كثيرة ، كحديث قتادة وخباب بن الأرت وغيرهما . ( قلت ) : عندي جواب أحسن من هذا مع رعاية الأدب في حق ابن عباس ، وهو أن ابن عباس استند في هذا أولا على قوله تعالى : أَقِيمُوا الصَّلاةَ وهو مجمل ، بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله ، ثم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي ، والمروي هو الأفعال دون الأقوال ، فكانت الصلاة اسما للفعل في حق الظهر والعصر ، والفعل والقول في حق غيرهما ، ولم يبلغ ابن عباس قراءته – صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر ، فلذلك قال في جوابه : عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب ، فلما بلغه خبر قراءته – صلى الله عليه وسلم - فيهما ، وثبت عنده رجع عن ذلك القول ، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، حدثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن الحسن العرني ، عن ابن عباس : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر . ( ومما يستفاد منه ) ما ترجم عليه البخاري وهو رفع البصر إلى الإمام ، وقد اختلف العلماء في ذلك أعني في رفع البصر إلى أي موضع في صلاته ، فقال أصحابنا ، والشافعي ، وأبو ثور : إلى موضع سجوده ، وروي ذلك عن إبراهيم ، وابن سيرين ، وفي التوضيح : واستثنى بعض أصحابنا إذا كان مشاهدا للكعبة فإنه ينظر إليها ، وقال القاضي حسين : ينظر إلى موضع سجوده في حال قيامه ، وإلى قدميه في ركوعه ، وإلى أنفه في سجوده ، وإلى حجره في تشهده ؛ لأن امتداد النظر يلهي ، فإذا قصر كان أولى ، وقال مالك : ينظر أمامه ، وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده وهو قائم ، قال : وأحاديث الباب تشهد له ؛ لأنهم لو لم ينظروا إليه – عليه الصلاة والسلام - ما رأوا تأخره حين عرضت عليه جهنم ، ولا رأوا اضطراب لحيته ، ولا استدلوا بذلك على قراءته ، ولا نقلوا ذلك ، ولا رأوا تناوله فيما تناوله في قبلته حين مثلت له الجنة ، ومثل هذا الحديث قوله – صلى الله عليه وسلم - : إنما جعل الإمام ليؤتم به ؛ لأن الائتمام لا يكون إلا بمراعاة حركاته في خفضه ورفعه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث