باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت
ج٦ / ص٤( باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت ) 143 – حدثنا موسى قال : حدثنا أبو عوانة قال : حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة قال : شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر رضي الله عنه ، فعزله واستعمل عليهم عمارا ، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي ، فأرسل إليه فقال : يا أبا إسحاق ، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي ، قال أبو إسحاق : أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها ، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخف في الأخريين ، قال : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق ، فأرسل معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة ، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه ويثنون عليه معروفا ، حتى دخل مسجدا لبني عبس ، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة ، يكني أبا سعدة ، قال : أما إذ نشدتنا ، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضية ، قال سعد : أما والله لأدعون بثلاث : اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة ، فأطل عمره ، وأطل فقره ، وعرضه للفتن ، قال : وكان بعد إذا سئل يقول : شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد .
قال عبد الملك : فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن مطابقته للترجمة : في قوله : " فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا نزاع في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته دائما ، وهو يدل على وجوب القراءة ، لكن التطابق إنما يكون في الجزء الأول من الترجمة وهو قوله : وجوب القراءة للإمام ، وقوله : " ما أخرم عنها " أي عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجزء الخامس والسادس من الترجمة ، وهو الجهر فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت ، ولا نزاع أنه صلى الله عليه وسلم كان يجهر في محل الجهر ويخفي في محل الإخفاء ، وهذا القول يدل أيضا على الجزء الثالث والرابع لأنه يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يترك القراءة في الصلاة في الحضر ولا في السفر ؛ لأنه لم ينقل تركه أصلا ، ولم يبق من الترجمة إلا الجزء الثاني وهو قراءة المأموم ، فلا دلالة في الحديث عليه ، وبهذا التقدير يندفع اعتراض الإسماعيلي وغيره حيث قالوا : لا دلالة في حديث سعد على وجوب القراءة ، وإنما فيه تخفيفها في الأخريين عن الأوليين ، وقال ابن بطال : وجه دخول حديث سعد في هذا الباب أنه لما قال : أركد وأخف ، علم أنه لا يترك ج٦ / ص٥القراءة في شيء من صلاته وقد قال إنها مثل صلاته صلى الله عليه وسلم ، قلت : هذا قريب مما ذكرنا ولكن لا يدل على وجوب القراءة على المأموم ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه تعلقه بالترجمة ؟ قلت : وجهه أن ركود الإمام يدل على قراءته عادة فهو دال على بعض الترجمة ، انتهى . قلت : ليس الأمر كذلك بل يدل على كل الترجمة ما خلا قوله : " والمأموم " فمن أمعن النظر فيما قالوا وفيما قلت عرف أن الوجه هو الذي ذكرته على ما لا يخفى . ذكر الرجال المذكورين فيه : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي ، الثاني : أبو عوانة بفتح العين المهملة واسمه الوضاح بفتح الواو وتشديد الضاد المعجمة وبعد الألف حاء مهملة ، ابن عبد الله اليشكري ، مات سنة ست وسبعين ومائة في ربيع الأول ، الثالث : عبد الملك بن عمير مصغر عمرو بن سويد الكوفي ، وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، مات سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة ، وكان على قضاء الكوفة ، الرابع : جابر بن سمرة بن جنادة العامري السوائي يكنى أبا خالد ، وقيل أبو عبد الله له ، ولأبيه صحبة ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وستة وأربعون حديثا ، اتفقا على حديثين وانفرد مسلم بستة وعشرين ، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص ، سكن الكوفة وابتنى بها دارا ، وتوفي في أيام بشر بن مروان على الكوفة بها ، وقيل : توفي سنة ست وستين أيام المختار ، الخامس : سعد بن أبي وقاص ، واسم أبي وقاص مالك بن أهيب ويقال وهيب بن عبد مناف أبو إسحاق الزهري ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ، وحمل على رقاب الناس إلى المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وهو المشهور ، وهو آخر العشرة المبشرة وفاة ، واختلف في عمره فأنهى ما قيل ثلاث وثمانون سنة ، السادس : عمر بن الخطاب ، السابع : عمار بن ياسر العبسي أبو اليقظان ، قتل بصفين سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وتسعين سنة ، وصلى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، الثامن : أسامة بن قتادة ، التاسع : الرجل الذي بعثه سعد في قوله : " فأرسل معه رجلا " وهو محمد بن مسلمة بن خالد الحارثي الأنصاري فيما ذكره الطبري وسيف ، وحكى ابن التين أن عمر رضي الله تعالى عنه أرسل في ذلك عبد الله بن أرقم ، وروى ابن سعد من طريق مليح بن عوف قال : بعث عمر محمد بن مسلمة وأمرني بالمسير معه وكنت دليلا بالبلاد ، فهؤلاء ثلاثة أنفس ، وقوله في الحديث : " أو بعث معه رجالا " وأقل الجمع ثلاثة ، فيحتمل أن يكون هؤلاء الرجال هم هؤلاء الثلاثة .
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في الصلاة أيضا عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي ، وعن موسى بن إسماعيل وأبي النعمان ، فروايتهما كلاهما عن أبي عوانة ، وأخرجه مسلم فيه عن محمد بن المثنى ، عن ابن مهدي ، عن شعبة به ، وعن أبي كريب ، عن محمد بن بشر ، عن مسعر ، عن عبد الملك بن عمير وأبي عون الثقفي به ، وعن يحيى بن يحيى عن هشيم ، وعن قتيبة وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن جرير ، عن عبد الملك بن عمير به ، وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر ، عن شعبة به ، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي ، عن يحيى ، عن شعبة به ، وعن حماد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن داود الطائي ، عن عبد الملك بن عمير في معناه . ذكر معناه : قوله : " شكا أهل الكوفة " أي بعض أهل الكوفة لأن كلهم ما شكوه ، وفيه مجاز من إطلاق اسم الكل على البعض ، وفي رواية زائدة عن عبد الملك في صحيح أبي عوانة : " ناس من أهل الكوفة " وكذا في مسند إسحاق بن راهويه ، عن جرير ، عن عبد الملك وسمي الطبري وسيف ، عنهم جماعة وهم : الجراح بن سنان وقبيصة وأربد الأسديون ، وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الملك ، عن جابر بن سمرة قال : " كنت جالسا عند عمر رضي الله تعالى عنه إذا جاء أهل الكوفة يشكون إليه سعد بن أبي وقاص حتى قالوا إنه لا يحسن الصلاة " وأما الكوفة فذكر الكلبي أنها إنما سميت الكوفة بجبل صغير احتطت عليه مهرة فهم حوله ، وكان مرتفعا فسهلوه اليوم ، وكان يقال له كوفان ، وكان عاشر كسرى يجلس عليه ، وفي الزاهر لابن الأنباري : سميت كوفة لاستدارتها أخذا من قول العرب رأيت كوفانا ، وكوفانا بضم الكاف وفتحها للرملة المستديرة ، ويقال : سميت كوفة لاجتماع الناس بها من قولهم : قد تكوف الرجل يتكوف تكوفا إذا ركب بعضه بعضا ، ويقال : الكوفة أخذت من الكوفان ، يقال : هم في كوفان أي في بلاء وشر ، ويقال : سميت كوفة لأنها قطعة من البلاد من قول العرب قد أعطيت ج٦ / ص٦فلانا كيفة أي قطعة ، يقال : كفت أكيف كيفا إذا قطعت ، فالكوفة فعلة من هذا ، والأصل فيها كيفة فلما سكنت الياء وانضم ما قبلها جعلت واوا ، وقال قطرب : يقال القوم في كوفان أي محرقون في أمر يجمعهم ، وقال أبو القاسم الزجاجي : سميت كوفة بموضعها من الأرض وذلك أن كل رملة يخالطها حصباء تسمى كوفة ، وقال آخرون : سميت كوفة لأن جبل سانيد يحيط بها كالكفاف عليها ، وقال ابن حوقل : الكوفة على الفرات وبناؤها كبناء البصرة ، مصرها سعد بن أبي وقاص ، وهي خطط لقبائل العرب ، وهي خراج بخلاف البصرة ؛ لأن ضياع الكوفة قديمة جاهلية ، وضياع البصرة أحياء موات في الإسلام ، وفي معجم ما استعجم سميت الكوفة لأن سعدا لما افتتح القادسية نزل المسلمون الإكار فإذا هم أليق ، فخرج فارتاد لهم موضع الكوفة وقال : تكوفوا في هذا الموضع أي اجتمعوا ، وقال محمد بن سهل : كانت الكوفة منازل نوح عليه الصلاة والسلام وهو الذي بنى مسجدها ، وقال اليعقوبي في كتابه : هي مدينة العراق الكبرى والمصر الأعظم وقبة الإسلام ودار هجرة المسلمين ، وهي أول مدينة اختط المسلمون بالعراق في سنة أربع عشرة ، وهي على معظم الفرات ومنه تشرب أهلها ، ومن بغداد إليها ثلاثون فرسخا ، وفي تاريخ الطبري : لما احتوى المسلمون الأنبار كتب سعد إلى عمر رضي الله تعالى عنه يخبره بذلك ، فكتب إليه : انظر فلاة إلى جانب البحر ، فارتاد المسلمون بها منزلا ، فبعث سعد رجلا من الأنصار يقال له الحارث بن سلمة ويقال عثمان بن الحنيف ، فارتاد لهم موضعا من الكوفة ، وفي الصحاح : الكوفة الرملة الحمراء وبها سميت الكوفة . قوله : " عمارا " هو عمار بن ياسر ، وقد ذكرناه ، وقال خليفة : استعمل عمارا على الصلاة ، وابن مسعود على بيت المال ، وعثمان بن الحنيف على مساحة الأرض .
قوله : " فشكوا " قال بعضهم : ليست هذه الفاء عاطفة على فعزله بل هي تفسيرية إذ الشكوى كانت سابقة على العزل ، قلت : الفاء إذا كانت تفسيرية لا تخرج عن كونها عاطفة ، وليست الفاء هاهنا عطفا على فعزله ، وإنما هي عطف على قوله : " شكا أهل الكوفة " عطف تفسير ، وقوله : " فعزله واستعمل عليهم عمارا " جملة معترضة . قوله : " حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي " هذا يدل على أن شكواهم كانت متعددة ، منها قصة الصلاة وصرح في رواية " فقال عمر : لقد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة " ومنها ما ذكره ابن سعد وسيف أنهم زعموا أنه حابى في بيع خمس باعه ، وأنه صنع على داره بابا مبوبا من خشب ، وكان السوق مجاورا له فكان يتأذى بأصواتهم ، فزعموا أنه قال لينقطع الصويت ، ومنها ما ذكره سيف أنهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السرايا ، وقال الزبير بن بكار في كتاب النسب : رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر فوجدها باطلة ، ويشهد لذلك قول عمر في وصيته فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه أمر سعد بن أبي وقاص على قتال الفرس في سنة أربع عشرة ، ففتح الله تعالى العراق على يديه ، ثم اختط الكوفة سنة سبع عشرة ، واستمر عليها أميرا إلى سنة إحدى وعشرين في قول خليفة بن خياط ، وعند الطبري سنة عشرين فوقع له مع أهل الكوفة ما وقع . قوله : " فأرسل إليه فقال : يا أبا إسحاق " فيه حذف تقديره فوصل إليه أي الرسول فجاء إلى عمر ، وأبو إسحاق كنية سعد كني بذلك بأكبر أولاده ، وهذا تعظيم من عمر له ، وفيه دلالة على أنه لم تقدح فيه الشكوى عنده .
قوله : " أما أنا والله " كلمة أما بالتشديد وهي للتقسيم وفيه مقدر لأنه لا بد لها من قسيم تقديره أما هم فقالوا ما قالوا وأما أنا فأقول إني كنت كذا ، ولفظة والله لتأكيد الخبر في نفس السامع ، وكان القياس أن يؤخر لفظة والله عن الفاء ولكن يجوز تقديم بعض ما هو في حيزها عليها ، والقسم ليس أجنبيا وجواب القسم محذوف ، وقوله : " فإني كنت " يدل عليه ويروى إني كنت بدون الفاء . قوله : " صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " بالنصب أي صلاة مثل صلاته صلى الله عليه وسلم . قوله : " ما أخرم " بفتح الهمزة وكسر الراء أي لا أنقص وما أقطع ، وحكى ابن التين عن بعض الرواة أنه بضم أوله ، وقال بعضهم : جعله من الرباعي ، قلت : ليس من الرباعي بل هو من مزيد الثلاثي لأن الاصطلاح هكذا عند أهل الصرف .
قوله : " صلاة العشاء " كذا هو هاهنا بالإفراد ، وفي الباب الذي بعده صلاتي العشي بالتثنية والعشي بكسر الشين وتشديد الياء كذا هو في رواية الأكثرين في الموضعين ، وفي رواية الكشميهني : " بعد صلاتي العشاء " والمراد من صلاتي العشاء الظهر والعصر ولا يبعد أن يقال صلاتي العشاء بالمد ويكون المراد المغرب والعشاء ، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أبي عوانة بلفظ : " صلاتي العشاء " ووجه تخصيص صلاة العشاء بالذكر من بين الصلوات لاحتمال كون شكواهم ج٦ / ص٧منه في هذه الصلوات أو لأنه لما لم يهمل شيئا من هذه التي وقتها وقت الاستراحة ففي غيرها بالطريق الأولى ، قاله الكرماني ؛ ولكن يقال مثله في الظهر لأنه وقت القائلة والعصر لأنه وقت المعاش والصبح لأنه وقت لذة النوم ، والأقرب أن يقال الوجه هو أن شكواهم كانت في صلاتي العشي فلذلك خصصهما بالذكر . قوله : " فأركد " بضم الكاف أي أسكن وأمكث في الأوليين أي الركعتين الأوليين ، يقال ركد يركد ركودا إذا ثبت ودام ، ومنه الماء الراكد أي الساكن الدائم ، وركدت السفينة سكنت من الاضطراب ، وركد الريح سكن ، وفي رواية لمسلم : " وأمد في الأوليين " بدل فأركد وهو بمعناه أي أطول وأمد ، ثم الظاهر أن مده وتطويله كان بكثرة القراءة ، ولا يقال كان ذلك بما هو أعم من القراءة كالركوع والسجود لأن القيام ليس محلا للدعاء ولا لمجرد السكوت ، وإنما هو محل القراءة . قوله : " وأخف " بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة من باب الإفعال ، يقال أخف الرجل في أمره يخف فهو مخف ، وفي الكشميهني أحذف بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الذال المعجمة أي أحذف التطويل ، وليس المراد حذف أصل القراءة وفيه خلاف نذكره إن شاء الله تعالى ، وكذا وقع في رواية الدارمي عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري بلفظ أحذف ، ووقع في رواية الإسماعيلي من رواية محمد بن كثير عن شعبة أحذم بالميم موضع الفاء من حذم يحذم حذما إذا أسرع ، وأصل الحذم الإسراع في كل شيء ، ومنه حديث عمر رضي الله تعالى عنه : " إذا أقمت فاحذم " أي أسرع .
قوله : " في الأخريين " أي الركعتين الأخريين . قوله : " ذاك الظن " جملة اسمية من المبتدأ والخبر ، ويروي ذلك الظن ، وقوله : " بك " يتعلق بالظن أي هذا الذي تقوله يا أبا إسحاق هو الذي يظن بك ، وفي رواية مسعر عن عبد الملك وأبي عون معا ، فقال سعد : أتعلمني الأعراب الصلاة ، أخرجه مسلم ، وفيه دلالة على أن الذي شكوه كانوا جهالا لأن الجهالة فيهم غالبة ، والأعراب بفتح الهمزة ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة ، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه وسواء أقام بالبادية أو المدن . قوله : " فأرسل معه رجلا " أي أرسل عمر مع سعد رجلا ، وقد ذكرنا من هو الرجل ، قال الكرماني : إن كان سعد غائبا فكيف خاطبه بقوله : " ذاك الظن بك " وإن كان حاضرا فكيف قال فأرسل إليه ثم أجاب بقوله كان غائبا أو لا ثم حضر ، انتهى ، قلت : لفظ الحديث : " فأرسل معه " كما ذكرنا ولا يتأتى ما ذكره إلا إذا كان اللفظ فأرسل إليه وليس كذلك .
قوله : " أو رجالا " كذا هو بالشك وفي رواية ابن عيينة فبعث عمر رجلين وقد ذكرناه . قوله : " يسأل عنه أهل الكوفة " أي يسأل ، عن سعد أهل الكوفة كيف حاله بينهم ويروى : " فسأل عنه " ووجه ذلك أنه معطوف على مقدر تقديره فأرسل رجلا إلى الكوفة فانتهى إليها فسأل عنه ، ومثل هذه الفاء تسمى فاء الفصيحة وأما وجهه على قوله : " يسأل عنه " بلفظ المضارع الغائب فهو من الأحوال المقدرة المنتظرة . قوله : " ولم يدع " أي لم يترك الرجل المبعوث المرسل مسجدا من مساجد الكوفة إلا سأل عنه ، أي عن سعد .
قوله : " ويثنون معروفا " أي والحال أن أهل الكوفة يثنون عليه معروفا وهو كل أمر خير ، وفي رواية ابن عيينة فكلهم يثني عليه خيرا . قوله : " لبني عبس " بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وفي آخره سين مهملة وهو قبيلة كبيرة من قيس . قوله : " أبا سعدة " بفتح السين وسكون العين المهملتين وفي آخرها هاء ، وفي رواية سيف أنشد الله رجلا يعلم حقا إلا قال قوله : " أما إذا نشدتنا " كلمة أما بالتشديد للتفصيل والتقسيم والقسيم محذوف تقديره أما غيري إذا أنشدتنا أي حين نشدتنا فأثنوا عليه وأما نحن إذا سألتنا فنقول كذا وكذا ، ومعنى نشدتنا أي سألتنا بالله ، يقال نشدتك الله سألتك بالله .
قوله : " لا يسير بالسرية " الباء فيه للمصاحبة والسرية بتخفيف الراء وتشديد الياء آخر الحروف قطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وجمعها السرايا ، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري أي النفيس ، وقيل سموا ذلك لأنهم ينفذون سرا وخفية وليس بالوجه لأن لام السر راء وهذه ياء ، وقيل يحتمل أن تكون صفة لمحذوف أي لا يسير بالطريقة السرية أي العادلة ، والأول أولى وأوجه لقوله بعد ذلك لا يعدل ، والأصل عدم التكرار ، والتأسيس أولى من التأكيد ، ويؤيده رواية جرير وسفيان بلفظ : " ولا ينفر في السرية " قوله : " في القضية " أي الحكومة والقضاء ، وفي رواية جرير وسيف في الرعية . قوله : " قال سعد " وفي رواية جرير : " فغضب سعد " وحكى ابن التين أنه قال ج٦ / ص٨له أعلي تشجع . قوله : " أما والله " بتخفيف الميم حرف استفتاح .
قوله : " لأدعون " اللام فيه للتأكيد ، وكذلك نون التأكيد المثقلة ، أي لأدعون عليك بثلاث دعوات . قوله : " قام " أي في هذه القضية . قوله : " وسمعة " بضم السين أي ليراه الناس ويسمعون ويشهدون ذلك عنه ليكون له بذلك ذكر .
قوله : " فأطل عمره " مراده أن يطول في غاية بحيث يرد إلى أسفل السافلين ويصير إلى أرذل العمر ويضعف قواه وينتكس في الخلق محنة لا نعمة ، أو مراده طول العمر مع طول الفقر وهذا أشد ما يكون في الرجل ، ويحصل الجواب بذلك عما قيل الدعاء بطول العمر دعاء له لا دعاء عليه . قوله : " وأطل فقره " وفي رواية جرير : " وشدد فقره " وفي رواية سيف : " وأكثر عياله " وهذه الحالة بئست الحالة وهي طول العمر مع الفقر وكثرة العيال . قوله : " وعرضه للفتن " أي اجعله عرضة للفتن أو أدخله في معرضها أي أظهره بها ، والحكمة في هذه الدعوات الثلاث أن أسامة بن قتادة المذكور نفى عن سعد الفضائل الثلاث التي هي أصول الفضائل وأمهات الكمالات وهي : الشجاعة التي هي القوة الغضبية حيث قال : لا يسير بالسرية ، والعفة التي هي كمال القوة الشهوانية حيث قال : لا يقسم بالسرية ، والحكمة التي هي كمال القوة العقلية حيث قال : ولا يعدل في القضية ، فالثلاثة تتعلق بالنفس والمال والدين ، فقابل سعد هذه الثلاثة بثلاثة مثلها فدعا عليه بما يتعلق بالنفس وهو طول العمر ، وبما يتعلق بالمال وهو الفقر ، وبما يتعلق بالدين وهو الوقوع في الفتن ، ثم اعلم أنه كان يمكن الاعتذار عن قوله : " ولا ينفر بالسرية " بأن يقال رأى المصلحة في إقامته ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم ، أو كان له عذر مانع من ذلك كما وقع له في القادسية ، وكذا يمكن الاعتذار عن قوله : " ولا يقسم بالسوية " بأن يقال إن للإمام تفضيل بعض الناس بشيء يختص به لمصلحة يراها في ذلك ، وأما قوله : " ولا يعدل في القضية " فلا خلاص عنه لأنه سلب عنه العدل بالكلية وذلك قدح في الدين .
قوله : " فكان بعد " ويروى : " وكان بعد " بالواو أي كان أسامة بعد ذلك قيل هذا عبد الملك بن عمير بينه جرير في روايته . قوله : " إذا سئل " على صيغة المجهول ، أي إذا سئل أسامة عن حال نفسه ، وفي رواية ابن عيينة إذا قيل له : كيف أنت ؟ يقول : أنا شيخ كبير مفتون ، فقوله : " شيخ كبير " خبر مبتدأ محذوف وهو أنا كما قلنا ، وكبير صفته ، وقوله : " مفتون " صفة بعد صفة ، فقوله : " شيخ كبير " إشارة إلى الدعوة الأولى ، ومفتون إلى الدعوة الثالثة ، وإنما لم يشر إلى الدعوة الثانية وهي قوله : " وأطل فقره " لأنها تدخل في عموم قوله : " أصابتني دعوة سعد " وقد صرح بذلك في رواية الطبراني من طريق أسد بن موسى ، وفي رواية أبي يعلى ، عن إبراهيم بن حجاج كلاهما ، عن أبي عوانة ولفظه : " قال عبد الملك : فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك فإذا سألوه قال : كبير فقير مفتون " وفي رواية إسحاق ، عن جرير : " فافتقر وافتتن " وفي رواية : " فعمي واجتمع عنده عشر بنات ، وكان إذا سمع بحسن المرأة تشبث بها ، فإذا أنكر عليه قال : دعوة المبارك سعد " وفي رواية ابن عيينة : " ولا تكون فتنة إلا وهو فيها " وفي رواية محمد بن حجادة ، عن مصعب بن سعد في هذه القصة قال : وأدرك فتنة المختار فقتل فيها ، وعند ابن عساكر : وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة خمس وستين إلى أن قتل سنة سبع وسبعين . قوله : " أصابتني دعوة سعد " إنما أفرد الدعوة مع أنها كانت ثلاث دعوات لأنه أراد بها الجنس فكان سعد معروفا بإجابة الدعوة ، روى الطبراني من طريق الشعبي قال : " قيل لسعد : متى أصبت الدعوة ؟ قال : يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم استجب لسعد ، وروى الترمذي وابن حبان والحاكم من طريق قيس بن أبي حازم ، عن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم استجب لسعد " إذا دعاك .
قوله : " من الكبر " بكسر الكاف وفتح الباء الموحدة . قوله : " وإنه " أي وإن أسامة المذكور . قوله : " يغمزهن " أي يعصر أعضاءهن بالأصابع ، وفيه أيضا إشارة إلى الفتنة وإلى الفقر أيضا إذ لو كان غنيا لما احتاج إلى غمز الجواري في الطرق .
ذكر ما يستنبط منه وهو على وجوه : الأول : وجوب القراءة في الركعتين الأوليين من الصلوات وعدم وجوبها في الأخريين ، واستدل بعض أصحابنا لأبي حنيفة ومن قال بقوله في عدم وجوب القراءة في الأخريين بالحديث المذكور ، وعن هذا قال صاحب الهداية وغيره : إن شاء قرأ في الأخريين وإن شاء سبح وإن شاء سكت ، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة إلا أن الأفضل أن يقرأ ، وقال أصحابنا : المصلي مأمور بالقراءة بقوله تعالى : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ والأمر ج٦ / ص٩لا يقتضي التكرار فتتعين الركعة الأولى منها ، وإنما أوجبناها في الثانية استدلالا بالأولى لأنهما تتشاكلان من كل وجه ، وقد ذكرنا فيما مضى أن القراءة في الصلاة مستحبة غير واجبة عند جماعة منهم الأحمر وابن علية والحسن بن صالح والأصم ،
وروى الشافعي ، عن مالك بإسناده ، عن محمد بن علي بن الحسين : أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صلى المغرب فلم يقرأ فيها شيئا ، فقيل له فقال : كيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا : حسن ، قال : فلا بأس . قلنا : هذا منقطع بين محمد بن علي وبين عمر ، وفي إسناده أيضا مجهول، وفي شرح مسند الشافعي لابن الأثير روى الشعبي ، عن زياد بن عياض ، عن أبي موسى : صلى عمر فلم يقرأ شيئا فأعاد ، قال : ورواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عمر أنه صلى المغرب فلم يقرأ فأعاد ، وروى الشافعي فيما بلغه ، عن زيد بن حبان ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الحارث ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال له رجل : إني صليت فلم أقرأ ، قال : أتممت الركوع والسجود ، قال : نعم ، قال : تمت صلاتك ، وقال ابن المنذر : روينا عن علي أنه قال : اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين ،
وعن مالك رواية شاذة أن الصلاة صحيحة بدون القراءة ،وقال ابن الماجشون : من ترك القراءة في ركعة من الصبح أو أي صلاة كانت تجزيه سجدتا السهو ، وروى البيهقي ، عن زيد بن ثابت القراءة في الصلاة سنة ، وعن الشافعي في القديم : إن تركها ناسيا صحت صلاته ، وفي المصنف من جهة أبي إسحاق ، عن علي وعبد الله بن مسعود أنهما قالا : اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين ، وعن منصور قال : قلت لإبراهيم : ما نفعل في الركعتين الأخريين من الصلاة ؟ قال : سبح واحمد الله وكبر ، وعن الأسود وإبراهيم والثوري كذلك . الوجه الثاني استدل بقوله : " أركد في الأوليين " من يرى تطويل الركعتين الأوليين على الأخريين في الصلوات كلها ، وهو مذهب الشافعي حكاه في المهذب وفي الروضة ، الأصح التسوية بينهما وبين الثالثة والرابعة ، قال : والمختار تطويل أولى الفجر على الثانية وغيرها ، وهو قول محمد بن الحسن والثوري وأحمد بن حنبل ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يطيل الركعة الأولى على الثانية إلا في الفجر خاصة ، وفي شرح المهذب لأصحابنا وجهان أشهرهما لا يطول ، والثاني يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدا ، وهو الصحيح المختار ، واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلا مالكا فإنه قال : لا بأس أن يطيل الثانية على الأولى ، مستدلا بأنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى بسورة الأعلى وهي تسع عشرة آية وفي الثانية بالغاشية وهي ست وعشرون آية ، وفي الصلاة لأبي نعيم : حدثنا شيبان ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يطول في الركعة الأولى من الظهر والعصر والفجر ويقصر في الأخرى ، فإن جهر فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر فيه ، فعند أبي حنيفة يسجد للسهو ، وعن أبي يوسف إن جهر بحرف يسجد ، وفي رواية عنه إن زاد فيما يخافت فيه على ما يسمع أذنيه فتجب سجدتا السهو ، والصحيح أنها تجب إذا جهر مقدار ما تجوز به الصلاة ، وفي المصنف ممن كان يجهر بالقراءة في الظهر والعصر خباب بن الأرت وسعيد بن جبير والأسود وعلقمة ، وعن جابر قال : سألت الشعبي وسالما وقاسما والحكم ومجاهدا وعطاء عن الرجل يجهر في الظهر والعصر فقالوا : ليس عليه سهو ، وعن قتادة أن أنسا جهر فيهما فلم يسجد وكذا فعله سعيد بن العاص إذ كان أميرا بالمدينة ، وفي التلويح ويستدل لأبي حنيفة
بما رواه أبو هريرة من كتاب ابن شاهين بسند فيه كلام ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه بالبعر "وفي المصنف ، عن يحيى بن كثير : " قالوا : يا رسول الله إن هنا قوما يجهارون بالقراءة بالنهار ، فقال : ارموهم بالبعر " وعن الحسن وأبي عبيدة : صلاة النهار عجماء ،
وقال صاحب التلويح : وحديث ابن عباس صلاة النهار عجماء ، وإن كان بعض الأئمة قال هو حديث لا أصل له باطل، فيشبه أن يكون ليس كذلك لما أسلفناه .
الوجه الثالث : أن الإمام إذا شكا إليه نائبه بعث إليه واستفسره عن ذلك في موضع عمله عن أهل الفضل فيهم ؛ لأن عمر رضي الله تعالى عنه كان يسأل عنه في المسجد أهل ملازمة الصلاة فيها ، وفيه جواز عزله وإن لم يثبت عليه شيء إذا اقتضت لذلك المصلحة ، قال مالك : قد عزل عمر سعدا وهو أعدل من يأتي بعده إلى يوم القيامة ، والذي يظهر أن عمر عزله حسما لمادة الفتنة ، وفي رواية سيف قال عمر رضي الله تعالى عنه : لولا الاحتياط وأن لا يتقى من أمير مثل سعد لما عزلته ، وقيل : عزله إيثارا ج٦ / ص١٠لقربه منه لكونه من أهل الشورى وقيل : إن مذهب عمر أن لا يستمر بالعامل أكثر من أربع سنين ، وقال المازري : اختلفوا هل يعزل القاضي بشكوى الواحد أو الاثنين أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى عنه . الوجه الرابع : فيه خطاب الرجل بكنيته والاعتذار لمن سمع في حقه كلام يسوؤه . الوجه الخامس : فيه جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه ، وليس هو من طلب وقوع المعصية ، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته ، ألا ترى إلى موسى عليه الصلاة والسلام كيف دعا وقال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ