( باب حد إتمام الركوع والاعتدال فيه والإطمأنينة ) أي هذا باب في بيان حد إتمام الركوع والاعتدال فيه أي في الركوع . قوله : " والإطمأنينة " بكسر الهمزة وسكون الطاء وبعد الألف نون مكسورة ، ثم ياء آخر الحروف ساكنة ، ثم نون أخرى مفتوحة ، ثم هاء ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني " والطمأنينة " بضم الطاء ، وهو الذي يستعمل الذي ذكره أهل اللغة ؛ لأن لهذه اللفظة مصدران لا غير ، يقال : اطمأن الرجل اطمئنانا وطمأنينة أي سكن ، وهو مطمئن إلى كذا ، وكذلك " اطبأن " بالباء الموحدة على الإبدال ، وهو من مزيد الرباعي ، وأصله " طمأن " على وزن فعلل ، فنقل إلى باب افعلل بالتشديد في اللام الأخيرة فصار " اطمأن " وأصله اطمأنن ، فنقلت حركة النون الأولى إلى الهمزة وأدغمت النون في النون ، مثل " اقشعر " أصله اقشعرر ورباعيه قشعر ، وإنما ذكر لفظ " باب " هنا عند الكشميهني ، وفصله عن الباب الذي قبله ، وعند الباقين ليس فيه " باب " وإنما الجميع مذكور في ترجمة واحدة . 180 - ( حدثنا بدل بن المحبر قال : حدثنا شعبة قال : أخبرني الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن البراء قال : كان ركوع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسجوده وبين السجدتين ، وإذا رفع من الركوع ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء ) . مطابقته للترجمة على تقدير وجود الباب هنا من حيث إن في قوله : " قريبا من السواء " إشعارا بأن في قوله : " كان ركوع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إلى قوله : " ما خلا القيام " تفاوتا ، ويعلم أن فيه مكثا زائدا على أصل حقيقة الركوع والسجود وبين السجدتين ، وعند رفع رأسه من الركوع ، والمكث الزائد هو الطمأنينة والاعتدال في هذه الأشياء ، فافهم . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : بدل - بفتح الباء الموحدة والدال المهملة بعدها اللام - ابن المحبر - بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء المفتوحة ، وفي آخره راء - ابن منبه التميمي ، ثم اليربوعي أبو المنير البصري ، واسطي الأصل . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : الحكم - بفتح الحاء المهملة والكاف - ابن عتيبة الكوفي . الرابع : عبد الرحمن ابن أبي ليلى الأنصاري الكوفي ، كان أصحابه يعظمونه ، كان أميرا ، أدرك مائة وعشرين صحابيا . قال عبد الملك بن عمير : رأيت ابن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من الصحابة يستمعون لحديثه وينصتون له ، مات غرقا بنهر البصرة سنة ثلاث وثمانين . الخامس : البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته كوفيون ما خلا بدل بن المحبر فإنه بصري ، وفيه أن شيخ البخاري ، وهو بدل من أفراده ، وفيه عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، وفي رواية مسلم التصريح بتحديثه له ، وفيه رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابي ؛ فالتابعي الأول هو الحكم ، والثاني هو ابن ابي ليلى . وفيه رواية ابن الصحابي ، عن الصحابي ، فإن أبا ليلى صحابي ، واسمه يسار بن بلال الأنصاري الأوسي ، قتل بصفين مع علي رضي الله تعالى عنه ، وفي اسمه اختلاف وكذا في اسم أبيه . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة ، عن سليمان بن حرب ، عن شعبة . وعن محمد بن عبد الرحمن ، عن أبي أحمد ، عن مسعر ، كلاهما عن الحكم عنه به . وأخرجه مسلم فيه عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه . وعن أبي موسى وبندار ، كلاهما عن غندر ، عن شعبة به . وعن حامد بن عمر وأبي كامل ، كلاهما عن أبي عوانة . وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر ، عن شعبة به . وعن مسدد وأبي كامل ، كلاهما عن أبي عوانة به . وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن محمد ، عن ابن المبارك . وعن بندار ، عن غندر ، كلاهما عن شعبة به . وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم ، عن ابن علية . وعن عبيد الله بن سعيد ، عن يحيى ، كلاهما عن شعبة نحوه . وعن أحمد بن سليمان ، عن عمرو بن عون ، عن أبي عوانة بمعناه . ذكر معناه : قوله : " ركوع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اسم كان " وسجوده " عطف عليه . قوله : " وبين السجدتين " عطف على " ركوع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " على تقدير المضاف ، أي زمان ركوعه وسجوده وبين السجدتين ، ووقت رفع رأسه من الركوع سواء ، وإنما قدرنا هكذا ليستقيم المعنى به . ومعنى قوله : " وبين السجدتين " أي الجلوس بينهما . قوله : " وإذا رفع رأسه " كلمة " إذا " للوقت المجرد منسلخا عنه معنى الاستقبال . قوله : " ما خلا القيام والقعود " بالنصب فيهما ؛ لأن معنى " ما خلا " بمعنى " إلا " يعني إلا القيام الذي هو للقراءة ، وإلا القعود الذي هو للتشهد ؛ فإنهما كانا أطول من غيرهما . قوله : " قريبا من السواء " منصوب ؛ لأنه خبر كان ، وفيه إشعار بأن في هذه الأفعال المذكورة تفاوتا وبعضها كان أطول من بعض . ( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج به بعضهم على أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطولان ، ورد بأنهما ذكرا بعينهما ، فكيف يصح استثناؤهما بعد ذلك ، وهل يصح أن يقال : رأيت زيدا وعمرا وبكرا وخالدا إلا زيدا وعمرا ؟ فإن فيه التناقض . واحتج به أيضا بعضهم على استحباب تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين ، وقال ابن بطال : هذه الصفة - يعني الصفة المذكورة في الحديث - أكمل صفات صلاة الجماعة ، وأما صلاة الرجل وحده فله أن يطيل في الركوع والسجود أضعاف ما يطيل في القيام وبين السجدتين وبين الركعة والسجدة . وفي ( التلويح ) قوله : " قريبا من السواء " يدل على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض ، وذلك في القيام ، ولعله أيضا في التشهد ، وقال : وهذا الحديث يدل على أن الرفع من الركوع ركن طويل ، وذهب بعضهم إلى أن الفعل المتأخر بعد ذلك التطويل قد ورد في بعض الأحاديث ، يعني عن جابر بن سمرة ، وكانت صلاته بعد ذلك تخفيفا ، وقال القرطبي : وهذا الحديث يدل على أن بعض الأركان أطول من بعض ، إلا أنها غير متباعدة ، إلا في القيام فإنه كان يطوله . واختلفوا في الرفع من الركوع هل هو ركن طويل أو قصير . ورجح أصحاب الشافعي أنه ركن قصير . وفائدة الخلاف فيه أن تطويله يقطع الموالاة الواجبة في الصلاة ، ومن هذا قال بعض الشافعية : إنه إذا طوله بطلت صلاته ، وقال بعضهم : لا تبطل حتى ينقله ركنا ، كقراءة الفاتحة والتشهد .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/393155
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة