باب
( حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه ، عن رفاعة بن رافع الزرقي قال : كنا يوما نصلي وراء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلما رفع رأسه من الركعة قال : سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فلما انصرف قال : من المتكلم ؟ قال : أنا قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقد بيناه في أول الباب . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : عبد الله بن مسلمة القعنبي .
الثاني : مالك بن أنس . الثالث : نعيم - بضم النون - ابن عبد الله المجمر بلفظ الفاعل من الإجمار ، وقد مر ذكره في باب فضل الوضوء ، وهو صفة لنعيم ولأبيه أيضا . الرابع : علي بن يحيى بن خلاد - بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وبالدال المهملة - الزرقي - بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف - الأنصاري المدني ، مات سنة تسع وعشرين ومائة .
الخامس : أبوه يحيى بن خلاد بن رافع حنكه النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . السادس : عمه رفاعة - بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة - ابن رافع - بالراء وبالفاء - ابن مالك الزرقي ، شهد المشاهد ، روي له أربعة وعشرون حديثا ، للبخاري ثلاثة ، مات زمن معاوية رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في خمسة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه عن علي بن يحيى ، وفي رواية ابن خزيمة أن علي بن يحيى حدثه ، وفيه أن رجاله كلهم مدنيون ، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر ؛ لأن نعيما أكبر سنا من علي بن يحيى وأقدم سماعا منه ، وفيه رواية ثلاثة من التابعين في نسق واحد وهم من بين مالك والصحابي ، وفيه من وجه رواية الصحابي عن الصحابي ؛ لأن يحيى بن خلاد مذكور في الصحابة رضي الله تعالى عنهم .
والحديث أخرجه أبو داود أيضا عن القعنبي ، عن مالك . وأخرجه النسائي ، عن محمد بن مسلمة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن مالك به . ذكر معناه : قوله : يوما يعني في يوم من الأيام .
قوله : قال رجل وراءه أي وراء النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - ، ولفظ وراءه في رواية الكشميهني ، وليس بموجود في رواية غيره . والمراد بهذا الرجل هو رفاعة بن رافع راوي الخبر قاله ابن بشكوال . واحتج في ذلك بما رواه النسائي وغيره عن قتيبة ، عن رفاعة بن يحيى الزرقي ، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة ، عن أبيه قال : صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعطست فقلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه ، كما يحب ربنا ويرضى ، فلما صلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - انصرف فقال : من المتكلم في الصلاة ؟ فلم يكلمه أحد ، ثم قالها الثانية : من المتكلم في الصلاة ؟ فقال رفاعة بن رافع : أنا يا رسول الله ، قال : كيف قلت ؟ قال : قلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه ، كما يحب ربنا ويرضى ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - : والذي نفسي بيده لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا أيهم يصعد بها .
انتهى . قيل : هذا التفسير فيه نظر ؛ لاختلاف القصة . وأجيب بأنه لا تعارض بين الحديثين ؛ لاحتمال أنه وقع عطاسه عند رفع رأس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يذكر نفسه في حديث الباب لقصد إخفاء عمله وطريق التجريد ، ويجوز أن يكون بعض الرواة نسي اسمه وذكره بلفظ الرجل ، وأما الزيادة التي في رواية النسائي فلاختصار الراوي إياها ، فلا يضر ذلك .
فإن قلت : ما هذه الصلاة التي ذكرها رفاعة بقوله : كنا نصلي يوما ؟ - قلت : بين ذلك بشر بن عمر الزهراني في روايته عن رفاعة أن هذه الصلاة كانت صلاة المغرب . قوله : حمدا منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله : لك الحمد . قوله : طيبا أي خالصا عن الرياء والسمعة .
قوله : مباركا فيه أي كثير الخير ، وأما قوله في رواية النسائي مباركا عليه فالظاهر أنه تأكيد للأول ، وقيل : الأول بمعنى الزيادة ، والثاني بمعنى البقاء . قوله : فلما انصرف أي من صلاته . قوله : قال : من المتكلم ؟ أي قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المتكلم بهذه الكلمات ؟ قوله : بضعة وثلاثين ملكا ويروى بضعا وثلاثين والبضع - بكسر الباء وفتحها - هو ما بين الثلاث والتسع ، تقول : بضع سنين وبضعة عشر رجلا ، وقال الجوهري : إذا جاوزت العشرة ذهب البضع لا تقول : بضع وعشرون .
قلت : الحديث يرد عليه ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفصح الفصحاء ، وقد تكلم به . ( فإن قلت ) : ما الحكمة في تخصيص هذا العدد بهذا المقدار . قلت : قد استفتح علي هاهنا من الفيض الإلهي أن حروف هذه الكلمات أربعة وثلاثون حرفا ، فأنزل الله تعالى بعدد حروفها ملائكة ، فتكون أربعة وثلاثين ملكا في مقابلة كل حرف ملك تعظيما لهذه الكلمات ، وقس على هذا ما وقع في رواية النسائي التي ذكرناها الآن ، وعلى هذا أيضا ما وقع في حديث مسلم من رواية أنس : لقد رأيت اثني عشر ملكا يبتدرونها ، وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني ثلاثة عشر .
( فإن قلت ) : هؤلاء الملائكة غير الحفظة أم لا ؟ قلت : الظاهر أنهم غيرهم ، ويدل عليه حديث أبي هريرة ، رواه البخاري ومسلم عنه مرفوعا إن لله ملائكة يطوفون في الطريق ويلتمسون أهل الذكر ، وقد يستدل بهذا أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة . قوله : قال : أنا أي قال الرجل : أنا المتكلم يا رسول الله . ( فإن قلت ) : كرر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سؤاله في رواية النسائي ، كما مر ، والإجابة كانت واجبة عليه ، بل وعلى غيره أيضا ممن سمع رفاعة ، فإن سؤاله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن لمعين .
قلت : لما لم يكن سؤاله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعين لم تتعين المبادرة بالجواب لا من المتكلم ، ولا من غيره ، فكأنهم انتظروا من يجيب منهم . ( فإن قلت ) : ما حملهم على ذلك ؟ قلت : خشية أن يبدو في حقه شيء ظنا منهم أنه أخطأ فيما فعل ورجاء أن يقع العفو عنه ، والدليل على ظنهم ذلك ما جاء في رواية ابن قانع من حديث سعيد بن عبد الجبار ، عن رفاعة بن يحيى ، قال رفاعة : فوددت أني أخرجت من مالي وأني لم أشهد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلك الصلاة . قوله : يبتدرونها أي يسعون في المبادرة يقال : ابتدروا السلاح أي سارعوا إلى أخذه ، وفي رواية النسائي أيهم يصعد بها أول ، وفي رواية الطبراني من حديث أبي أيوب أيهم يرفعها .
قوله : أيهم بالرفع على أنه مبتدأ وخبره هو قوله : يكتبها ، ويجوز في أيهم النصب على تقدير : ينظرون أيهم يكتبها ، وأي موصولة عند سيبويه ، والتقدير : يبتدرون الذي هو يكتبها أول . قوله : أول مبني على الضم بأن حذف المضاف إليه منه ، تقديره : أولهم ، يعني كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى ؛ لعظم قدرها ، ويروى أول بالفتح ، ويكون حالا . ( فإن قلت ) : ما الفرق بين يكتبها أول وبين يصعد بها ؟ قلت : يحمل على أنهم يكتبونها ، ثم يصعدون بها ، وقال الجوهري : أصل «أول» «أوأل» على وزن «أفعل» مهموز الوسط ، فقلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو ، وقيل : أصله «وول» على «فوعل» ، فقلبت الواو الأولى همزة ، وإذا جعلته صفة لم تصرفه ، تقول : لقيته عاما أول ، وإذا لم تجعله صفة صرفته نحو رأيته أولا .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه ثواب التحميد لله والذكر له ، وفيه دليل على جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه ، وفيه دليل على أن العاطس في الصلاة يحمد الله بغير كراهة ؛ لأنه لم يتعارف جوابا ، ولكن لو قال له آخر : يرحمك الله ، وهو في الصلاة فسدت صلاته ؛ لأنه يجري في مخاطبات الناس ، فكان من كلامهم ، وبعضهم خصص الحديث بالتطوع ، وهو غير صحيح ؛ لما بينا أنه كان صلاة المغرب . وروي عن أبي حنيفة أن العاطس يحمد الله في نفسه ، ولا يحرك لسانه ، ولو حرك تفسد صلاته ، كذا في ( المحيط ) . والصحيح خلاف هذا ، كما ذكرنا ، وفيه دليل على أن من كان في الصلاة فسمع عطسة رجل ، لا يتعين عليه تشميته ؛ ولهذا قلنا لو شمته تفسد صلاته .