حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب التشهد في الآخرة

( باب التشهد في الآخرة )

217 - حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا الأعمش ، عن شقيق بن سلمة قال : قال عبد الله : كنا إذا صلينا خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلنا : السلام على جبريل وميكائيل ، السلام على فلان وفلان ، فالتفت إلينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : إن الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

مطابقته للترجمة لا تتأتى إلا باعتبار تمام هذا الحديث فإنه أخرج تمامه في باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ، وهو قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في آخر الحديث : " ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو " ومعلوم أن محل الدعاء في آخر الصلاة ، ومعلوم أن الدعاء لا يكون إلا بعد التشهد ، ويعلم من ذلك أن المراد من قوله : " فليقل : التحيات لله " إلى آخره هو التشهد في آخر الصلاة ، فحينئذ طابق الحديث الترجمة بهذا الاعتبار ، لا باعتبار ما قاله ابن رشيد ؛ فإنه قال : ليس في حديث الباب تعيين محل القول ، لكن يؤخذ ذلك من قوله " فإذا صلى أحدكم فليقل " فإن ظاهر قوله : " إذا صلى " أي أتم صلاته ، لكن تعذر الحمل على الحقيقة ؛ لأن التشهد لا يكون إلا بعد السلام ، فلما تعين المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة أولى ؛ لأنه هو الأقرب إلى الحقيقة . انتهى . ( قلت ) : لا نسلم تعذر الحمل على الحقيقة ، فإن حقيقة تمام الصلاة بالجلوس في آخرها لا بالسلام ، حتى إذا خرج بعد جلوسه مقدار التشهد من غير السلام لا تفسد صلاته ؛ لأن السلام محلل ، وما دام المصلي في الجلوس في آخر الصلاة فهو في حرمة الصلاة ، والسلام يخرجه عن هذه الحرمة ، فحينئذ يكون معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فإذا صلى أحدكم " أي فإذا أتم صلاته بالجلوس في آخر الثنائية أو في آخر الثلاثية أو في آخر الرباعية ، فليقل : التحيات لله إلى آخره فدل ج٦ / ص١١٠على أن التشهد في آخر الصلاة واجب لقوله : " فليقل " ؛ لأن مقتضى الأمر الوجوب .

( ذكر رجاله ) وهم أربعة قد ذكروا غير مرة ، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين ، والأعمش هو سليمان ، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه عن شقيق ، وفي رواية يحيى التي تأتي بعد باب " عن الأعمش حدثني شقيق " ورجال الإسناد كلهم كوفيون . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن قبيصة ، عن سفيان .

وعن مسدد ، عن يحيى . وعن عمرو بن حفص بن غياث ، عن أبيه . وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى ، عن أبي معاوية .

وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، عن يحيى . وأخرجه الترمذي ، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي . وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم وعمرو بن علي .

وعن سعيد بن عبد الرحمن . وعن بشر بن خالد ، وفيه : وفي النعوت ، عن قتيبة ، وفي التفسير ، عن قتيبة أيضا . وأخرجه ابن ماجه في الصلاة ، عن أبي بكر بن خلاد .

وعن محمد بن عبد الله بن نمير . وعن محمد بن يحيى الزهري . ( ذكر معناه ) : قوله : " كنا إذا صلينا " ، وفي رواية يحيى الآتية " كنا إذا كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة " ، وفي رواية أبي داود ، عن مسدد شيخ البخاري ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : " كنا إذا جلسنا مع َرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة " الحديث ، ومثله للإسماعيلي من رواية محمد بن خلاد ، عن يحيى .

قوله : " قلنا : السلام على جبريل " ، وفي رواية أبي داود " قلنا : السلام على الله قبل عباده " ، وكذا وقع للبخاري في الاستئذان من طريق حفص بن غياث ، عن الأعمش . وفي جبريل سبع لغات : الأولى : على وزن تغشليل ، الثانية : جبرئل بحذف الياء ، الثالثة : جبريل بحذف الهمزة ، الرابعة : بوزن قنديل ، الخامسة : جبرءل بلام مشددة ، السادسة : جبرائيل بوزن جبراعيل ، السابعة : جبرائل بوزن جبراعل ، ومعناه عبد الله ، ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة . وفي ميكائيل خمس لغات : الأولى : ميكال بوزن قنطار ، الثانية : ميكائيل بوزن ميكاعيل ، الثالثة : ميكائل بوزن ميكاعل ، الرابعة : ميكئل بوزن ميكعل ، الخامسة : ميكئيل بوزن ميكعيل .

قال ابن جني : العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه . قوله : " السلام على فلان وفلان " ، وفي رواية ابن ماجه عن عبد الله بن نمير ، عن الأعمش " يعنون الملائكة " ، وفي رواية الإسماعيلي ، عن علي بن مسهر " فنعد الملائكة " ، وفي رواية السراج ، عن محمد بن فضيل ، عن الأعمش " فنعد من الملائكة ما شاء الله " . قوله : " فالتفت إلينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ظاهره أنه كلمهم بذلك في أثناء الصلاة ، وكذا وقع في رواية حصين ، عن أبي وائل - وهو شقيق - عند البخاري في أواخر الصلاة بلفظ : " فسمعه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : قولوا " ، ولكن بين حفص بن غياث في روايته المحل الذي خاطبهم بذلك فيه ، وأنه بعد الفراغ من الصلاة ، ولفظه : " فلما انصرف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقبل علينا بوجهه " ، وفي رواية عيسى بن يونس أيضا " فلما انصرف من الصلاة قال " .

قوله : " إن الله هو السلام " قال الكرماني : ( فإن قلت ) : هذا إنما يصح ردا عليهم لو قال : السلام على الله . ( قلت ) : هذا الحديث مختصر مما سيأتي في باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ، وقال فيه : " قلنا : السلام على الله فقال : لا تقولوا السلام على الله ، فإن الله هو السلام " وحاصله أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنكر التسليم على الله وعلمهم أن ما يقولونه عكس ما يجب أن يقال : فإن كل سلامة ورحمة له ، ومنه ، وهو مالكها ومعطيها ، وقال الخطابي : المراد أن الله هو ذو السلام ، فلا تقولوا : السلام على الله ، فإن السلام منه بدئ وإليه يعود . ومرجع الأمر في إضافة السلام إليه أنه ذو السلام من كل نقص وآفة وعيب ، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة ، عن الآفات والمهالك ، وقال النووي : معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى يعني السالم من النقائص ، وقيل : المسلم أولياءه ، وقيل : المسلم عليهم ، وقال ابن الأنباري : أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق ؛ لحاجتهم إلى السلامة ، وغناه سبحانه وتعالى عنها .

قوله : " فإذا صلى أحدكم فليقل " بين حفص بن غياث في روايته محل القول ، ولفظه : " فإذا جلس أحدكم في الصلاة " ، وفي رواية حصين عن أبي وائل " إذا قعد أحدكم في الصلاة " ، وفي رواية النسائي من طريق أبي الأحوص ، عن عبد الله " كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين ، وإن محمدا علم فواتح الخير وخواتمه ، فقال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا " وللنسائي من طريق الأسود ، عن عبد الله " فقولوا في كل جلسة " ، وفي رواية ابن خزيمة من وجه آخر ، عن الأسود ، عن ج٦ / ص١١١عبد الله " علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في وسط الصلاة وفي آخرها " وزاد الطحاوي من هذا الوجه في أوله " أخذت التشهد من في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولقننيه كلمة كلمة " ، وفي رواية أخرى للبخاري في الاستئذان من طريق أبي معمر ، عن ابن مسعود " علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التشهد وكفي بين كفيه ، كما يعلمني السورة من القرآن " . قوله : " التحيات " جمع تحية ، ومعناه السلام ، وقيل : البقاء ، وقيل : العظمة ، وقيل : السلامة من الآفات والنقص ، وقيل : الملك ، وقال الخطابي : التحيات كلمات مخصوصة كانت العرب تحيي بها الملوك ، نحو قولهم : أبيت اللعن ، وقولهم : أنعم الله صباحا ، وقول العجم : وزى ده هزار سأل ، أي عش عشرة آلاف سنة ، ونحوها من عاداتهم في تحية الملوك عند الملاقاة ، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على الله تعالى ، فتركت أعيان تلك الألفاظ واستعمل منها معنى التعظيم ، فقيل : قولوا : التحيات لله أي أنواع التعظيم لله ، كما يستحقه . وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه في أسماء الله تعالى السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد ، قال : التحيات لله بهذه الأسماء ، وهي الطيبات لا يحيى بها غيره ، واللام في لله لام الملك والتخصيص ، وهي للأول أبلغ ، وللثاني أحسن .

قوله : " والصلوات " هي الصلوات المعروفة وهي الخمسة وغيرها ، وقال الأزهري : الصلوات العبادات ، وقال الشيخ تقي الدين : يحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة ، ويكون التقدير أنها واجبة لله تعالى ، ولا يجوز أن يقصد بها غيره ، أو يكون ذلك إخبارا عن قصد إخلاصنا الصلوات له أي صلواتنا مخلصة له لا لغيره ، ويجوز أن يراد بالصلوات الرحمة ، ويكون معنى قوله : " لله " أي المتفضل بها والمعطي هو الله ؛ لأن الرحمة التامة لله لا لغيره . قوله : " والطيبات " أي الكلمات الطيبات مما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته ، وقال الشيخ تقي الدين : وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال الطيبات ، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى أعني الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف ، وطيب الأوصاف كونها صفة الكمال وخلوصها عن شوب النقص ، وقال الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه الله : التحيات العبادات القولية ، والصلوات العبادات الفعلية ، والطيبات العبادات المالية ، وقال البيضاوي : " والصلوات والطيبات " بحرف العطف يحتمل أن يكونا معطوفين على التحيات ، وأن تكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه " عليك " ، والطيبات معطوفة عليها ، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة ، والثانية لعطف المفرد على المفرد ، وفي حديث ابن عباس لم يذكر العاطف أصلا . انتهى .

( قلت ) : كل واحدة من الصلوات والطيبات مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره : والصلوات لله والطيبات لله ، فتكون هاتان الجملتان معطوفتين على الجملة الأولى ، وهي التحيات لله . قوله : " السلام عليك أيها النبي " قال النووي : يجوز في السلام في الموضعين حذف اللام وإثباتها ، والإثبات أفضل . ( قلت ) : لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام ، فإن كان مراده من الجواز من جهة العربية فله وجه ، وإن كان من جهة مراعاة لفظ النبي فلا وجه له ، نعم اختلف في حديث ابن عباس ، وهو من أفراد مسلم ، وقال الطيبي : أصل " سلام عليك " سلمت سلاما عليك ، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ، وعدل عن النصب إلى الرفع للابتداء ؛ للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره ، وقال التوربشتي : السلام بمعنى السلامة ، كالمقام والمقامة ، والسلام اسم من أسماء الله تعالى ، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة ، والمعنى أنه سلام من كل عيب وآفة ونقص وفساد ، ومعنى قولنا " السلام عليك " الدعاء أي سلمت من المكاره ، وقيل : معناه اسم السلام عليك كأنه يتبرك عليه باسم الله عز وجل .

( فإن قلت ) : ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله : " عليك أيها النبي " مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق ، كأن يقول : السلام على النبي ، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ، ثم إلى تحية النفس ، ثم إلى تحية الصالحين . ( قلت ) : أجاب الطيبي بما محصله : نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه للصحابة ، ويحتمل أن يقال على طريقة أهل العرفان : إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت ، فقرت أعينهم بالمناجاة ، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته ، فإذا التفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر ، فأقبلوا عليه قائلين : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . ( فإن قلت ) : ما الألف واللام في " السلام عليك " ؟ ( قلت ) : قال الطيبي : إما للعهد التقديري أي ذلك السلام - الذي وجه إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتقدمة - موجه إليك أيها النبي ، والسلام الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا .

وإما للجنس أي حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه ما هو وعمن يصدر ، وعلى ج٦ / ص١١٢من ينزل عليك وعلينا . وإما للعهد الخارجي إشارة إلى قول الله تعالى : وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وقال الشيخ حافظ الدين النسفي : يعني السلام الذي سلم الله عليك ليلة المعراج . ( قلت ) : فعلى هذا تكون الألف واللام فيه للعهد .

( فإن قلت ) : لم عدل عن الوصف بالرسالة إلى الوصف بالنبوة ، مع أن الوصف بالرسالة أعم في حق البشر ؟ ( قلت ) : الحكمة في ذلك أن يجمع له الوصفين لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهد ، وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوة ، لكن التصريح بها أبلغ ، وقيل : الحكمة في تقديم الوصف بالنبوة أنها كذلك وجدت في الخارج ؛ لنزول قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ قبل قوله : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ قوله : " ورحمة الله " الرحمة عبارة عن إنعامه عليه ، وهو المعنى الغائي ؛ لأن معناها اللغوي الحنو والعطف ، فلا يجوز أن يوصف الله به . قوله : " وبركاته " جمع بركة ، وهو الخير الكثير من كل شيء ، واشتقاقه من البرك ، وهو صدر البعير ، وبرك البعير ألقى بركه ، واعتبر منه معنى اللزوم ، وسمي محبس الماء بركة للزوم الماء فيها ، وقال الطيبي : البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء ؛ سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة ، والمبارك ما فيه ذلك الخير ، وقال تعالى : وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ تنبيها على ما تفيض منه الخيرات الإلهية ، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس ، وعلى وجه لا يحصى قيل لكل ما يشاهد فيه زيادة غير محسوسة : هو مبارك أو فيه بركة . قوله : " السلام علينا " أراد بها الحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة عليهم الصلاة والسلام .

قوله : " وعلى عباد الله الصالحين " الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد ، والصلاح هو استقامة الشيء على حالة كماله ، كما أن الفساد ضده ، ولا يحصل الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة ؛ لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات ، لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل ، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة خصوصا لزمرة الأنبياء ؛ لأن الاستقامة التامة لا تكون إلا لمن فاز بالقدح المعلى ، ونال المقام الأسنى ، ومن ثم كانت هذه المرتبة مطلوبة للأنبياء والمرسلين قال الله تعالى في حق الخليل : وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وحكى عن يوسف عليه الصلاة والسلام أنه دعا بقوله : تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ذَلِكَ قوله : " فإنكم إذا قلتموها " إلى قوله : " والأرض " جملة معترضة بين قوله : " وعلى عباد الله الصالحين " وبين قوله : " أشهد أن لا إله إلا الله " والضمير المنصوب في قلتموها يرجع إلى قوله : " وعلى عباد الله الصالحين " . وفائدة هذه الجملة المعترضة الاهتمام بها ؛ لكونه أنكر عليهم عد الملائكة واحدا واحدا ، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك ، فعلمهم لفظا يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة ، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقد وردت هذه الجملة في بعض الطرق في آخر الكلام بعد سياق التشهد متواليا ، والظاهر أنه من تصرف الرواة ، والله أعلم . قوله : " في السماء والأرض " ، وفي رواية مسدد ، عن يحيى " أو بين السماء والأرض " والشك فيه من مسدد ، وفي رواية الإسماعيلي بلفظ " من أهل السماء والأرض " .

قوله : " أشهد أن لا إله إلا الله "

زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة ، عن أبيه " وحده لا شريك له " وسند ضعيف
، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم ، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ ،
وفي رضي الله تعالى عنهما عند الدارقطني ، إلا أن سنده ضعيف
،
وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التشهد " أشهد أن لا إله إلا الله " قال ابن عمر : زدت فيها " وحده لا شريك له " ، وهذا ظاهره الوقف .
قوله : " وأشهد أن محمدا عبد ورسوله " قال أهل اللغة : يقال : رجل محمد ومحمود إذا كثرت خصاله المحمودة ، وقال ابن الفارس : وبذلك سمي نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محمدا ، يعني لعلم الله تعالى بكثرة خصاله المحمودة . ( قلت ) : الفرق بين محمد وأحمد أن محمدا مفعل للتكثير ، وأحمد أفعل التفضيل ، والمعنى إذا حمدني أحد فأنت أحمد منهم ، وإذا حمدت أحدا فأنت محمد ، والعبد الإنسان حرا كان أو رقيقا ، يذهب فيه إلى أنه مربوب لباريه عز وجل ، وجمعه أعبد وعبيد وعباد وعبد وعبدان وعبدان وأعابد - جمع أعبد - والعبدى والعبدي والعبوداء والعبدة أسماء الجمع ، وجعل بعضهم العباد لله وغيره من الجمع لله وللمخلوقين ، وخص بهم بالعبدى العبيد الذين ولدوا في الملك ، والأنثى عبدة ، والعبدل العبد ، ولامه زائدة .

( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه : الأول : فيما ورد من الاختلاف في ألفاظ التشهد روي في هذا الباب عن ابن ج٦ / ص١١٣مسعود وابن عباس وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعائشة وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري ومعاوية وسلمان وسمرة وأبي حميد . أما حديث ابن مسعود فقد رواه الستة عنه ، ولفظ مسلم " قال : علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التشهد كفي بين كفيه ، كما يعلمني السورة من القرآن ، فقال : إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . انتهى .

زادوا في رواية إلا الترمذي وابن ماجه " ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به " . وأما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأخرجه الجماعة - إلا البخاري - عن سعيد ابن جبير وطاوس ، عن ابن عباس قال : " كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمنا التشهد ، كما يعلمنا السورة من القرآن ، وكان يقول : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . وأما حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأخرجه الطحاوي ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث ومالك بن أنس أن ابن شهاب حدثهما عن عروة بن الزبير " عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يعلم الناس التشهد على المنبر ، وهو يقول : قولوا : التحيات لله الزاكيات لله والصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " .

وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما . ( قلت ) : هذا موقوف . ورواه أبو بكر بن مردويه في كتاب التشهد له مرفوعا .

وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه أبو داود ، حدثنا نصر بن علي ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، سمعت مجاهدا يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد " التحيات لله ، الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته - قال ابن عمر : زدت فيها : وحده لا شريك له - وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . وأخرجه الدارقطني ، عن ابن أبي داود ، عن نصر بن علي ، وقال : إسناده صحيح .
وأخرجه الطبراني في الكبير ، حدثنا أبو مسلم الكشي ، حدثنا سهل بن بكار ، حدثنا أبان بن يزيد عن قتادة ، عن عبد الله بن بابي " عن ابن عمر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد : التحيات الطيبات ، الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " .

وأخرجه الطحاوي ، ولفظه : " التحيات لله ، الصلوات الطيبات ، السلام عليك أيها النبي ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " إلا أن يحيى زاد في حديثه " قال ابن عمر : زدت فيها : وبركاته ، وزدت فيها : وحده لا شريك له " ويحيى بن إسماعيل البغدادي أحد مشايخ الطحاوي . وأخرجه البزار مرفوعا أيضا . وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فأخرجه البيهقي في سننه ، عن القاسم عنها " قالت : هذا تشهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التحيات لله " إلى آخره ، وفي رواية عنها " أنها كانت تقول في التشهد في الصلاة في وسطها ، وفي آخرها قولا واحدا : بسم الله ، التحيات لله ، الصلوات لله ، الزاكيات لله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا .

ويعده لنا بيديه عد العرب " . وأما حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما فرواه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، سمعت أبا الورد ، سمعت عبد الله بن الزبير يقول : إن تشهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بسم الله ، وبالله خير الأسماء ، التحيات لله ، الصلوات الطيبات ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، اللهم اغفر لي واهدني هذا في الركعتين الأوليين " ، قال الطبراني : تفرد به ابن لهيعة . ( قلت ) : فيه مقال .

ج٦ / ص١١٤وأما

حديث جابر بن عبد الله فأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي في العلل والحاكم من حديث أيمن بن نائل ، حدثنا أبو الزبير عن جابر قال : " كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمنا التشهد ، كما يعلمنا السورة من القرآن : بسم الله وبالله التحيات لله والصلوات والطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أسأل الله الجنة ، وأعوذ بالله من النار " وصححه الحاكم ، وقال النووي في الخلاصة : وهو مردود فقد ضعفه جماعة من الحفاظ هم أجل من الحاكم وأتقن ، وممن ضعفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي ، قال الترمذي : سألت البخاري عنه فقال : هو خطأ .
وأما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فأخرجه الطحاوي من حديث أبي المتوكل عنه قال : " كنا نتعلم التشهد ، كما نتعلم السورة من القرآن " ، ثم ذكر مثل تشهد ابن مسعود . وأما حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني مطولا ، وفيه : " فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول : التحيات الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " .

وأخرجه أحمد ولم يقل : " وبركاته " ، ولا قال : " وأشهد " قال : " وأن محمدا " . وأما حديث معاوية رضي الله تعالى عنه فأخرجه الطبراني عنه " أنه كان يعلم الناس التشهد وهو على المنبر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : التحيات لله والصلوات والطيبات " إلى آخره ، مثل حديث ابن مسعود . وأما حديث سلمان رضي الله تعالى عنه فأخرجه البزار في مسنده والطبراني في معجمه ، أخرجاه عن سلمة بن الصلت ، عن عمرو بن يزيد الأزدي ، عن أبي راشد قال : " سألت سلمان الفارسي عن التشهد فقال : أعلمكم كما علمنيهن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ التحيات لله والصلوات والطيبات " إلى آخره ، مثل حديث ابن مسعود ، لكن زاد " لله " بعد " الطيبات " ، وقال في آخره : " قلها في صلاتك ، ولا تزد فيها حرفا ، ولا تنقص منها حرفا " وإسناده ضعيف .

وأما حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه فأخرجه أبو داود ، ولفظه : " قولوا : التحيات لله الطيبات والصلوات والملك لله ، ثم سلموا على النبي وسلموا على أقاربكم ، وعلى أنفسكم " وإسناده ضعيف قاله بعضهم ، وليس كذلك ، بل صحيح على شرط ابن حبان .
وأما حديث أبي حميد فأخرجه الطبراني ، مثل حديث ابن مسعود ، ولكن زاد " الزاكيات لله " بعد " الطيبات " وأسقط واو " الطيبات " وإسناده ضعيف .
وفي الباب عن الحسين بن علي وطلحة بن عبيد الله وأنس وأبي هريرة والفضل ابن عباس وأم سلمة وحذيفة والمطلب بن ربيعة وابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهم قالوا : جملة من روى في التشهد من الصحابة أربعة وعشرون صحابيا .

( الوجه الثاني ) في ترجيح تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه على جميع روايات غيره :

قال الترمذي : أصح حديث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد حديث ابن مسعود ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ، ثم أخرج عن معمر ، عن خصيف قال : " رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المنام ، فقلت له : إن الناس قد اختلفوا في التشهد ، فقال : عليك بتشهد ابن مسعود " وأخرج الطبراني في معجمه عن بشير بن المهاجر ، عن أبي بريدة ، عن أبيه قال : " ما سمعت في التشهد أحسن من حديث ابن مسعود ، وذلك أنه رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ، وقال الخطابي : أصح الروايات وأشهرها رجالا تشهد ابن مسعود ، وقال ابن المنذر وأبو علي الطوسي : قد روي حديث ابن مسعود من غير وجه ، وهو أصح حديث روي في التشهد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال أبو عمر : بتشهد ابن مسعود أخذ أكثر أهل العلم ؛ لثبوت فعله عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال علي بن المديني : لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعود ، وأهل البصرة عن أبي موسى ، وبنحوه قاله ابن طاهر ، وقال النووي : أشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ، ثم حديث ابن عباس ، وقال البزار : أصح حديث في التشهد حديث ابن مسعود . وروي عنه من نيف وعشرين طريقا ، ثم سرد أكثرها قال : ولا أعلم في التشهد أثبت منه ، ولا أصح أسانيد ، ولا أشهر رجالا .
( قلت ) : هذا الطحاوي الجهبذ أخرج حديث ابن مسعود في كتابه شرح معاني آثار من اثني عشر طريقا ، وسرد الجميع ، ثم قال في آخر الباب : فلهذا الذي ذكرنا استحسنا ما روي عن عبد الله بتشديده في ذلك ولإجماعهم عليه ؛ إذ كانوا قد اتفقوا على أنه ج٦ / ص١١٥لا ينبغي أن يتشهد إلا بخاص من التشهد ، يعني كلهم اتفقوا على أن التشهد لا يكون إلا بألفاظ مخصوصة ، ولا يكون بأي لفظ كان ، فإذا كان كذلك فالمتفق عليه أولى من المختلف فيه ، فصار كونه متفقا عليه دون غيره من مرجحاته ؛ لأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره ، وإن ابن مسعود تلقاه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلقيا ، فروى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد عنه قال : " أخذت التشهد من في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولقننيه كلمة كلمة " ، وفي رواية أبي معمر عنه " علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التشهد وكفي بين كفيه " ، ومن المرجحات ثبوت الواو في " الصلوات والطيبات " وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فتكون كل جملة ثناء مستقلا ، بخلاف ما إذا حذفت فإنها تكون صفة لما قبلها ، وتعدد الثناء في الأول صريح فيكون أولى ، ولو قيل : إن الواو مقدرة في الثاني .

ومنها أنه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره فإنه مجرد حكاية . ومنها أن في رواية أحمد " أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس " ، ولم ينقل ذلك لغيره ففيه دليل على مزيته ، وقال الكرماني : ذهب الشافعي إلى أن تشهد ابن عباس أفضل ؛ لزيادة لفظة " المباركات " فيه ، وهي موافقة لقول الله تعالى : تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً وقال مالك : تشهد عمر بن الخطاب أفضل ؛ لأنه علمه الناس على المنبر ، ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله . ( قلت ) : وذهب بعضهم إلى عدم الترجيح ، منهم ابن خزيمة .

والجواب عن ترجيح الشافعي حديث ابن عباس بالزيادة - أنها مختلف فيها ،

وحديث ابن مسعود متفق عليه
، كما ذكرنا ، وحديث ابن عباس مذكور معدود في أفراد مسلم ، وأعلى درجة الصحيح عند الحفاظ ما اتفق عليه الشيخان ، ولو في أصله ، فكيف إذا اتفقا على لفظه ؟ فلم يكن ما ذكره سببا للترجيح على أن ابن مسعود قد أنكر على من زاد على ما رواه من لفظ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكونه موافقا لما في القرآن وجه من الترجيح ، فلا يفضل بذلك على الذي له وجوه من الترجيح . والجواب عن ترجيح مالك تشهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه - أنه موقوف عليه ، فلا يلحق المرفوع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال برهان الدين صاحب الهداية : الأخذ بتشهد ابن مسعود أولى ؛ لأن فيه الأمر ، وأقله الاستحباب ، والألف واللام وهما للاستغراق ، وزيادة الواو لتجديد الكلام ، كما في القسم وتأكيد التعليم ، ومما روي في إنكار الزيادة ما رواه الطبراني في الأوسط من حديث العلاء بن المسيب ، عن أبيه قال : كان ابن مسعود يعلم رجلا التشهد فقال عبد الله : أشهد أن لا إله إلا الله فقال الرجل : وحده لا شريك له ، فقال عبد الله : هو كذلك ، ولكن ينتهى إلى ما علمنا ، وفي رواية البزار : فقال عبد الله : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقال الرجل : وأن محمدا عبده ورسوله فأعادها عليه عبد الله مرارا ، كل ذلك يقول : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والرجل يقول : وأن محمدا عبده ورسوله ، فقال عبد الله : كذا علمنا ، وقال ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا وكيع عن إسحاق بن يحيى ، عن المسيب بن رافع ، سمع ابن مسعود رجلا يقول في التشهد : بسم الله ، فقال : إنما يقال هذا على الطعام . ( الوجه الثالث ) في التشهد هل هو واجب أم سنة ؟ فقال الشافعي وطائفة : التشهد الأول سنة ، والآخر واجب ، وقال جمهور المحدثين : هما واجبان ، وقال أحمد : الأول واجب والثاني فرض ، وقد استوفينا الكلام فيه في باب من لم ير التشهد الأول واجبا .

( الوجه الرابع ) في أن السنة في التشهد الإخفاء

لما روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مسعود من السنة أن يخفي التشهد ، وقال حسن غريب
،
وعند الحاكم عن عبد الله : من السنة أن يخفي التشهد ، وقال : صحيح على شرط مسلم
،
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه ، عن عائشة قالت : نزلت هذه الآية في التشهد وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم
.

ورد في أحاديث14 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث