باب فرض الجمعة
ج٦ / ص١٦١( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( كتاب الجمعة ) هذا كتاب في بيان أحكام الجمعة ، وقد ذكرنا فيما مضى أن الكتاب يجمع الأبواب والأبواب تجمع الفصول ، وهذه الترجمة ثبتت في رواية الأكثرين ، ولكن منهم من قدمها على البسملة ، والأصل تقديم البسملة ، وليست هذه الترجمة موجودة في رواية كريمة وأبي ذر عن الحموي ، وهي بضم الميم على المشهور ، وحكى الواحدي إسكان الميم وفتحها وقرئ بها في الشواذ ، قاله الزمخشري ، وقال الزجاج : قرئ بكسرها أيضا . وقال الفراء : خففها الأعمش وثقلها عاصم وأهل الحجاز . وقال الأزهري : من ثقل أتبع الضمة الضمة ، ومن خفف فعلى الأصل .
والقراء قرءوها بالتثقيل . وفي الموعب لابن التياني من قال بالتسكين قال في جمعه : جمع ، ومن قال بالتثقيل قال في جمعه : جمعات . ثم اختلفوا في تسمية هذا اليوم بالجمعة ؛ فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إنما سمي يوم الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم عليه الصلاة والسلام .
وروى ابن خزيمة عن سلمان رضي الله تعالى عنه مرفوعا : " يا سلمان ما تدري يوم الجمعة ؟ قلت : الله أعلم ورسوله أعلم . قال : به جمع أبوك - أو أبوكم " . وفي الأمالي لثعلب : إنما سمي يوم الجمعة لأن قريشا كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة .
وقيل : لأن كعب بن لؤي كان يجمع فيه قومه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبي ، روى ذلك الزبير في كتاب النسب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مقطوعا. وفي كتاب الداودي : سمي يوم الجمعة يوم القيامة لأن القيامة تقوم فيه الناس . وقال ابن حزم : وهو اسم إسلامي ولم يكن في الجاهلية ، إنما كانت تسمى في الجاهلية العروبة فسميت في الإسلام الجمعة ، لأنه يجتمع فيه للصلاة ، اسما مأخوذا من الجمع .
وفي تفسير عبد بن حميد : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقبل أن تنزل الجمعة ، وهم الذين سموها الجمعة ، وذلك أن الأنصار قالوا : لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام ، وكذا للنصارى ، فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه ونذكر الله ونصلي ونشكره ، فاجعلوه يوم العروبة ، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة ، فاجتمعوا إلى أسعد فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه ، وذبح لهم أسعد شاة فتغدوا وتعشوا من شاة وذلك لقلتهم ، فأنزل الله في ذلك بعد إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الآية ، انتهى . وقال الزجاج والفراء وأبو عبيد وأبو عمرو : كانت العرب العاربة تقول ليوم السبت : شبار ، وليوم الأحد : أول ، وليوم الاثنين : أهون ، وليوم الثلاثاء : جبار ، وللأربعاء : دبار ، وللخميس : مونس ، وليوم الجمعة : العروبة ، وأول من نقل العروبة إلى يوم الجمعة كعب بن لؤي . ثم لفظ الجمعة بسكون الميم بمعنى المفعول ، أي : اليوم المجموع فيه ، وبفتحها بمعنى الفاعل ، أي : اليوم الجامع للناس .
قال الكرماني : ( فإن قلت ) : لم أنث الجمعة وهو صفة اليوم ؟ ( قلت ) : ليست التاء للتأنيث ، بل للمبالغة ، كما يقال : رجل علامة ، أو هي صفة للساعة . ( باب فرض الجمعة ) ( لقول الله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قد قلنا إنه استدل على فرضية صلاة الجمعة بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الآية ، ووقع ذكر الآية عند الأكثرين إلى قوله : وَذَرُوا الْبَيْعَ وفي رواية كريمة وأبي ذر ساق جميع الآية . قوله : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة ، يدل على ذلك ما روى الزهري عن السائب بن يزيد " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد لم يكن له مؤذن غيره ، وكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن على المسجد ، فإذا نزل أقام الصلاة ، ثم كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه كذلك ، وعمر رضي الله تعالى عنه كذلك ، حتى إذا كان عثمان رضي الله تعالى عنه وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذانا فأمر بالتأذين الأول على دار له بالسوق يقال ج٦ / ص١٦٢له الزوراء ، فكان يؤذن له عليها ، فإذا جلس عثمان رضي الله تعالى عنه على المنبر أذن مؤذنه الأول ، فإذا نزل أقام الصلاة ، فلم يعب ذلك عليه " .
قوله : " من يوم " بيان لإذا وتفسير له ، وقيل : مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أي : في يوم الجمعة ، كقوله تعالى : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أي : في الأرض . قوله : إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ أي : إلى الصلاة . وعن سعيد بن المسيب " فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ " إلى موعظة الإمام .
وقيل : إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ إلى الخطبة والصلاة . قوله : وَذَرُوا الْبَيْعَ أي : اتركوا البيع والشراء ، لأن البيع يتناول المعنيين جميعا ، وإنما يحرم البيع عند الأذان الثاني . وقال الزهري : عند خروج الإمام .
وقال الضحاك : إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء . وقيل : أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا ، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم وينصبون إلى المصر من كل أوب ، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة ، وحينئذ تحر التجارة ويتكاثر البيع والشراء ، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد قيل لهم : بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا ، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح ، وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه متقارب . قوله : ذَلِكُمْ الكاف فيه حرف الخطاب كالتاء في أنت ، وذلك للدلالة على أحوال المخاطبين وعددهم ، فإذا أشرت إلى واحد مذكر وخاطبت مثله قلت ذلك ، وإذا خاطبت اثنين قلت ذلكما ، وإذا خاطبت جمعا قلت ذلكم ، وإذا خاطبت إناثا قلت ذلكن .
قوله : فَاسْعَوْا فامضوا ، هذه في رواية أبي ذر عن الحموي وحده ، وهو تفسير منه للمراد بالسعي هنا ، بخلاف قوله في الحديث الآخر " فلا تأتوها تسعون " ، فإن المراد به الجري . وفي تفسير النسفي : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فامضوا إليه واعملوا له . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه : سمعت عمر رضي الله تعالى عنه يقرأ : " فامضوا إلى ذكر الله " وعنه : ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا : " فامضوا إلى ذكر الله " .
وروى الأعمش عن إبراهيم كان عبد الله يقرؤها : " فامضوا إلى ذكر الله " ويقول : لو قرأتها " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي . وهي قراءة أبي العالية ، وعن الحسن : ليس السعي على الأقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا المسجد إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوع . وعن قتادة أنه كان يقول في هذه الآية : فَاسْعَوْا أن تسعى بقلبك وعملك وهي المشي إليها .
وقال الشافعي : السعي في هذا الموضع هو العمل ، فإن الله يقول : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى وقال تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى وَأَنَّ وقال تعالى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ثم فرضية الجمعة بالكتاب والسنة والإجماع ونوع من المعنى ؛ أما الكتاب فالآية المذكورة والمراد من الذكر فيها الخطبة باتفاق المفسرين ، والأمر للوجوب ، فإذا فرض السعي إلى الخطبة التي هي شرط جواز الصلاة فإلى أصل الصلاة كان أوجب ، ثم أكد الوجوب بقوله : وَذَرُوا الْبَيْعَ فحرم البيع بعد النداء وتحريم المباح لا يكون إلا من أجل واجب . وأما السنة فحديث جابر وأبي سعيد قالا : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . . الحديث ، وفيه : " واعلموا أن الله فرض عليكم صلاة الجمعة " الحديث ، رواه البيهقي وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الجمعة على من سمع النداء " .
وعن حفصة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال : " رواح الجمعة واجب على كل محتلم " رواه النسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم . قاله النووي. وأما الإجماع فإن الأمة قد أجمعت من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على فرضيتها من غير إنكار ، لكن اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت ، فقال الشافعي في الجديد وزفر ومالك وأحمد ومحمد في رواية : فرض الوقت الجمعة ، والظهر بدل عنها .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في القديم : الفرض هو الظهر ، وإنما أمر غير المعذور بإسقاطه بأداء الجمعة . وقال محمد في رواية : فرضه أحدهما غير عين والتعيين إليه . وفائدة الخلاف تظهر في حر مقيم أدى الظهر في أول وقته يجوز مطلقا حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها ، أو لم يخرج ، لم يبطل فرضه ، لكن عند أبي حنيفة يبطل بمجرد السعي مطلقا وعندهما لا يبطل إلا إذا أدرك ، وعند الشافعي ومن معه لا يجوز ظهره سواء أدرك الجمعة أو لا خرج إليها أو لا ، وأما المعنى فلأنا أمرنا بترك الظهر لإقامة الجمعة والظهر فريضة ولا يجوز ترك الفرض إلا لفرض هو آكد منه وأولى ، فدل على أن الجمعة آكد من الظهر في الفرضية فصارت الجمعة فرض عين ، وقال الخطابي : أكثر الفقهاء على أنها من فروض الكفاية .
قال : هذا غلط . وحكى أبو الطيب عن بعض أصحاب الشافعي : غلط من قال إنها فرض كفاية . قلت : ابن كج يقول إنها فرض كفاية .
ج٦ / ص١٦٣وهو غلط ذكره في الحلية وشرح الوجيز ، وفي الدراية : صلاة الجمعة فريضة محكمة جاحدها كافر بالإجماع . 1 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا أبو الزناد ، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى ربيعة بن الحارث حدثه ، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد . مطابقته للترجمة في قوله : " هذا يومهم الذي فرض الله عليهم " إلى آخره .
ذكر رجاله ، وهم خمسة ؛ الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع . الثاني : شعيب ابن أبي حمزة . الثالث : أبو الزناد ، بكسر الزاي وبالنون ، عبد الله بن ذكوان .
الرابع : الأعرج . الخامس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع ، والتحديث أيضا بصيغة الإفراد في موضع .
وفيه السماع في موضعين . وفيه القول في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته ما بين حمصيين وهما أبو اليمان وشعيب ، ومدنيين وهما أبو الزناد والأعرج .
وأخرجه مسلم عن عمرو الناقد وابن أبي عمر فرقهما ، وأخرجه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن . ذكر معناه وإعرابه قوله : " نحن الآخرون السابقون " في رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند مسلم : " نحن الآخرون ونحن السابقون " ، ومعناه : نحن الآخرون زمانا والسابقون ، يعني : الأولون منزلة . ويقال : معناه : نحن الآخرون لأجل إيتاء الكتاب لهم قبلنا ، ونحن السابقون لهداية الله تعالى لنا لذلك .
ويقال : نحن الآخرون الذين جاءوا آخر الأمم والسابقون الناس يوم القيامة إلى الموقف والسابقون في دخول الجنة ، ويوضح ذلك ما رواه مسلم عن حذيفة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا فهدانا الله تعالى ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد ، كذلك هم تبع لنا يوم القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة ، المقضي لهم قبل الخلائق " . وقيل : المراد بالسبق إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل ، وهو الجمعة . وقيل : المراد بالسبق السبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب ، فقالوا ( سمعنا وعصينا ) .
قوله : " بيد " بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وهو مثل غير وزنا ومعنى وإعرابا ، ويقال : ميد ، بالميم ، وهو اسم ملازم للإضافة إلى أن وصلتها وله معنيان أحدهما : غير ، إلا أنه لا يقع مرفوعا ولا مجرورا بل منصوبا ، ولا يقع صفة ولا استثناء متصلا ، وإنما يستثنى به في الانقطاع خاصة ، وقال ابن هشام : ومنه الحديث " نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا " ، وفي مسند الشافعي : " بأيد أنهم " ، وفي مجمع الغرائب : بعض المحدثين يرويه " بأيد أنا أوتينا " ، أي : بقوة أنا أعطينا ، قال أبو عبيدة : وهو غلط ليس له معنى يعرف . وزعم الداودي أنها بمعنى على أو مع . قال القرطبي : إن كانت بمعنى غير فينصب على الاستثناء ، وإذا كانت بمعنى مع فينصب على الظرف .
وروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن الربيع عنه أن معنى " بيد " من أجل ، وكذا ذكره ابن حبان والبغوي عن المزني عن الشافعي ، وقال عياض : هو بعيد . وقال بعضهم : ولا بعد فيه ، بل معناه : إنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم ، انتهى . قلت : استبعاد عياض موجه ، ونفي هذا القائل البعد بعيد لفساد المعنى ، لأن بيد إذا كان بمعنى من أجل يكون المعنى : نحن السابقون لأجل أنهم أتوا الكتاب ، وهذا ظاهر الفساد على ما لا يخفى ، ثم أكد هذا القائل كلامه بقوله : ويشهد له ما وقع في فوائد ابن المقري في طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ " نحن الآخرون في الدنيا ونحن أول من يدخل الجنة ، لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا " .
قلت : هذا لا يصلح أن يكون شاهدا لما ادعاه ، لأن قوله " لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا " تعليل لقوله " نحن الآخرون في الدنيا " . قوله : " أوتوا الكتاب " أي : أعطوه ، ج٦ / ص١٦٤والمراد من الكتاب التوراة والإنجيل ، فتكون الألف واللام فيه للعهد ، وقال بعضهم : اللام للجنس . وهو غير صحيح .
قوله : " ثم هذا " ، إشارة إلى يوم الجمعة . قوله : " الذي فرض الله عليهم " هو هكذا في رواية الحموي ، وفي رواية الأكثرين " الذي فرض عليهم " وقال ابن بطال : ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه ، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن ، وإنما يدل والله أعلم ، أنه فرض عليهم يوم الجمعة ووكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم ، فاختلفوا في أي الأيام هو ، ولم يهتدوا ليوم الجمعة . وجنح القاضي عياض إلى هذا ورشحه بقوله : لو كان فرض عليهم بعينه لقيل : فخالفوا ، بدل " فاختلفوا " .
وقال النووي : يمكن أن يكونوا أمروا به صريحا فاختلفوا هل يلزم تعيينه أم يسوغ إبداله بيوم آخر ، فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا . وقال بعضهم : ويشهد له
ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله : إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قال : أرادوا الجمعة فأخطؤوا وأخذوا السبت مكانه. قلت : كيف يشهد له هذا وهم أخذوا السبت لأنه جعل عليهم ، وإن كان أخذهم بعد اختلافهم فيه فخطؤهم في إرادتهم الجمعة ، ومع هذا استقروا على السبت الذي جعل عليهم .
وقيل : يحتمل أن يكون فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا ، ويدل عليه ما رواه ابن أبي حاتم من طريق أسباط بن نصر عن السدي التصريح بذلك ولفظه : " إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا : يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا ، فاجعله لنا ، فجعله عليهم " ولم يكن هذا ببعيد منهم ، لأنهم هم القائلون : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا قوله : " فهدانا الله له " يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الله قد نص لنا عليه ، والثاني أن تكون الهداية إليه بالاجتهاد ، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين ، وقد ذكرناه في كتاب الجمعة ، فإن فيه أن أهل المدينة قد جمعوا قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( فإن قلت ) : هذا مرسل . ( قلت ) : وله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث كعب بن مالك قال : " كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أسعد بن زرارة " .
قوله : " تبع " بفتح التاء المثناة والباء الموحدة ، جمع تابع كالخدم جمع خادم . قوله : " اليهود غدا " فيه حذف تقديره : يعظم اليهود غدا ، أو اليهود يعظمون غدا ، فعلى الأول ارتفاع اليهود بالفاعلية وعلى الثاني بالابتداء ، ولا بد من هذا التقدير لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة ، فحينئذ انتصاب غدا على الظرفية ، وكذلك الكلام في قوله : " والنصارى بعد غد " والمراد من قوله : " غدا " السبت ومن قوله : " بعد غد " الأحد ، وإنما اختار اليهود السبت لأنهم زعموا أنه يوم قد فرغ الله منه عن خلق الخلق فقالوا : نحن نستريح فيه عن العمل ونشتغل فيه بالعبادة والشكر لله تعالى ، واختار النصارى يوم الأحد لأنهم قالوا : أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخليقة ، فهو أولى بالتعظيم ، فهدانا الله لليوم الذي فرضه ، وهو يوم الجمعة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه دليل على فرضية الجمعة ، وهو قوله : " فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له " ، لأن التقدير : فرض الله عليهم وعلينا فضلوا وهدينا ، ووقع في رواية مسلم عن أبي الزناد بلفظ : " كتب علينا " ، وفيه أن الهداية والإضلال من الله تعالى ، كما هو قول أهل السنة .
وفيه أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة . وفيه دليل قوي على زيادة فضل هذه الأمة على الأمم السالفة . وفيه سقوط القياس مع وجود النص ، وذلك أن كلا منهما قال بالقياس مع وجود النص على قول التعيين فضلا .
وفيه التفويض وترك الاختيار ، لأنهما اختارا فضلا ونحن علقنا الاختيار على من هو بيده فهدى وكفى .