حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء

حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، قال : أخبرنا جويرية ، عن مالك ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فناداه عمر : أية ساعة هذه ؟ قال : إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين ، فلم أزد أن توضأت . فقال : والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل ! مطابقته للترجمة ، تفهم من قوله : والوضوء أيضا ، لأن معناه : تركت فضيلة الغسل واقتصرت على الوضوء أيضا . ذكر رجاله ، وهم ستة ؛ الأول : عبد الله بن محمد بن أسماء ، بفتح الهمزة وبالمد ، الضبعي ، بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة ، البصري ، ابن أخي جويرية بن أسماء ، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين .

الثاني : جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري ، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة . الثالث : مالك بن أنس . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .

الخامس : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . السادس : أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين .

وفيه العنعنة في أربعة مواضع . وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . وفيه رواية الرجل عن ابن أخيه .

وفيه رواية الابن عن الأب . وفيه أن الاثنين الأولين من الرواة بصريان والبقية مدنيون . وأخرجه الترمذي في الصلاة عن محمد بن أبان ، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري .

ح ، وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، أخبرنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، عن يونس ، عن الزهري ، بهذا الحديث . وروى مالك هذا الحديث عن سالم قال : بينما عمر يخطب يوم الجمعة فذكر الحديث ، قال أبو عيسى : سألت محمدا عن هذا ، فقال : الصحيح حديث الزهري عن سالم عن أبيه ، قال محمد : وقد روي عن مالك أيضا عن الزهري عن سالم عن أبيه ، نحو هذا الحديث ، انتهى . قلت : البخاري أورد الحديث المذكور من رواية جويرية بن أسماء عن مالك ، وهو عند رواة الموطأ عن مالك ليس فيه ذكر ابن عمر ، وحكى الإسماعيلي عن البغوي بعد أن أخرجه من طريق روح بن عبادة عن مالك ، أنه لم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك عبد الله بن عمر غير روح بن عبادة وجويرية ، وقد تابعهما أيضا عبد الرحمن بن مهدي ، أخرجه أحمد بن حنبل عنه بذكر ابن عمر .

ذكر معناه قوله : بينا أصله بين ، فأشبعت فتحة النون فصار بينا ، وربما يدخلها ما فيقال : بينما ، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، وجواب بينا هنا ، قوله : إذا دخل رجل ، والأفصح أن يكون فيه إذ وإذا ، وفي رواية يونس هاهنا بينما بالميم ، وفي رواية المستملي والأصيلي وكريمة إذ دخل رجل وفي رواية غيرهم إذ جاء رجل ، والرجل هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وقد سماه به ابن وهب وابن القاسم في روايتهما عن مالك في الموطأ ، وكذلك سماه معمر في روايته عن الزهري وكذا وقع في رواية ابن وهب عن أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وقال أبو عمر : لا أعلم فيه خلافا غير ذلك . قوله : من المهاجرين الأولين قال الشعبي : هم من أدرك بيعة الرضوان . وسأل قتادة عن سعيد بن المسيب فقال : هم من صلى إلى القبلتين .

قال في الكشاف : هم الذين شهدوا بدرا . قوله : فناداه عمر أي : قال له يا فلان ، قوله : أية ساعة هذه ، أية بتشديد الياء آخر الحروف وهي كلمة يستفهم بها ، وأنث أية لأجل ساعة ، ( فإن قلت ) : قد ذكرت في قوله تعالى : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ( قلت ) : الأمران جائزان ، يقال : أي امرأة جاءتك ، وأية امرأة جاءتك ؟ قال الزمخشري : قرئ ( بأية أرض تموت ) ، وشبه سيبويه تأنيث أي بتأنيث كل في قولهم : كلهن . والساعة اسم لجزء من الزمان مخصوص ويطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءا هي مجموع اليوم والليلة ، ويطلق أيضا على جزء ما غير مقدر من الزمان ولا يتحقق ، وعلى الوقت الحاضر والهندسي يقسم اليوم على اثني عشر قسما وكذا الليلة ، طالا أم قصرا ، فيسمونه ساعة .

( فإن قلت ) : ما هذا الاستفهام ؟ ( قلت ) : استفهام توبيخ وإنكار ، فكأنه يقول : لم تأخرت إلى هذه الساعة ، وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة فقال عمر : لم تحتبسون عن الصلاة ، وفي رواية مسلم : فعرض به عمر ، فقال : ما بال رجال يتأخرون بعد النداء . ( فإن قلت ) : هل صدر هذا كله عن عمر رضي الله تعالى عنه ؟ ( قلت ) : الظاهر ذلك ، ولكن حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر . ( فإن قلت ) : ما كان مراد عمر من هذه المقالة ؟ ( قلت ) : التنبيه إلى ساعات التبكير التي وقع فيها الترغيب ، لأنها إذا انقضت طوت الملائكة الصحف ، كما ورد في الحديث .

( فإن قلت ) : هل فهم عثمان رضي الله تعالى عنه هذا من عمر رضي الله تعالى عنه ؟ ( قلت ) : نعم ، فلذلك بادر إلى الاعتذار عن التأخير بقوله : إني شغلت ، إلى آخره ، وهو على صيغة المجهول ، وقد بين جهة شغله في رواية عبد الرحمن بن مهدي حيث قال : انقلبت من السوق فسمعت النداء ، والمراد به الأذان بين يدي الخطيب . قوله : فلم أنقلب إلى أهلي ، الانقلاب الرجوع من حيث جاء ، وهو انفعال من قلبت الشيء إذا كببته أو ردته . قوله : حتى سمعت التأذين وفي رواية أخرى النداء ، وهو بكسر النون أشهر من ضمها .

قوله : فلم أزد أن توضأت ، كلمة أن هذه صلة زيدت لتأكيد النفي . قوله : والوضوء أيضا ، جاءت الرواية فيه بالواو وحذفها ، وبنصب الوضوء ورفعهما ، أما وجه وجود الواو فهو أن يكون للعطف على الإنكار الأول ، وهو قوله : أية ساعة هذه ، لأن معنى الإنكار : ألم يكفك أن أخرت الوقت وفوت فضيلة السبق حتى أتبعته بترك الغسل والقناعة بالوضوء ، فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولا عليها بتلك اللفظة ، وقال القرطبي : الواو عوض من همزة الاستفهام كما قرأ ابن كثير : ( قال فرعون وآمنتم به ) . وأما وجه حذف الواو فظاهر ، لكن يكون لفظ الوضوء بالرفع والنصب أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ قد حذف خبره تقديره الوضوء أيضا ، يقتصر عليه ، ويجوز أن يكون خبرا محذوف المبتدأ تقديره : كفايتك الوضوء أيضا ، وأما وجه النصب فهو على إضمار فعل التقدير : أتتوضأ الوضوء فقط ، يعني اقتصرت على الوضوء وحده .

قوله : أيضا منصوب على أنه مصدر من آض يئيض ، أي : عاد ورجع . قال ابن السكيت : تقول فعلته أيضا ، إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر ، كأنك أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور . قوله : وقد علمت جملة حالية ، أي : والحال أنك قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل لمن يريد المجيء إلى الجمعة .

( ذكر ما يستفاد منه ) فيه القيام للخطبة وأنه من سننها وأنه على المنبر . وفيه تفقد الإمام رعيته وأمره لهم بمصالح دينهم ، وإنكاره على من أخل بالفضل . وفيه مواجهة الإمام بالإنكار للكبير ليرتدع من هو دونه بذلك .

وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يفسدها . وفيه الاعتذار إلى ولاة الأمور . وفيه إباحة الشغل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء ، ولو أفضى ذلك إلى ترك فضيلة البكور إلى الجمعة ، لأن عمر رضي الله تعالى عنه لم يأمر برفع السوق بعد هذه القصة ، واستدل به مالك على أن السوق لا يمنع يوم الجمعة قبل النداء لكونها كانت في زمن عمر رضي الله تعالى عنه ، ولكون الذاهب إليها مثل عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقد قلنا : إن وجوب السعي وحرمة البيع والشراء بالأذان الذي يؤذن بين يدي المنبر ، لأنه هو الأصل ، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار .

ثم اختلف العلماء في حرمة البيع في ذلك الوقت ؛ فعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي : يجوز البيع مع الكراهة ، وعند مالك وأحمد والظاهرية : البيع باطل ، وقد عرف في الفروع . وفيه جواز شهود الفضلاء السوق ومعاناة التجر . وفيه أن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين ، وقد استدل بعضهم بقوله : كان يأمر بالغسل إن الغسل يوم الجمعة واجب ، وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنه لو كان واجبا لرجع عثمان حين كلمه عمر رضي الله تعالى عنه ، أو لرده عمر حين لم يرجع ، فلما لم يرجع ولم يؤمر بالرجوع ويحضرهما المهاجرون والأنصار دل على أنه ليس بواجب ، وهذه قرينة على أن المراد من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي فيه فليغتسل ، ليس أمر الإيجاب بل هو للندب ، وكذا المراد من قوله : واجب أنه كالواجب ، جمعا بين الأدلة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث