باب الذكر في الكسوف
« باب الذكر في الكسوف » رواه ابن عباس رضي الله عنهما . أي روى الذكر في الكسوف عبد الله بن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم في حديثه في باب صلاة الكسوف جماعة .
وفيه : فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله . 96 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا ، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ ، وَقَالَ : هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ عز وجل ، لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ الله وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ . مطابقته للترجمة في قوله « فافزعوا إلى ذكر الله » .
ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي . الثاني : أبو أسامة حماد بن زيد القرشي الكوفي . الثالث : بريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء ، ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي .
الرابع : جده أبو بردة ، اسمه الحارث بن أبي موسى ، ويقال : عامر بن أبي موسى ، ويقال : اسمه كنيته . الخامس : عبد الله بن قيس الأشعري . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين .
وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه القول في موضعين . وفيه أن رجال إسناده كوفيون .
وفيه ثلاثة مكيون . وفيه رواية الرجل عن جده ، وجده عن أبيه . والحديث أخرجه مسلم أيضا ، عن عبد الله بن براد ، وأبي كريب .
وأخرجه النسائي ، عن موسى بن عبد الرحمن . ذكر معناه : قوله « فزعا » بكسر الزاي صفة مشبهة ، ويجوز أن يكون بفتح الزاي ، ويكون مصدرا بمعنى الصفة . قوله « يخشى » جملة في محل النصب على الحال .
قوله « أن يكون » في محل النصب على أنه مفعول يخشى . قوله « الساعة » بالنصب والرفع ، أما النصب فعلى أن يكون خبر "يكون" ناقصة ، والضمير الذي فيه يرجع إلى الخسف الذي يدل عليه خسفت ، وأما الرفع فعلى أن يكون "تكون" تامة . قال الكرماني : وهذا تمثيل من الراوي ، كأنه قال : فزعا كالخاشي أن تكون القيامة ، وإلا فكان النبي صلى الله عليه وسلم عالما بأن الساعة لا تقوم ، وهو بين أظهرهم ، وقد وعده الله إعلاء دينه على الأديان كلها ، ولم يبلغ الكتاب أجله .
وقال النووي : قد يستشكل هذا من حديث : إن الساعة لها مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها كطلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة ، والدجال ، وغيرها ، وكيف الخشية من قيامها حينئذ ، ويجاب بأنه لعل هذا الكسوف كان قبل إعلامه صلى الله عليه وسلم بهذه العلامات ، أو لعله خشي أن تكون بعض مقدماتها ، أو أن الراوي ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خشي أن تكون الساعة ، وليس يلزم من ظنه أن يكون صلى الله عليه وسلم خشي حقيقة ، بل ربما خاف وقوع عذاب الأمة ، فظن الراوي ذلك . قلت : كل واحد من هذه الأجوبة لا يخلو عن نظر إذا تأمله الناظر ، والأوجه في ذلك ما قاله الكرماني ، أو أنه ج٧ / ص٨٩صلى الله عليه وسلم جعل ما سيقع كالواقع إظهارا لتعظيم شأن الكسوف ، وتنبيها لأمته أنه إذا وقع بعده يخشون أمر ذلك ، ويفزعون إلى ذكر الله والصلاة والصدقة ؛ لأن ذلك مما يدفع الله به البلاء . قوله « رأيته قط يفعله » كلمة قط لا تقع إلا بعد الماضي المنفي ، وهنا وقعت بدون كلمة ما ، مع أن في كثير من النسخ ، وقعت على الأصل ، وهو ما رأيته قط يفعله ، ووجه ذلك إما أن يقدر حرف النفي كما في قوله تعالى : تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ وإما أن لفظ أطول فيه معنى عدم المساواة ، أي بما لم يساو قط قياما رأيته يفعله ، وإما أن يكون قط بمعنى حسب ، أي صلى في ذلك اليوم ، فحسب بأطول قيام رأيته يفعله ، أو يكون بمعنى أبدا ، وينبغي أن تكون لفظة قَطْ في النسخة التي ما تقدمها حرف النفي بفتح القاف وسكون الطاء ؛ لأنه حينئذ يكون بمعنى حسب ، فلا يقتضي حرف النفي ، وأما إذا كان على بابه فهو بفتح القاف وضمها ، وتشديد الطاء وتخفيفها ، وبفتحها وكسر الطاء المخففة .
قوله « هذه الآيات » أشار بها إلى الآيات التي تقع مثل الكسوف ، والخسوف ، والزلزلة ، وهبوب الريح الشديدة ، ونحوها ، ففي كل واحدة منها تخويف الله تعالى لعباده كما في قوله تعالى : وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا وَإِذْ ويفهم من هذا أن المبادرة والذكر والدعاء لا يختص بالكسوفين ، وبه قال أصحابنا ، وحكي ذلك عن أبي موسى . وقال بعضهم : لم يقع في هذه الرواية ذكر الصلاة ، فلا حجة فيه لمن استحبها عند كل آية . قلت : لم تنحصر الحجة بهذه الرواية ، بل في قوله « افزعوا إلى ذكر الله » حجة لمن قال ذلك ؛ لأن الصلاة يطلق عليها ذكر الله ؛ لأن فيها أنواعا من ذكر الله تعالى ، وقد ورد ذلك في « صحيح مسلم » : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن .