« باب من قرأ السجدة ، ولم يسجد » أي هذا باب في بيان من قرأ السجدة » أي آية السجدة ، والحال أنه لم يسجد . فإن قلت : ما الألف واللام في السجدة . قلت : لا يجوز أن تكون للجنس ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سجد في كثير من آيات السجدة على ما ورد ، والظاهر أنها للعهد يرجع إلى السجدة التي في النجم ، يعني قرأ سجدة النجم ولم يسجد ، والحديث فيه فافهم . 107 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ ، عَنْ ابْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ : أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَزَعَمَ : أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالنَّجْمِ. فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، وهم ستة : الأول : أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني البصري ، وقد تقدم في باب علامات المنافق . الثاني : إسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري المدني . الثالث : يزيد ، من الزيادة ، ابن عبد الله بن خصيفة بضم الخاء المعجمة ، وفتح الصاد المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الفاء ، مر في باب رفع الصوت في المساجد . الرابع : ابن قسيط بضم القاف ، وفتح السين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالطاء المهملة ، وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط ، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة . الخامس : عطاء بن يسار ، وقد تقدم غير مرة . السادس : زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع واحد ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد . وفيه العنعنة في موضعين . وفيه السؤال . وفيه أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري . وفيه أن شيخه ذكره مكنى . وفيه من ذكر بأنه ابن فلان . وفيه من نسب إلى جده ، وهو يزيد بن خصيفة . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في سجود القرآن عن آدم ، عن ابن أبي ذئب . وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن يحيى بن يحيى ، ويحيى بن أيوب ، وقتيبة ، وعلي بن حجر ، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به . وأخرجه أبو داود فيه ، عن هناد ، عن وكيع ، عن ابن أبي ذئب به . وأخرجه الترمذي فيه ، عن يحيى بن موسى ، عن وكيع به ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي فيه ، عن علي بن حجر به . ذكر معناه : قوله « سأل زيد بن ثابت » فيه المسئول عنه محذوف ، والظاهر أنه هو السجود في النجم ، وأجاب بقوله : أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم النجم ، فلم يسجد فيها . وقال بعضهم : وظاهر السياق يوهم أن المسئول عنه السجود في النجم ، وليس كذلك ، وقد بينه مسلم عن علي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر بهذا الإسناد ، وقال : سألت زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام ، فقال : لا قراءة مع الإمام في شيء ، وزعم أنه قرأ النجم الحديث ، فحذف المصنف الموقوف ؛ لأنه ليس من غرضه في هذا المكان ، ولأنه يخالف زيد بن ثابت في ترك القراءة خلف الإمام . قلت : هذا مردود من وجوه : الأول : قوله « يوهم » ليس كذلك ، بل تحقق أن المسئول عنه السجود في النجم ، وذلك لأن حسن تركيب الكلام أن يكون بعضه ملتئما بالبعض ، ورواية البخاري هكذا تقتضي ذلك . الثاني : قوله « فحذف المصنف الموقوف ؛ لأنه ليس من غرضه في هذا المكان » كلام واه ؛ لأنه يقتضي أن يكون البخاري يتصرف في متن الحديث بالزيادة والنقصان لأجل غرضه ، وهو بريء من ذلك ، وإنما البخاري روى هذا الحديث عن أبي الربيع سليمان ، ومسلم روى عن أربعة أنفس : يحيى بن يحيى ، ويحيى بن أيوب ، وقتيبة بن سعيد ، وعلي بن حجر ، وهم وسليمان اتفقوا على روايتهم عن إسماعيل بن جعفر ، فسليمان روى عنه بالسياق المذكور ، والأربعة رووا عنه بالزيادة المذكورة ، وما الداعي للبخاري أن يحذف تلك الزيادة لأجل غرضه ؟! فلا ينسب ذلك إلى البخاري ، وحاشاه من ذلك . الثالث : قوله « ولأنه يخالف زيد بن ثابت » كلام مردود أيضا ؛ لأن مخالفته لزيد بن ثابت في ترك القراءة خلف الإمام لا يستدعي حذف ما قاله زيد ؛ لأن هذا الموضع ليس في بيان موضع قراءة المقتدي خلف الإمام ، وإنما الكلام والترجمة في السجدة في سورة النجم ، وليس من الأدب أن يقال : يخالف البخاري مثل زيد بن ثابت ، كذا في التصريح حتى لو سئل البخاري أنت تخالف زيد بن ثابت في قوله هذا لكان يقول زيد بن ثابت ذهب إلى شيء لما ظهر عنده ، وأنا ذهبت إلى شيء لما ظهر عندي ، وكان يراعي الأدب ، ولا يصرح بالمخالفة . وأما متن حديث مسلم ، فهكذا حدثنا يحيى بن يحيى ، ويحيى بن أيوب ، وقتيبة بن سعيد ، وابن حجر ، قال يحيى : أخبرنا ، وقال الآخرون : حدثنا إسماعيل ، وهو ابن جعفر ، عن يزيد بن خصيفة ، عن ابن قسيط ، عن عطاء بن يسار ، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه عن القراءة مع الإمام ، فقال : لا قراءة مع الإمام في شيء ، وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم " وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى " فلم يسجد . ففي رواية مسلم : أجاب زيد بن ثابت عما سأله عطاء بن يسار ، وأفاد بفائدة أخرى زائدة على ما سأله ، ورواية البخاري إما وقعت مختصرة ، أو كان سؤال عطاء ابتداء عن سجدة النجم ، فأجاب عن ذلك مقتصرا عليه ، وكلا الوجهين جائزان ، فلا يتكلف في تصرف الكلام بالعسف . قوله « فزعم » هو يطلق على القول المحقق ، وعلى المشكوك فيه ، والأول هو المراد هناك . قوله « فلم يسجد فيها » أي لم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم في سجدة النجم . ذكر ما يستنبط منه ، وهو على وجوه : الأول : احتج به مالك في المشهور عنه ، والشافعي في القديم ، وأبو ثور على أنه لا يسجد للتلاوة في آخر النجم ، وهو قول عطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وعكرمة ، وطاوس ، ويحكى ذلك عن ابن عباس ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأجاب الطحاوي عن ذلك ، فقال : ليس في الحديث دليل على أن لا سجود فيها ؛ لأنه قد يحتمل أن يكون ترك النبي صلى الله عليه وسلم السجود فيها حينئذ ؛ لأنه كان على غير وضوء ، فلم يسجد لذلك ، ويحتمل أن يكون تركه لأنه كان وقتا لا يحل فيه السجود ، ويحتمل أن يكون تركه لأن الحكم عنده بالخيار ، إن شاء سجد وإن شاء ترك ، ويحتمل أن يكون تركه لأنه لا سجود فيها ، فلما احتمل تركه السجود هذه الاحتمالات يحتاج إلى شيء آخر من الأحاديث نلتمس فيه حكم هذه السورة هل فيها سجود أم لا ؟ فوجدنا فيها حديث عبد الله بن مسعود الذي مضى فيما قبل فيه تحقيق السجود فيها ، فالأخذ بهذا أولى ، وكان تركه في حديث زيد لمعنى من المعاني التي ذكرنا ، وأجيب أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد على الفور ، ولا يلزم منه أن لا يكون فيه سجدة ، ولا فيه نفي الوجوب . الثاني : استدل به بعضهم على أن المستمع لا يسجد إلا إذا سجد القارئ لآية السجدة ، وبه قال أحمد ، وإليه ذهب القفال . وقال الشيخ أبو حامد ، والبغداديون : يسجد المستمع ، وإن لم يسجد القارئ ، وبه قالت المالكية . وعند أصحابنا : يجب على القارئ والسامع جميعا ، ولا يسقط عن أحدهما بترك الآخر . الثالث : استدل به البيهقي وغيره على أن السامع لا يسجد ما لم يكن مستمعا ، قال : وهو أصح الوجهين ، واختاره إمام الحرمين ، وهو قول المالكية ، والحنابلة ، وقال الشافعي في « مختصر البويطي » : لا أؤكده عليه كما أؤكده على المستمع ، وإن سجد فحسن . ومذهب أبي حنيفة وجوبه على السامع والمستمع والقارئ ، وروى ابن أبي شيبة في « مصنفه » عن ابن عمر أنه قال : السجدة على من سمعها ، ومن تعليقات البخاري قال عثمان : إنما السجود على من استمع .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/393621
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة