باب الصلاة بمنى
« باب الصلاة بمنى » 117 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ، ثُمَّ أَتَمَّهَا .
مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين الإطلاق الذي فيها ، فإن الإطلاق فيها يتناول الصلاة ركعتين ، ويتناولها أربعا أيضا ، فصارت المطابقة من جهة التفصيل بعد الإجمال ، أو من جهة التقييد بعد الإطلاق ، ولكن حكم المسألة كما ينبغي لا يفهم منه ، وهو أن المقيم بمنى هل يقصر أو يتم ، فلذلك لم يذكر حكمها في الترجمة ، وسنبينها إن شاء الله تعالى . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وعبيد الله بن عمر . والحديث أخرجه مسلم في الصلاة ، عن محمد بن المثنى ، وعبيد الله بن سعيد .
وأخرجه النسائي فيه ، عن عبيد الله بن سعيد . قوله « بمنى » في رواية مسلم ، عن سالم ، عن أبيه : بمنى ، وغيره . قوله « صدرا » أي أول خلافته ، وهي ست سنين ، أو ثمان سنين على خلاف فيه .
قوله « من إمارته » بكسر الهمزة ، وهي خلافته . قوله « ثم أتمها » أي بعد ذلك ؛ لأن القصر والإتمام جائزان ، ورأى ترجيح طرف الإتمام ؛ لأن فيه زيادة مشقة . وفي رواية أبي أسامة ، عن عبيد الله عند مسلم : ثم إن عثمان صلى أربعا ، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا ، وإذا صلى وحده صلى ركعتين .
وفي رواية لمسلم ، عن حفص بن عاصم ، عن ابن عمر قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنى صلاة المسافر ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ثمان سنين ، أو ست سنين . وروى أبو داود الطيالسي في « مسنده » ، عن زمعة ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى صلاة السفر ركعتين ، ثم صلى أبو بكر ركعتين ، ثم صلى بعده عمر ركعتين ، ثم صلى بعده عثمان ركعتين ، ثم إن عثمان أتم بعد . ذكر ما يستنبط منه : قال ابن بطال : اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها ، وبمنى ، وبسائر المشاهد ؛ لأنه عندهم في سفر ؛ لأن مكة ليست دار أربعة إلا لأهلها ، أو لمن أراد الإقامة بها ، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بها ، فلذلك لم ينو رسول الله صلى الله عليه وسلم الإقامة بها ، ولا بمنى .
قال : واختلف العلماء في صلاة المكي بمنى ، فقال مالك : يتم بمكة ويقصر بمنى ، وكذلك أهل منى يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات . قال : وهذه المواضع مخصوصة بذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه ، ولا قال لأهل مكة أتموا . وهذا موضع بيان .
وممن روي عنه أن المكي يقصر بمنى : ابن عمر ، وسالم ، والقاسم ، وطاوس ، وبه قال الأوزاعي ، وإسحاق ، وقالوا : إن القصر سنة الموضع ، وإنما يتم بمنى وعرفات من ج٧ / ص١١٩كان مقيما فيها ، وقال أكثر أهل العلم ، منهم عطاء ، والزهري ، والثوري ، والكوفيون ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور - لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى ، وعرفات لانتفاء مسافة القصر ، وقال الطحاوي : وليس الحج موجبا للقصر ؛ لأن أهل منى وعرفات إذا كانوا حجاجا أتموا ، وليس هو متعلقا بالموضع ، وإنما هو متعلق بالسفر ، وأهل مكة مقيمون هناك لا يقصرون ، ولما كان المقيم لا يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج . ذكر المسافة التي تقصر فيها الصلاة : اختلف العلماء فيها ، فقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والكوفيون : المسافة التي تقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام ، ولياليهن بسير الإبل ، ومشي الأقدام . وقال أبو يوسف : يومان ، وأكثر .
الثالث : وهي رواية الحسن ، عن أبي حنيفة ، ورواية ابن سماعة ، عن محمد ، ولم يريدوا به السير ليلا ونهارا ؛ لأنهم جعلوا النهار للسير ، والليل للاستراحة ، ولو سلك طريقا هي مسيرة ثلاثة أيام ، وأمكنه أن يصل إليها في يوم من طريق أخرى قصر ، ثم قدروا ذلك بالفراسخ ، فقيل : أحد وعشرون فرسخا ، وقيل : ثمانية عشر ، وعليه الفتوى ، وقيل : خمسة عشر فرسخا ، وإلى ثلاثة أيام ذهب عثمان بن عفان ، وابن مسعود ، وسويد بن غفلة ، والشعبي ، والنخعي ، والثوري ، وابن حي ، وأبو قلابة ، وشريك بن عبد الله ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن سيرين ، وهو رواية عن عبد الله بن عمر ، وعن مالك : لا يقصر في أقل من ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي ، وذلك ستة عشر فرسخا ، وهو قول أحمد ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل ستة آلاف ذراع ، والذراع أربع وعشرون أصبعا معترضة معتدلة ، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات ، وذلك يومان ، وهو أربعة برد ، هذا هو المشهور عنه كأنه احتج
بما رواه الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه ، وعطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان . وعبد الوهاب ضعيف ، ومنهم من يكذبه، وعنه أيضا : خمسة وأربعون ميلا . وللشافعي سبعة نصوص في المسافة التي تقصر فيها الصلاة : ثمانية وأربعون ميلا ، ستة وأربعون ، أكثر من أربعين ، أربعون ، يومان وليلتان ، يوم وليلة .
وهذا الآخر قال به الأوزاعي قال أبو عمر : قال الأوزاعي : عامة الفقهاء يقولون به . قال أبو عمرو ، عن داود : يقصر في طويل السفر ، وقصيره . زاد ابن حامد : حتى لو خرج إلى بستان له خارج البلد قصر ، وزعم أبو محمد أنه لا يقصر عندهم في أقل من ميل ، وروي الميل أيضا عن ابن عمر .
روي عنه أنه قال : لو خرجت ميلا لقصرت ، وعنه : إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر ، وعنه : ثلاثة أميال ، وعن ابن مسعود : أربعة أميال . وفي « المصنف » حدثنا هشيم ، عن أبي هارون ، عن أبي سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فرسخا قصر الصلاة . وحدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن النزال : أن عليا رضي الله تعالى عنه خرج إلى النحيلة ، فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ، ثم رجع من يومه ، قال : أردت أن أعلمكم سنة نبيكم .
وكان حذيفة يصلي ركعتين فيما بين الكوفة والمدائن ، وعن ابن عباس : تقصر الصلاة في مسيرة يوم وليلة . وعن ابن عمر ، وسويد بن غفلة ، وعمر بن الخطاب : ثلاثة أميال ، وعن أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - قصر . رواه مسلم .
قال أبو عمر : هذا عن يحيى بن يزيد الهنائي ، قال : سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج . . إلى آخره . ويحيى شيخ بصري ليس لمثله أن يروي مثل هذا الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعين ، ولا هو ممن يوثق به في مثل ضبط هذا الأمر ، وقد يحتمل أن يكون أراد سفرا بعيدا ، ثم أراد ابتداء قصر الصلاة إذا خرج ومشى ثلاثة أميال ، فيتفق حضور صلاة فيقصر ، وعن الحسن : يقصر لمسيرة ليلتين .
وعند أبي الشعشاء : ستة أميال . وعند مسلم ، عن جبير بن نفير قال : خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشرة ، أو ثمانية عشر ميلا ، فصلى ركعتين ، فقلت له ، فقال : رأيت عمر رضي الله تعالى عنه صلى بذي الحليفة ركعتين ، فقلت له ، فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ذكر السبب في إتمام عثمان الصلاة بمنى : للعلماء في ذلك أقوال منها أنه أتمها بمنى خاصة ، قال أبو عمر : قال قوم : أخذ بالمباح في ذلك ، إذ للمسافر أن يقصر ويتم ، كما له أن يصوم ويفطر ، وقال الزهري : إنما صلى بمنى أربعا ؛ لأن الأعراب كانوا كثيرين في ذلك العام ، فأحبب أن يخبرهم بأن الصلاة أربع ، وروى معمر ، عن الزهري : أن عثمان صلى بمنى أربعا ؛ لأنه أجمع الإقامة بعد الحج ، وروى يونس عنه : لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف ، وأراد أن يقيم بها صلى أربعا ، وروى مغيرة ، عن إبراهيم قال : صلى أربعا ؛ لأنه كان اتخذها وطنا ، وقال البيهقي : وذلك مدخول ؛ لأنه لو كان إتمامه لهذا المعنى لما خفي ذلك ج٧ / ص١٢٠على سائر الصحابة ، ولما أنكروا عليه ترك السنة ، ولما صلى ابن مسعود في منزله .
وقال ابن بطال : الوجوه التي ذكرت عن الزهري كلها ليست بشيء ، أما الوجه الأول فقد قال الطحاوي : الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل في زمن الشارع ، فلم يتم بهم لتلك العلة ، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه الشارع ؛ لأنه بهم رءوف رحيم ألا ترى أن الجمعة لما كان فرضها ركعتين لم يعدل عنها ، وكان يحضرها الغوغاء والوفود ، وقد تجوزوا أن صلاة الجمعة في كل يوم ركعتان . وأما الوجه الثاني فلأن المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة ،
وصح عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلا على ظهر الرواحل ، ويسرع الخروج من مكة خشية أن يرجع في هجرته التي هاجر لله تعالى، وقال ابن التين : لا يمتنع ذلك إذا كان له أمر أوجب ذلك الضرورة ، وقد قال مالك في « العتبية » فيمن يقيم بمنى ليخف الناس - يتم في أحد قوليه . وأما الوجه الثالث فيه بعد ، إذ لم يقل أحد إن المسافر إذا مر بما يملكه من الأرض ، ولم يكن له فيها أهل أن حكمه حكم المقيم ، وقيل : إنما كان عثمان أتم ؛ لأن أهله كانوا معه بمكة ، ويرد هذا أن الشارع كان يسافر بزوجاته ، وكن معه بمكة ، ومع ذلك كان يقصر .
فإن قلت : روى عبد الله بن الحارث بن أبي ذئاب ، عن أبيه ، وقد عمل الحارث لعمر بن الخطاب قال : صلى بنا عثمان أربعا ، فلما سلم أقبل على الناس ، فقال : إني تأهلت بمكة ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من تأهل ببلدة ، فهو من أهلها ، فليصل أربعا .
وعزاه ابن التين إلى رواية ابن شخير : أن عثمان صلى بمنى أربعا ، فأنكروا عليه ، فقال : يا أيها الناس إني لما قدمت تأهلت بها ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تأهل الرجل ببلدة فليصل بها صلاة المقيم . قلت : هذا منقطع،
أخرجه البيهقي من حديث عكرمة بن إبراهيم ، وهو ضعيف ، عن ابن أبي ذئاب ، عن أبيه قال : صلى عثمان، وقال ابن حزم : إن عثمان كان أمير المؤمنين ، فحيث كان في بلد فهو عمله ، وللإمام تأثير في حكم الإتمام كما له تأثير في إقامة الجمعة إذا مر بقوم أنه يجمع بهم الجمعة ، غير أن عثمان سار مع الشارع إلى مكة وغيرها ، وكان مع ذلك يقصر ، ورد بأن الشارع كان أولى بذلك ، ومع ذلك لم يفعله ،
وصح عنه : أنه كان يصلي في السفر ركعتين إلى أن قبضه الله تعالى.
وقال ابن بطال : والوجه الصحيح في ذلك والله أعلم أن عثمان وعائشة رضي الله تعالى عنهما إنما أتما في السفر ؛ لأنهما اعتقدا في قصره صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لما خير بين القصر والإتمام اختار الأيسر من ذلك على أمته ، وقد قالت عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فأخذت هي وعثمان في أنفسهما بالشدة ، وتركا الرخصة إذ كان ذلك مباحا لهما في حكم التخيير فيما أذن الله تعالى فيه ، ويدل على ذلك إنكار ابن مسعود الإتمام على عثمان ، ثم صلى خلفه وأتم ، فكلم في ذلك ، فقال : الخلاف شر .