حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب يصلي المغرب ثلاثا في السفر

( باب يصلي المغرب ثلاثا في السفر )

126 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء . قال سالم : وكان عبد الله يفعله إذا أعجله السير .

وزاد الليث قال : حدثني يونس عن ابن شهاب قال سالم : كان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة . قال سالم : وأخر ابن عمر المغرب وكان استصرخ على امرأته صفية بنت أبي عبيد فقلت له : الصلاة ، فقال : سر ، فقلت له : الصلاة ، فقال : سر ، حتى سار ميلين أو ثلاثة ، ثم نزل فصلى ، ثم قال : هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إذا أعجله السير ، وقال عبد الله : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أعجله السير يقيم المغرب فيصليها ثلاثا ، ثم يسلم ، ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء فيصليها ركعتين ، ثم يسلم ولا يسبح بعد العشاء حتى يقوم من جوف الليل . مطابقته للترجمة في قوله : " يقيم المغرب فيصليها ثلاثا " .

( ذكر رجاله ) وهم سبعة . الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني . الثاني : شعيب بن أبي حمزة .

الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الرابع : سالم بن عبد الله بن عمر . الخامس : ج٧ / ص١٣٦الليث بن سعد .

السادس : يونس بن يزيد . السابع : عبد الله بن عمر بن الخطاب . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه حدثنا أبو اليمان ، وفي بعض النسخ أخبرنا ، وفيه الإخبار أيضا بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه القول في ثمانية مواضع ، وفيه الرؤية في موضعين ، وفيه أن شيخه وشيخ شيخه حمصيان والزهري وسالم مدنيان والليث مصري ويونس أيلي .

وهذا الحديث أخرجه البخاري في موضعين في «تقصير الصلاة» عن أبي اليمان ، وأخرجه النسائي في «الصلاة» عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير وعن أحمد بن محمد بن مغيرة . ( ذكر معناه ) قوله : " كان إذا أعجله السير في السفر " قيد السفر يخرج ما إذا كان خارج البلد في بستانه أو كرمه مثلا . قوله : " يؤخر المغرب " أي : يؤخر صلاة المغرب إلى وقت العشاء .

قوله : " يفعله " أي : يفعل تأخير المغرب إلى وقت العشاء إذا كان يعجله السير في السفر . قوله : " وزاد الليث " أي : الليث بن سعد ، وقد وصل الإسماعيلي فقال : أخبرني القاسم بن زكريا حدثنا ابن زنجويه وحدثني إبراهيم بن هانئ حدثنا الرمادي قال : حدثنا أبو صالح حدثنا الليث بهذا ، وقال الإسماعيلي : رأى البخاري أول الإرسال من الليث أقوى من روايته عن أبي صالح عن الليث ، ولم يستخبر أن يروي عنه . ( قلت ) : هذا الوجه الذي ذكره فيه نظر ؛ لأن البخاري روى عن أبي صالح في صحيحه على الصحيح ولكنه يدلسه فيقول : حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو ، نعم قد علق البخاري حديثا فقال فيه : قال الليث بن سعد : حدثني جعفر بن ربيعة ، ثم قال في آخر الحديث : حدثني عبد الله بن صالح قال : حدثنا الليث ، فذكره ، ولكن هذا عند ابن حمويه السرخسي دون صاحبيه ، وقال في تذهيب التهذيب : وقد صرح ابن حمويه عن الفربري عن البخاري بروايته عن عبد الله بن صالح عن الليث في حديث رواه البخاري أولا تعليقا ، فلما فرغ من المتن قال : حدثني عبد الله بن صالح عن الليث به .

ثم اعلم أن ظاهر سياق البخاري يدل على أن جميع ما بعد قوله : " زاد الليث " ليس داخلا في رواية شعيب عن الزهري ، وليس كذلك ، فإن رواية شعيب عنه تأتي بعد ثمانية أبواب في «باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء» وإنما الزيادة في قصة صفية وفعل ابن عمر خاصة ، وفي التصريح بقوله : " قال عبد الله : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فقط . قوله : " استصرخ " بضم التاء على صيغة المجهول ، أي : أخبر بموت زوجته صفية بنت أبي عبيد ، هي أخت المختار الثقفي ، وهو من الصراخ بالخاء المعجمة ، وأصله الاستغاثة بصوت مرتفع ، وكان هذا بطريق مكة ، بين ذلك في كتاب الجهاد من رواية أسلم مولى عمر رضي الله تعالى عنه على ما يجيء في كتاب الجهاد في «باب السرعة في السير» . قوله : " الصلاة " بالنصب على الإغراء ويجوز الرفع على الابتداء ، أي : الصلاة حضرت ، ويجوز الرفع على الخبرية ، أي : هذه الصلاة ، أي : وقت الصلاة .

قوله : " فقال : سر " أي : فقال عبد الله لسالم : سر ، وهو أمر من سار يسير . قوله : " ميلين " قد مضى أن الميل ثلث فرسخ وهو أربعة آلاف خطوة . قوله : " ثم قال " أي : عبد الله بن عمر .

قوله : " يقيم المغرب " من الإقامة ، هكذا في رواية الأكثرين وللحموي أيضا ، وفي رواية المستملي والكشميهني " يعتم " بضم الياء وسكون العين وكسر التاء المثناة من فوق ، أي : يدخل في العتمة ، وفي رواية كريمة " يؤخر المغرب " قوله : " فيصليها ثلاثا " أي : فيصلي المغرب ثلاث ركعات . قوله : " وقلما يلبث " كلمة ما مصدرية ، أي : قل لبثه . قوله : " ولا يسبح " أي : لا يصلي من السبحة وهو صلاة الليل .

( ذكر ما يستنبط منه ) فيه الجمع بين المغرب والعشاء ، وقال الكرماني : وهو حجة للشافعي في جواز الجمع بين المغربين بتأخير الأولى إلى الثانية ، قلنا : ليس المراد منه أن يصليهما في وقت العشاء ، ولكن المراد أن يؤخر المغرب إلى آخر وقتها ، ثم يصليها ، ثم يصلي العشاء ، وهو جمع بينهما صورة لا وقتا ، وسيجيء تحقيق الكلام في بابه إن شاء الله تعالى . قال الكرماني : وهو عام في جميع الأسفار إلا سفر المعصية ، فإنها رخصة والرخص لا تناط بالمعاصي . قلنا : ينافي عموم نص القرآن فلا يجوز وسيجيء الكلام فيه مستقصى .

وفيه تأكيد قيام الليل لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يتركه في السفر فالحضر أولى بذلك ، وقال بعضهم : وفي قوله : " سر " جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ( قلت ) : لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فإن كان وقت الخطاب ج٧ / ص١٣٧وقت الحاجة فلا يجوز ، وهذا إذا وقع في كلام الشارع ليس في غيره على ما عرف في موضعه . وفيه أن صلاة المغرب لا تقصر في السفر ، وترجمة الباب عليه . وقد روي عن جماعة من الصحابة في ذلك أحاديث منها ما رواه عبد الله بن عمر وهو المذكور في الباب .

ومنها ما رواه البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه من رواية الحارث عنه قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ركعتين إلا المغرب ثلاثا ، وصليت معه في السفر ركعتين إلا المغرب ثلاثا . ومنها ما رواه أحمد " عن عمران بن حصين من رواية أبي نضرة أن فتى من أسلم سأل عمران بن حصين عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما سافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا صلى ركعتين إلا المغرب . ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط من رواية " عبد الله بن يزيد عن خزيمة بن ثابت قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع المغرب والعشاء ثلاثا واثنتين بإقامة واحدة .

وقال ابن بطال : لم تقصر المغرب في السفر عما كانت عليه في أصل الفريضة لأنها وتر صلاة النهار . قال : وهذا تمام في كل سفر ، فمن ادعى أن ذلك في بعض الأسفار فعليه الدليل ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : بلغني أن الملك الكامل سأل الحافظ أبا الخطاب بن دحية عن المغرب هل تقصر في السفر فأجابه بأنها تقصر إلى ركعتين ، فأنكر عليه ذلك ، فروى حديثا بسنده فيه قصر المغرب إلى ركعتين ، ونسب إلى أنه اختلقه ، فالله أعلم هل يصح وقوعه في ذلك ، وما أظنه يقع في مثل هذا ، إلا أنه اتهم ، قال الضياء المقدسي : لم يعجبني حاله ، كان كثير الوقيعة في الأئمة ، قال ابن واصل قاضي حمان : كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له متهما بالمجازفة في النقل ، وقال ابن نقطة : كان موصوفا بالمعرفة والفضل إلا أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها ، وذكره الذهبي في الميزان فقال : متهم في نقله مع أنه كان من أوعية العلم ، دخل فيما لا يعنيه . ( فإن قلت ) : ما وجه تسمية صلاة المغرب بوتر النهار وهي صلاة ليلية جهرية اتفاقا ( قلت ) : أجيب بأنها لما كانت عقيب آخر النهار وندب إلى تعجيلها عقيب الغروب أطلق عليها وتر النهار لقربها منه لتتميز عن الوتر المشروع في الليل ، وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -

في الحديث الصحيح " شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة "
وعيد الفطر إنما هو من شوال ، ولكن لما كان عقيب رمضان سمي رمضان شهر عيد لقربه منه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث