باب ما يكره من التشديد في العبادة
( باب ما يكره من التشديد في العبادة ) 180 - حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال : ما هذا الحبل ؟ قالوا : هذا حبل لزينب ، فإذا فترت تعلقت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا حلوه ، ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا فتر فليقعد . مطابقته للترجمة ، وهو إنكاره صلى الله عليه وسلم على فعل زينب في شدها الحبل لتتعلق عند الفتور .
( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : أبو معمر بفتح الميمين ، واسمه عبد الله بن عمرو المنقري المقعد . الثاني : عبد الوارث بن سعيد التنوري أبو عبيدة . الثالث : عبد العزيز بن صهيب البناني الأعمى .
الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رجاله كلهم بصريون ، وفيه أن شيخه مذكور بكنيته ، وشيخ شيخه مذكور بلا نسبة . ( ذكر من أخرجه غيره ) : أخرجه مسلم في «الصلاة» أيضا عن شيبان بن فروخ ، وأخرجه النسائي وابن ماجه كلاهما فيه عن عمران بن موسى ، وذكر الحميدي هذا الحديث من أفراد البخاري ، وليس كذلك ، فإن مسلما أيضا أخرجه كما ذكرنا .
( ذكر معناه ) قوله : ( دخل النبي صلى الله عليه وسلم ) أي المسجد ، وكذا في رواية مسلم ، قوله : ( فإذا حبل ) كلمة إذا للمفاجأة ، قوله : ( بين الساريتين ) أي الأسطوانتين وكأنهما كانتا معهودتين ، فلذلك ذكرهما بالألف واللام التي للعهد ، وفي رواية مسلم ( بين ساريتين ) بلا ألف ولام ، قوله : ( لزينب ) ذكر الخطيب في مبهماته أن زينب هذه هي زينب بنت جحش الأسدية المدنية زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي التي أنزل الله تعالى في شأنها : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ماتت سنة عشرين ، وتبعه الكرماني ، وذكره هكذا ، وقال صاحب التوضيح : إن ابن أبي شيبة رواه كذلك ، وليس في مسنده ولا في مصنفه غير ذكر زينب مجردة ، وروى أبو داود هذا الحديث عن شيخين له ، عن إسماعيل بن علية فقال أحدهما : زينب ولم ينسبها ، وقال الآخر : حمنة بنت جحش ، وهي أخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى أحمد من طريق حماد ، عن حميد ، عن أنس أنها حمنة بنت جحش ،
ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق شعبة عن عبد العزيز فقالوا : ميمونة بنت الحارث ، وهي رواية شاذة. ( قلت ) : لا مانع من تعدد القضية ، قوله : ( فإذا فترت ) بفتح الفاء والتاء المثناة من فوق ، أي إذا كسلت عن القيام ، تعلقت أي بالحبل ، وفي رواية مسلم : ( فإذا فترت أو كسلت ) بالشك ، قوله : ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ) يحتمل أن تكون كلمة ( لا ) هذه للنفي ، أي لا يكون هذا الحبل أو لا يمد ، ويحتمل أن تكون للنهي أي لا تفعلوه وسقطت هذه الكلمة في رواية مسلم ، قوله : ( حلوه ) بضم الحاء واللام المشددة أمر للجماعة من الحل ، قوله : ( ليصل ) بكسر اللام ، قوله : ( نشاطه ) بفتح النون أي ليصل أحدكم مدة نشاطه فيكون انتصابه بنزع الخافض ، وروي ( بنشاطه ) أي ملتبسا به ، قوله : ( فإذا فتر فليقعد ) ، وفي رواية أبي داود : ج٧ / ص٢٠٩( فإذا كسل أو فتر فليقعد ) ظاهر السياق يدل على أن المعنى أنه إذا عيي عن القيام وهو يصلي فليقعد ، فيستفاد منه جواز القعود في أثناء الصلاة بعد افتتاحها قائما ، وقال بعضهم : ويحتمل أن يكون أمر بالقعود عن الصلاة يعني ترك ما عزم عليه من التنفل . ( قلت ) : هذا احتمال بعيد غير ناشئ عن دليل ، وظاهر الكلام ينافيه .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق ، والأمر بالإقبال عليها بنشاطه ، وفيه أنه إذا فتر في الصلاة يقعد حتى يذهب عنه الفتور ، وفيه إزالة المنكر باليد لمن يتمكن منه ، وفيه جواز تنفل النساء في المسجد ؛ فإن زينب كانت تصلي فيه فلم ينكر عليها ، وفيه كراهة التعلق بالحبل في الصلاة ، وفيه دليل على أن الصلاة جميع الليل مكروهة ، وهو مذهب الجمهور ، وروي عن جماعة من السلف أنه لا بأس به ، وهو رواية عن مالك رحمه الله تعالى إذا لم ينم عن الصبح .