باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
حدثنا حفص بن عمر ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني عبد الملك ، عن قزعة قال : سمعت أبا سعيد رضي الله عنه أربعا قال : سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وكان غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة ، ح حدثنا علي ، قال : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجد الأقصى . هذان إسنادان ؛ الأول لحديث أبي سعيد الخدري ، والثاني لحديث أبي هريرة ، ولكنه لم يتم متن حديث أبي سعيد ، واقتصر على قوله : كان غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة ، وسيذكر تمامه بعد أربعة أبواب في «باب مسجد بيت المقدس» وتمامه مشتمل على أربعة أحكام ؛ الأول : في منع المرأة عن السفر بدون الزوج أو المحرم . والثاني : في منع صوم يومي العيدين .
والثالث : في منع الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب . والرابع : في منع شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . وحديث أبي هريرة مشتمل على الحكم الرابع فقط ، ولما كان الحديثان مشتركين في هذا ، اقتصر في حديث أبي سعيد على ما ذكره طلبا للاختصار ، وقيل كأنه قصد بذلك الإغماض لينبه غير الحافظ على فائدة الحفظ ، وظن الداودي أنه ساق الإسنادين لمتن حديث أبي هريرة ، وليس كذلك لاشتمال حديث أبي سعيد على الأشياء المذكورة ، ثم وجه مطابقة حديث أبي هريرة للترجمة ظاهرة لا يقال : ليس فيه لفظ الصلاة ؛ لأنا قد ذكرنا عن قريب أن المراد من الرحلة إلى المساجد المذكورة قصد الصلاة ، وأما وجه مطابقة حديث أبي سعيد للترجمة من حيث إنه مشترك لحديث أبي هريرة في الحكم الرابع كما ذكرناه ، وإن لم يذكره هاهنا مع أنه ما أخلاه عن الذكر على ما سيأتي إن شاء الله تعالى .
( ذكر رجال الإسنادين ) : وهم عشرة ؛ الأول : حفص بن عمر بن الحارث النمري . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : عبد الملك بن عمير بضم العين مصغر عمر ، المعروف بالقبطي ، مر في «باب أهل العلم أولى بالإمامة» وإنما قيل له القبطي ؛ لأنه كان له فرس سابق يعرف بالقبطي ، فنسب إليه ، وكان على قضاء الكوفة بعد الشعبي ، مات سنة ست وثلاثين ومائة ، وله من العمر يوم مات مائة سنة وثلاث سنين .
الرابع : قزعة بالقاف والزاي والعين المهملة كلها مفتوحة ، وقيل : بسكون الزاي ابن يحيى ، وقيل ابن الأسود ، مولى زياد يكنى أبا العادية . الخامس : أبو سعيد الخدري ، واسمه سعيد بن مالك الأنصاري . السادس : علي بن المديني ، وقد تكرر ذكره .
السابع : سفيان بن عيينة . الثامن : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . التاسع : سعيد بن المسيب .
العاشر : أبو هريرة . ( ذكر لطائف الإسناد الأول ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري ، وهو من أفراده ، وشعبة واسطي ، وعبد الملك كوفي ، وروايته عن قزعة من رواية الأقران ؛ لأنهما من طبقة واحدة ، وقزعة بصري ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . ( ذكر لطائف الإسناد الثاني ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن السفيان مكي ، والزهري وسعيد بن المسيب مدنيان ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي .
( ذكر تعدد موضع الحديث الأول ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في «الصلاة ببيت المقدس» عن أبي الوليد ، وفي «الحج» عن سليمان بن حرب ، وفي «الصوم» عن حجاج بن منهال ، ثلاثتهم عن شعبة ، عن عبد الملك ، وأخرجه مسلم في «المناسك» عن أبي غسان ومحمد بن بشار ، كلاهما عن معاذ بن هشام ، وعن محمد بن المثنى ، وعن عثمان بن أبي شيبة ، وعن قتيبة وعثمان ، كلاهما عن جرير ، وأخرجه الترمذي في «الصلاة» عن ابن أبي عمر ، وأخرجه النسائي في «الصوم» عن محمد بن المثنى ، وعن عبيد الله بن سعيد ، وعن عمران بن موسى ، وعن محمد بن قدامة ، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة في «الصوم» بالقصة الثانية ، وفي «الصلاة» بالقصة الثالثة ، وأخرج القصة الرابعة عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر من أخرج الحديث الثاني غيره ) أخرجه مسلم في «الحج» عن عمرو الناقد وزهير بن حرب ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، وأخرجه النسائي في «الصلاة» عن محمد بن منصور المكي . ( ذكر من روى عنه في هذا الباب ) فيه عن بصرة بن أبي بصرة ، رواه ابن حبان عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد : إلى المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس يشك أيهما قال ، وعن أبي بصرة أيضا رواه أحمد والبزار في مسنديهما ، والطبراني في «الكبير والأوسط» من رواية عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال : لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة ، وهو جاء من الطور فقال : من أين أقبلت ؟ قال : من الطور صليت فيه .
قال : لو أدركتك قبل أن ترتحل ما ارتحلت ؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .. . الحديث ، ورجال إسناده ثقات . قال الذهبي : بصرة بن أبي بصرة الغفاري هو وأبوه صحابيان نزلا مصر ، واسم أبي بصرة حميل ، وقيل حميل بن بصرة .
( قلت ) : حميل بضم الحاء المهملة وقيل بفتحها ، والأول هو الأصح ، وعن عبد الله بن عمرو مثله ، رواه ابن ماجه ، وعن أبي هريرة أيضا رواه الطبراني في «الأوسط» عنه يرفعه : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الخيف ، ومسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، وقال : لم يذكر مسجد الخيف في شد الرحال إلا في هذا الحديث ، قال صاحب التلويح : وهو لعمري سند جيد لولا قول البخاري : لا يتابع خيثم في ذكر مسجد الخيف ، ولا يعرف له سماع من أبي هريرة . ( قلت ) : خيثم هو ابن مروان ، ذكره ابن حبان في «الثقات» وهو الذي روى هذا الحديث عن أبي هريرة ، وعن جابر رضي الله تعالى عنه ، رواه أحمد عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق ، وعن أبي الجعد الضمري روى حديثه البزار والطبراني في «الكبير والأوسط» من رواية أبي عبيدة بن سفيان ، عن أبي الجعد الضمري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الحديث ، وإسناده صحيح . وقال الذهبي : أبو الجعد الضمري اسمه الأذرع ، ويقال : عمرو .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، أخرج حديثه البزار من رواية أبي العالية ، عن ابن عمر ، عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الحديث . وفي «كتاب العلم» المشهور لأبي الخطاب ، روي حديث موضوع ، رواه محمد بن خالد الجندي ، عن المثنى بن الصباح مجهول ، عن متروك ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده يرفعه : لا تعمل الرحال إلا إلى أربعة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ، وإلى مسجد الجند . ( ذكر معنى حديث أبي هريرة ) قوله : لا تشد الرحال على صيغة المجهول بلفظ النفي بمعنى النهي ، بمعنى : لا تشدوا الرحال ، ونكتة العدول عن النهي إلى النفي لإظهار الرغبة في وقوعه أو لحمل السامع على الترك أبلغ حمل بألطف وجه ، وقال الطبري : النفي أبلغ من صريح النهي ، كأنه قال : لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به ، ووقع في رواية لمسلم : تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد فذكره من غير حصر ، وليس في هذه الرواية منع شد الرحل لغيرها إلا على القول بحجية مفهوم العدد ، والجمهور على أنه ليس بحجة ، ثم التعبير بشد الرحال خرج مخرج الغالب في ركوب المسافر ، وكذلك قوله في بعض الروايات : لا يعمل المطي وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في هذا المعنى ، ويدل عليه قوله في بعض طرقه في الصحيح : إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد والرحال بالحاء المهملة جمع رحل ، وهو للبعير كالسرج للفرس ، وهو أصغر من القتب ، وشد الرحل كناية عن السفر ؛ لأنه لازم للسفر ، والاستثناء مفرغ فتقدير الكلام : لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان ، فإن قيل فعلى هذا يلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه ونحوه ؛ لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم العام ، وأجيب : بأن المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعا ووصفا كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيدا كان تقديره : ما رأيت رجلا أو أحدا إلا زيدا ، لا ما رأيت شيئا أو حيوانا إلا زيدا ، فهاهنا تقديره : لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة ، قوله : المسجد الحرام أي المحرم ، وقال بعضهم : هو كقولهم : الكتاب بمعنى المكتوب .
( قلت ) : هذا القياس غير صحيح ؛ لأن الكتاب على وزن فعال بكسر الفاء ، والحرام فعال بالفتح ، فكيف يقاس عليه ، وإنما الحرام اسم للشيء المحرم ، وفي إعراب المسجد وجهان : الأول بالجر على أنه بدل من الثلاثة ، والثاني بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هي المسجد الحرام ، ومسجد الرسول ، ومسجد الأقصى . وقال بعضهم : ويجوز الرفع على الاستئناف . ( قلت ) : الاستئناف في الحقيقة جواب سؤال مقدر ، ولئن سلمنا له ذلك فيؤول الأمر في الحقيقة إلى أن يكون الرفع فيه على أنه خبر مبتدأ محذوف كما ذكرناه ، قوله : ومسجد الرسول الألف واللام فيه للعهد عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ( فإن قلت ) : ما نكتة العدول عن قوله : ومسجدي بالإضافة إليه .
( قلت ) : الإشارة إلى التعظيم على أنه يجوز أن يكون هذا من تصرف بعض الرواة ، والدليل عليه قوله في حديث أبي سعيد : ومسجدي وسيأتي عن قريب ، قوله : ومسجد الأقصى بإضافة الموصوف إلى الصفة ، وفيه خلاف ، فجوزه الكوفيون كما في قوله تعالى : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وأوله البصريون بإضمار المكان ، أي بجانب المكان الغربي ، ومسجد البلد الحرام ، ومسجد المكان الأقصى ، وسمي المسجد الأقصى لبعده عن المسجد الحرام إما في المسافة أو في الزمان ، وقد ورد في الحديث أنه كان بينهما أربعون سنة ، ( وقد استشكل ) من حيث إن بين آدم وداود عليهما الصلاة والسلام أضعاف ذلك من الزمن . ( وأجيب ) بأن الملائكة وضعتهما أولا وبينهما في الوضع أربعون سنة ، وأن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام جددا بنيان المسجد الأقصى كما جدد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بناء البيت الحرام ، وقال الزمخشري : المسجد الأقصى بيت المقدس ؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد ، وقيل : هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة ؛ لأنه بعيد من مكة وبيت المقدس أبعد منه ، وقيل : لأنه أقصى موضع من الأرض ارتفاعا وقربا إلى السماء ، يقال قصى المكان يقصو قصوا بعد فهو قصي ، ويقال : فلان بالمكان الأقصى ، والناحية القصوى . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؛ لأن المسجد الحرام قبلة الناس ، وإليه حجهم ، ومسجد الرسول أسس على التقوى ، والمسجد الأقصى كان قبلة الأمم السالفة ، وفيه أن الرحال لا تشد إلى غير هذه الثلاثة ، لكن اختلفوا على أي وجه فقال النووي : معناه لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد ما غير هذه الثلاثة ، ونقله عن جمهور العلماء ، وقال ابن بطال : هذا الحديث إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة ، قال مالك رحمه الله : من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا براحلة ، فإنه يصلي في بلده إلا أن ينذر ذلك في مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس ، فعليه السير إليها ، وقال ابن بطال : وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعا بذلك فمباح إن قصدها بأعمال المطي وغيره ، ولا يتوجه إليه الذي في هذا الحديث ، وقيل : من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة للصلاة أو غيرها لم يلزمه ذلك ؛ لأنها لا فضل لبعضها على بعض ، فيكفي صلاته في أي مسجد كان .
قال النووي : لا اختلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنه قال : يجب الوفاء به ، وعن الحنابلة رواية يلزمه كفارة يمين ، ولا ينعقد نذره ، وعن المالكية رواية إن تعلقت به عبادة تختص به كرباط لزم وإلا فلا ، وذكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه في مسجد قباء ؛ لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يأتيه كل سبت ، واستدل قوم بهذا الحديث ، أعني حديث الباب على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد لزمه ذلك ، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في البويطي ، واختاره أبو إسحاق المروزي ، وقال أبو حنيفة : لا يجب مطلقا ، وقال الشافعي في الأم : يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به بخلاف المسجدين الآخرين ، وقال ابن المنذر : يجب إلى الحرمين ، وأما الأقصى فلا ، واستأنس بحديث جابر : أن رجلا قال للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ، قال : صل هاهنا وقال ابن التين : الحجة على الشافعي أن إعمال المطي إلى مسجد المدينة والمسجد الأقصى والصلاة فيهما قربة ، فوجب أن يلزم بالنذر كالمسجد الحرام ، وقال الغزالي عند ذكر إتيان المساجد ، فلو قال : آتي مسجد الخيف فهو كمسجد الحرام ؛ لأنه من الحرم ، وكذلك أجزاء سائر الحرم ، قال : ولو قال : آتي مكة لم يلزمه شيء إلا إذا قصد الحج ، وقال شيخنا زين الدين : لا وجه لتفرقته بين مكة وسائر أجزاء الحرم ، فإنها من أجزاء الحرم ، لا جرم أن الرافعي تعقبه فقال : ولو قال : أمشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام ، أو إلى مكة ، أو ذكر بقعة أخرى من بقاع الحرم كالصفا والمروة ، ومسجد الخيف ومنى والمزدلفة ، ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقبة زمزم وغيرها ، فهو كما لو قال : إلى بيت الله الحرام حتى لو قال : آتي دار أبي جهل ، أو دار الخيزران كان الحكم كذلك ؛ لشمول حرمة الحرم له بتنفير الصيد وغيره ، وعن أبي حنيفة أنه لا يلزم المشي إلا أن يقول : إلى بيت الله الحرام أو قال مكة ، أو إلى الكعبة ، أو إلى مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وحكى الرافعي عن القاضي ابن كج أنه قال : إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فعندي أنه يلزمه الوفاء وجها واحدا ، قال : ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي ، وقال القاضي عياض وأبو محمد الجويني من الشافعية أنه يحرم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة لمقتضى النهي ، وقال النووي : وهو غلط ، والصحيح عند أصحابنا ، وهو الذي اختاره إمام الحرمين ، والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره ، وقال الخطابي : لا تشد لفظه خبر ، ومعناه الإيجاب فيما نذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها ، أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك حتى يشد الرحل له ، ويقطع المسافة إليه ، غير هذه الثلاثة التي هي مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فأما إذا نذر الصلاة في غيرها من البقاع ، فإن له الخيار في أن يأتيها أو يصليها في موضعه لا يرحل إليها ، قال : والشد إلى المسجد الحرام فرض للحج والعمرة ، وكان تشد الرحال إلى مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حياته للهجرة ، وكانت واجبة على الكفاية ، وأما إلى بيت المقدس فإنما هو فضيلة واستحباب ، وأول بعضهم معنى الحديث على وجه آخر ، وهو أن لا يرحل في الاعتكاف إلا إلى هذه الثلاثة ، فقد ذهب بعض السلف إلى أن الاعتكاف لا يصح إلا فيها دون سائر المساجد ، وقال شيخنا زين الدين : من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه حكم المساجد فقط ، وأنه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة ، فأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم ، وفي التجارة والتنزه وزيارة الصالحين والمشاهد وزيارة الإخوان ، ونحو ذلك فليس داخلا في النهي ، وقد ورد ذلك مصرحا به في بعض طرق الحديث في مسند أحمد ، حدثنا هاشم ، حدثنا عبد الحميد ، حدثني شهر سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ، وذكر عنده صلاة في الطور فقال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا ينبغي للمطي أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا وإسناده حسن ، وشهر بن حوشب وثقه جماعة من الأئمة ، وفيه المذكور المسجد الحرام ، ولكن المراد جميع الحرم ، وقيل : يختص بالموضع الذي يصلى فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم ، وقال الطبري ويتأيد بقوله : مسجدي هذا لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة فينبغي أن يكون المستثنى كذلك ، وقيل : المراد به الكعبة ويتأيد بما رواه النسائي بلفظ : إلا الكعبة ورد بأن الذي عند النسائي إلا مسجد الكعبة حتى لو كانت لفظة مسجد غير مذكورة لكانت مرادة .