حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يجوز من العمل في الصلاة

حدثنا محمود ، قال : حدثنا شبابة ، قال : حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه صلى صلاة قال : إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي ، فأمكنني الله منه فذعته ، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول سليمان عليه السلام : رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرده الله خاسئا . ثم قال النضر بن شميل : فذعته بالذال ، أي : خنقته ، وفدعته من قول الله تعالى : يوم يدعون ، أي : يدفعون ، والصواب فدعته إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء . مطابقته للترجمة في قوله : ( فدعته ) ؛ لأن معناه دفعته في قول على ما نذكره ، عن قريب ، وكان ذلك عملا يسيرا ، وقد مر الحديث في باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد ، فإنه أخرجه هناك ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن روح ، ومحمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن محمد بن زياد إلى آخره ، وشبابة بفتح الشين المعجمة ، وتخفيف الباء الموحدة ، وبعد الألف باء أخرى مفتوحة ، وفي آخره هاء ابن سوار الفزاري مر في آخر كتاب الحيض ، ولفظه هناك : أن عفريتا من الجن تفلت علي .

( ذكر معناه ) قوله : ( فشد علي ) ، أي : حمل ، يقال : شد في الحرب يشد بالكسر ، وضبطه بعضهم بالمعجمة أعني الدال ، وأظن أنه غلط . قوله : ( يقطع الصلاة ) ، جملة وقعت حالا ، وهذه رواية الحموي ، والمستملي ، وفي رواية غيرهما : ليقطع ، بلام التعليل . قوله : ( فذعته ) الفاء للعطف ، وذعته فعل ماض للمتكلم وحده ، بالذال المعجمة من ألذعت بالذال المعجمة ، والعين المهملة ، والتاء المثناة من فوق ، وهو الخنق ، ويروى : فدعته من الدع بالدال ، والعين المهملتين ، وهو الدفع ، ومنه .

قوله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ أي : يدفعون ، وعلى هذا أصل دعت دععت ، وأدغم العين في التاء ، ويقال : معنى ذعته بالمعجمة مرغته في التراب . قوله : ( ولقد هممت ) ، أي : قصدت . قوله : ( أن أوثقه ) ، كلمة أن مصدرية ، أي : قصدت أن أربطه .

قوله : ( إلى سارية ) ، أي : أسطوانة . قوله : ( فتنظروا ) ، وفي رواية الحموي ، والمستملي : أو تنظروا إليه ، بكلمة الشك . قوله : ( خاسئا ) نصب على الحال ، أي : مطرودا متحيرا ، وههنا أسئلة : الأول : في أي صورة عرض له الشيطان ؟ ( قلت ) : روى عبد الرزاق أنه كان في صورة هر ، وهذا معنى قوله : ( فأمكنني الله منه ) ، أي : صوره لي في صورة هر مشخصا يمكنه أخذه .

الثاني قيل : مجرد هذا القدر يعني ربطه إلى سارية لا يوجب عدم اختصاص الملك لسليمان عليه الصلاة والسلام إذ المراد بملك : لا ينبغي لأحد من بعده مجموع ما كان له من تسخير الرياح ، والطير ، والوحش ، ونحوه ، وأجيب بأنه أراد الاحتراز عن الشريك في جنس ذلك الملك . الثالث : ثبت أن الشيطان يفر من ظل عمر رضي الله تعالى عنه ، وأنه يسلك فجا غير فجه ، ففراره عنه صلى الله عليه وسلم بالطريق الأولى ، وأجيب بأن المراد من فراره من ظل عمر ليس حقيقة الفرار بل بيان قوة عمر وصلابته على قهر الشيطان ، وهنا صريح أنه صلى الله عليه وسلم قهره ، وطرده غاية الإمكان ، وفي بعض النسخ عقيب الحديث عن النظر من شميل : فذعته ، بالذال ، أي : خنقته ، وفدعته من قول الله عز وجل : يَوْمَ يُدَعُّونَ ، أي : يدفعون ، والصواب : فدعته ، أي : بالمهملة ، إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء . ( ومما يستفاد منه ) أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة ، وأخذوا من ذلك جواز أخذ البرغوث ، والقملة ، ودفع المار بين يديه ، والإشارة ، والالتفات الخفيف ، والمشي الخفيف ، وقتل الحية والعقرب ، ونحو ذلك ، وهذا كله إذا لم يقصد المصلي بذلك العبث في صلاته ، ولا التهاون بها ، وممن أجاز أخذ القملة وقتلها في الصلاة الكوفيون ، والأوزاعي .

وقال أبو يوسف : قد أساء ، وصلاته تامة ، وكره الليث قتلها في المسجد ، ولو قتلها لم يكن عليه شيء ، وقال مالك : لا يقتلها في المسجد ، ولا يطرحها فيه ، ولا يدفنها في الصلاة ، وقال الطحاوي : لو حك بدنه لم يكره كذلك أخذ القملة ، وطرحها ، ورخص في قتل العقرب في الصلاة ابن عمر ، والحسن ، والأوزاعي ، واختلف قول مالك فيه ، فمرة كرهه ، ومرة أجازه . وقال : لا بأس بقتلها إذا آذته ، وكذا الحية والطير يرميه بحجر يتناوله من الأرض فإن لم يطل ذلك لم تبطل صلاته ، وأجاز قتل الحية ، والعقرب في الصلاة الكوفيون ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وكره قتل العقرب في الصلاة إبراهيم النخعي ، وسئل مالك عمن يمسك عنان فرسه في الصلاة ، ولا يتمكن من وضع يديه بالأرض ، قال : أرجو أن يكون خفيفا ، ولا يبعد ذلك . وروى علي بن زياد عن مالك في المصلي يخاف على صبي يقرب من نار ، فذهب إليه ، فقال : إن انحرف عن القبلة ابتدأ ، وإن لم ينحرف بنى ، وسئل أحمد عن رجل أمامه سترة فسقطت فأخذها وركزها .

قال : أرجو أن لا يكون به بأس ، فذكر له عن ابن المبارك أنه أمر رجلا صنع ذلك بالإعادة ، قال : لا آمره بالإعادة ، وأرجو أن يكون خفيفا ، وأجاز مالك والشافعي حمل الصبي في الصلاة المكتوبة ، وهو قول أبي ثور . ( قلت ) : عندنا يكره حمل الصبي في الصلاة ، وإن كان بعذر لا يكره .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث