باب فضل من مات له ولد فاحتسب
( حدثنا مسلم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا عبد الرحمان بن الأصبهاني عن ذكوان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النساء قلن للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل لنا يوما فوعظهن ، وقال : أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا حجابا من النار ، قالت امرأة : واثنان قال : واثنان ) . مطابقته للترجمة مثل الوجه الذي ذكرناه في الحديث السابق . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب ، وقد مر غير مرة .
الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : عبد الرحمن بن الأصبهاني ، واسم الأصبهاني عبد الله ، ويروى عبد الرحمن الأصبهاني بدون لفظة ابن ، والأصبهاني بكسر الهمزة وفتحها وبالفاء وبالباء الموحدة أربع لغات - قاله الكرماني . قلت : بالباء الموحدة في لسان العجم وبالفاء في استعمال العرب .
الرابع : ذكوان هو أبو صالح السمان . الخامس : أبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه : حدثنا عبد الرحمن ، وفي رواية الأصيلي : أخبرنا ، وفيه أن شيخه بصري وشعبة واسطي وعبد الرحمن كوفي ، وأصله من أصبهان ، وكان أبوه يتجر إلى أصبهان فقيل له : الأصبهاني وذكوان مدني .
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في مواضع قد ذكرناها في كتاب العلم في باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم ، وهناك أخرجه عن آدم عن شعبة إلى آخره نحوه مع زيادة فيه . وأخرجه مسلم والنسائي أيضا . ذكر معناه : قوله أن النساء قلن ، وفي رواية مسلم : أنهن كن من نساء الأنصار .
قوله : فوعظهن عطف على مقدر تقديره : فجعل لهن يوما فوعظهن فيه ، ومن جملة ما قال لهن قوله : أيما امرأة قوله : ثلاث من الولد في رواية أبي ذر هكذا ، وفي رواية غيرة ثلاثة ، وقد مر توجيهه عن قريب ، وقوله : ولد يتناول الذكر والأنثى والمفرد والجمع . قوله : كن هكذا رواية الحموي والمستملي ، وكأنه أنث باعتبار النفس ، أو النسمة ، وفي رواية غيرهما : كانوا ، وفي رواية أبي الوقت : كانوا لها حجابا ، وقال الكرماني : القياس كانوا ، ولكن الأطفال كالنساء في كونهم غير عاقلين ، أو المراد : كانت النساء محجوبات . قلت : تشبيههم بالنساء هكذا غير موجه ؛ لأن النساء عاقلات غير أن في عقولهن قصورا .
قوله : فقالت امرأة هي أم سليم الأنصارية والدة أنس بن مالك رواه الطبراني عنها بإسناد جيد : قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده : ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ، فقلت : واثنان قال : واثنان ، وممن سأل عن ذلك أم أيمن ، وقد تقدم في حديث جابر بن سمرة ومنهن أم مبشر مضى من حديث جابر بن عبد الله ، وفي حديث ابن عباس أن عائشة منهن ، وحكى ابن بشكوال أن أم هانئ سألت عن ذلك . فإن قلت : سؤالهن كان في مجلس واحد ، أو في مجالس ؟ قلت : يحتمل كلا منهما ، وقال بعضهم في تعدد القصة بعد . قلت : الأقرب تعدد القصة ، ألا ترى أنه قد تقدم في حديث جابر بن عبد الله أنه ممن سأل عن ذلك أيضا ، وقد مضى في حديث بريدة أن عمر سأل عن ذلك أيضا ، فظهر من ذلك أن اتحاد المجلس فيه بعد ظاهر فافهم .
قوله : واثنان عطف على ثلاثة ومثله يسمى بالعطف التلقيني ، أي قل يا رسول الله : واثنان ، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وقال بعضهم : واثنان ، أي وإذا مات اثنان ما الحكم ، فقال : واثنان ، أي وإذا مات اثنان فالحكم كذلك . قلت : فيه كثرة الحذف المخلة بالفصاحة ، وفي رواية مسلم من هذا الوجه : واثنين بالنصب ، أي وما أمر اثنين ، وفي رواية سهيل ، أو اثنان ، أي ، أو إن وجد اثنان فكالثلاثة ، وفيه التسوية بين ثلاثة واثنين . فإن قلت : كيف قال في الحال واثنان ؟ قلت : قال ابن بطال : هو محمول على أنه أوحي إليه بذلك في الحال ، ولا يبعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين ، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده حاصلا لكنه أشفق عليهم أن يتكلموا ؛ لأن موت الاثنين غالبا أكثر من موت الثلاثة ، ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بد من الجواب .
ومما يستفاد منه : ما قاله ابن التين تبعا للقاضي عياض أن مفهوم العدد ليس بحجة ؛ لأن الصحابية من أهل اللسان ، ولم تعتبره ؛ إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة لكنها جوزت ذلك فسألت ، وقال بعضهم الظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد ؛ إذ لو لم تعتبره لم تسأل . قلت : دلالة مفهوم العدد بطريق الاحتمال لا بطريق القطع ، فلذلك وقع السؤال عن ذلك . فإن قلت : لم خصت الثلاثة بالذكر .
قلت : لأنها أول مراتب الكثرة ، فتعظم المصيبة فيكثر الأجر ، فإذا زاد عليها يخف أمرها لكونها تصير كالعادة كما قيل . روعت بالبين حتى ما أراع به . كذا قاله القرطبي .
وقيل : هذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة ثم في الاثنين بخلاف الأربعة والخمسة ، ويلزم في ذلك أن يرتفع الأجر في الأربعة مع وجود الثلاثة فيها مع تجدد المصيبة . والوجه السديد في هذا أن يقال : إن تناول الخبر الأربعة فما فوقها من باب الأولى والأجدر ، ألا ترى أنهم ما سألوا عن الأربعة ، ولا ما فوقها ؛ لأنه كالمعلوم عندهم أن المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم . ( وقال شريك : عن ابن الأصبهاني ، قال : حدثني أبو صالح ، عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة : لم يبلغوا الحنث ) .
شريك بن عبد الله وابن الأصبهاني هو عبد الرحمن ، وقد مضى الآن وأبو صالح ذكوان ، وقد مضى صريحا في الحديث السابق ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عنه ، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني قال : أتاني أبو صالح يعزيني عن ابن لي فأخذ يحدث عن أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : ما من امرأة تدفن ثلاثة أفراط إلا كانوا لها حجابا من النار فقالت امرأة : يا رسول الله قدمت اثنين ، قال : ثلاثة ثم قال : واثنين واثنين ، قال أبو هريرة : الفرط من لم يبلغ الحنث ، وقد قال في كتاب العلم ، وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني : سمعت أبا حازم عن أبي هريرة ، وقال : ثلاثة لم يبلغوا الحنث .